في 26 مارس (آذار) 2016 أعلن طارق عامر، محافظ البنك المركزي المصري، طرح حصص من بنكي القاهرة والعربي الإفريقي الدولي في البورصة، وبيع بنك المصرف المتحد لمستثمر استراتيجي، وفي 26 فبراير (شباط) 2017، قالت وزيرة المالية التونسية، لمياء الزريبي، إن حكومة بلادها تدرس بيع حصص من ثلاثة بنوك عامة خلال 2017.

ورغم اختلاف الحدثين من حيث المكان والتوقيت، إلا أن هناك عاملين مشتركين في اتجاه مصر وتونس لبيع البنوك العامة، الأول هو أن كلًّا منهما يتبنيان خطط الإصلاح الاقتصادي تحت رعاية صندوق النقد الدولي، والثاني هو أن القطاع المصرفي في البلدين كان الأكثر استقرارًا ونموًا خلال السنوات الأخيرة، وكذلك هو عامل أساسي في تماسك اقتصادات هذين البلدين وعدم تعرضهما للانهيار التام.

صندوق النقد الدولي يعتمد على سياسات إصلاحية متشابهة، وهو ما يظهر جليًا وبشكل واضح، سواء في قرض مصر، أو تمويله لتونس، إذ ينتظر البلدان وصول الشريحة الثانية من قرض الصندوق، ومن المتوقع ألا تصل الشريحتان سوى بعد بيع أحد البنوك التي تحدث عنها كل من عامر والزريبي، لكن يبقى السؤال، لماذا يريد الصندوق من هذه البلاد بيع البنوك العامة، ربما قبل أي شيء من البرنامج الإصلاحي؟

في الواقع، ربما تنحصر إجابة هذا السؤال بين ثلاث نقاط لا أكثر: الأولى أن الصندوق يريد مزيدًا من الانتعاش والقوة لهذا القطاع باعتباره رمانة الميزان، بالنسبة للاقتصاد، ودخول المستثمرين الأجانب بالشراء سيحقق هذا الهدف، أما النقطة الثانية، فهي أن الصندوق يبحث عن موارد كبيرة سريعة، وذلك لتكوين احتياطات كبيرة يضمن من خلالها التزام أكبر برامج الإصلاح الاقتصادي الذي وجه الصندوق بتبنيه.

وفيما يخص النقطة الثالثة هي أن النقد الدولي ربما يريد من خصخصة البنوك ضمان استقلالية القطاع المصرفي عن القرار الحكومي، خاصةً فيما يتعلق بإقراض الحكومة لتنفيذ المشروعات التي قد لا تستوفي شروط السلامة الائتمانية الكاملة، بنفس قدر مشروعات القطاع الخاص.

مدحت نافع، الأكاديمي المصري، والخبير الاقتصادي، قال إن مؤسسات التمويل الدولية والإقليمية بدأت تبني استراتيچيتها في الدول النامية على دور محوري للجهاز المصرفي، باعتباره رمانة الميزان في أي نظام اقتصادي حديث، وبمجرد عمل البنوك بشكل أفضل من أجل تحويل مدخرات الناس إلى استثمارات منتجة تتحرّك العجلة تحركًا مستدامًا، ويقل اعتماد تلك الدول على التمويل الأجنبي.

وتابع نافع خلال حديثة لـ«ساسة بوست»: أن بيع حصص من البنوك العامة هدفه إعادة هيكلتها -أو ينبغي أن يكون كذلك- وليس تمويل احتياجات الموازنة العاجلة من أصول طويلة الأجل، وإلا سيصبح الأمر كمن يبيع أرضه ليشتري المحصول.

بيع بنوك مصر

تمتلك الحكومة المصرية أربعة بنوك فقط من أصل 40 بنكًا عاملًا في البلاد، وهي: البنك الأهلي المصري، وبنك مصر، وبنك القاهرة، والمصرف المتحد، وحصة تبلغ نصف أسهم البنك العربي الإفريقي، وحصة تقدر بـ20% من أسهم بنك الإسكندرية، بحسب بيانات البنك المركزي.

