بلغت الأزمة السياسية ذروتها في تونس، بعد أن أعلن رئيس الجمهورية قيس سعيد عن اتخاذه إجراءات وصفها بالاستثنائية، متمثّلة في إقالة الحكومة والسيطرة على السلطة التنفيذية، وتجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن النواب البرلمانيين، بينما وصف المعارضون لهذه الإجراءات والعديد من المحللين ما حدث بالانقلاب الدستوري.

وجاءت هذه القرارات في