وتسعى القاهرة لبيع ثالث أكبر بنك في البلاد، وهو بنك القاهرة، وأحد أهم البنوك المصرية التي اعتبرت رمزًا لثورة 23 يوليو (تموز) 1952، ويمتلك البنك 235 فرعًا، فيما حقق أرباحًا بنحو 2.8 مليار جنيه بنهاية ديسمبر (كانون الأول) 2015، مقابل 2.1 مليار جنيه نهاية عام 2014.

البنك الثاني الذي تتجه مصر لبيعه هو البنك العربي الإفريقي الدولي، الذي تأسس عام 1964، ويمتلك البنك المركزي المصري 49.37%، وبحسب آخر بياناته للأرباح فقد ارتفع صافي ربح البنك  بنحو ٤٧% خلال تسعة أشهر.

المصرف المتحد، البنك الذي تأسس عام 2006، ويمتلك البنك المركزي نسبة 99.9% منه هو ثالث البنوك التي تخطط الحكومة المصرية لبيعها، لدى البنك 48 فرعًا، فيما سجل نموًا بصافي أرباح 15% خلال 2015، بواقع 254 مليون جنيه، مقابل 221 مليونًا حقّقها البنك بنهاية 2014.

الحكومة المصرية ترفض الاعتراف بوجود شروط من صندوق النقد تلزمها ببيع البنوك العامة، إلا أن أيمن هدهود، الباحث في السياسة المصرفية «يرى أن شروط القرض المعلنة تخلو من أي ذكر لخصخصة البنوك العامة، لكن برنامج الحكومة نفسه لا يمكن أن يخرج عن نصائح صندوق النقد الدولي».

وعن الفائدة من بيع البنوك العامة في مصر، يقول مدحت نافع، إن هذا يتوقف على الهدف المعلن من طرح حصة من البنوك، ومدى اتصاله بالغاية الأهم وهي الإصلاح المصرفي، وتحقيق مزيد من الحوكمة في آليات عمله، ولا يوجد حتى الآن ما يوضح أهداف الحكومة، فإعلان الطروحات بدا وكأنه يخاطب مجتمع البورصة، وحسب.

«الأضرار البالغة التي تعرضت لها البنوك بعد التعويم، والتي كان من المنتظر تعثّر بعضها وفقًا لوثائق الاتفاق مع الصندوق، وارتفاع درجة المخاطر فيما يخص نسبة كفاية رأس المال لعدد من البنوك المصرية، يستدعي إعادة رسملة تلك البنوك، وزيادة رأس المال عن طريق الطرح في البورصة ربما يقوم بهذا العرض»، بحسب نافع.

علي عبد الرؤوف الإدريسي، خبير وأستاذ الاقتصاد، يرى أن المكسب الوحيد من طرح الحكومة المصرية للبنوك، وشركات الطاقة، وغيرها للاكتتاب في البورصة، سيكون في حالة شراء الأجانب، فقط، لأن مصر في حاجة ماسة للاستثمارات الأجنبية.

وتابع الإدريسي خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أنه يفضل طرح البنوك التي تمر بعدم استقرار في معدلاتها الربحية، أو تسعى لزيادة رأس مالها، أو غيرها من عوائد الاكتتاب، لكن البنوك التي لا تحتاج لهذا الأمر قد يعود بيعها على البلاد بآثار سلبية.

لماذا يلهث رجال الأعمال خلف البنوك العامة المصرية؟

اتجاه الحكومة لبيع البنوك العامة يلقى قبولًا عامًا من أصحاب رؤوس الأموال، سواء في الداخل أو الخارج، وذلك لأن الأرباح المتوقعة من هذه الفرصة مرتفعة جدًّا، فبعيدًا عن ارتفاع وتيرة أرباح البنوك المصرية، والتي تعد محل إغراء لأي مستثمر، إلا أن هناك سببًا آخر يجعل البنوك العامة مطمعًا للمستثمرين، وهو فوائد أوراق الدين الحكومية.

ووصلت الفائدة على أوراق الدين الحكومية إلى مستويات قياسية عند 20% بعد رفع أسعار الفائدة بنسبة 3%، وتحرير سعر الصرف في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، وهو السبب وراء التهافت على شرائها من البنوك عمومًا، بما تعنيه من أرباح عالية ومضمونة، إذ تستحوذ فوائد الديون على النصيب الأكبر من الموازنة المصرية، وتبلغ نحو 310 مليارات جنيه للعام المالي الجاري.

بيع البنوك العامة في تونس

وعلى النقيض من مصر، كان شرط إعادة هيكلة الجهاز المصرفي في تونس شرطًا واضحًا لصندوق النقد الدولي في يوليو (تموز) 2016، إذ قالت، وزيرة المالية لمياء الزريبي، إن «بيع حصص من بنوك العامة بالبلاد، يأتي في إطار خطط لإصلاح القطاع المصرفي، يطالب بها صندوق النقد الدولي الذي أجل دفع الشريحة الثانية من قرض مخصص لتونس بسبب تباطؤ وتيرة الإصلاحات».

وكان من المفترض أن تتسلم تونس شريحة ثانية كانت مقررة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بقيمة 350 مليون دولار، إلا أنه وبسبب عدم تقدم الإصلاحات في تونس، التي على رأسها بيع حصص من البنوك العامة، لم تحصل تونس عليها حتى الآن.

ويعد الجهاز المصرفي التونسي محرك الاقتصاد، إذ يقول الخبير المصرفي والمالي، أنيس عاشور، إنّ الدولة التونسيّة تملك ثلاثة مصارف بالقطاع، وهي «الشركة التونسية للبنك» (مصرف تجاري تونسي)، و«البنك الوطني الفلاحي»، و«بنك الإسكان»، وهي عصب القطاع المصرفيّ في تونس.

وتستحوذ هذه المؤسسات على 40% من حجم تداولات الاقتصاد التونسي، وتشارك الأصول المصرفية بنسبة 23% من قيمة التمويل الإجمالي للاقتصاد، كما أن بها ما يقارب 29 ألف موظف، وتساهم بنسبة 3%من الناتج الداخلي، كما أنها تمول جميع القطاعات تقريبًا.

التنفيذ إجباري

باتت كل من تونس ومصر مجبرتين على تنفيذ مطلب صندوق النقد الدولي ببيع حصص، أو بعض البنوك العامة، لأن عدم التنفيذ يعني تعطل القرض، وهو ما يعد أزمة اقتصادية لن تتحملها هاتان الدولتان، وهو ما يحدث في الوقت الحالي مع تونس، وربما يحدث مع مصر حال لم تنفذ شروط الصندوق سريعًا.

إذ كشفت مصادر حكومية عن تأجيل تسلم مصر الجزء الثاني من الشريحة الأولى لقرض صندوق النقد الدولي إلى النص الثاني من 2017، بدلًا من النصف الأول من العام، لأن الصندوق يحتاج مزيدًا من الوقت لإنهاء المراجعة الأولى لبرنامج الإصلاح الاقتصادي للحكومة المصرية، الذي تم الاتفاق عليه بين الجانبين من قبل.

ويتشابه الوضع المصري والتونسي كثيرًا، إلا أن الحكومة المصرية سارعت مؤخرًا إلى قيد أسهم بنك القاهرة بجداول البورصة برأس مال 2.25 مليار جنيه، بقيمة أربعة جنيهات للسهم.

الجزائر على الطريق

تعتزم الجزائر السماح للبنوك المملوكة للدولة بإدراج أسهمها في البورصة الجزائرية، وفق خطة ستفتح الباب للأجانب لامتلاك حصص أغلبية في تلك البنوك.

وتمتلك الحكومة الجزائرية نحو ستة بنوك تسيطر على معظم أصول القطاع المصرفي في البلاد، فيما يحث صندوق النقد الدولي البلاد على إصلاح القطاع المصرفي عن طريق طرحه بالبورصة لجذب الاستثمار.

وخطة خصخصة البنوك مدرجة في مسودة قانون ميزانية 2017 المنظورة حاليًا في البرلمان للمناقشة، وتحتاج إلى تصديق أعضاء البرلمان، والرئيس عبد العزيز  بوتفليقة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد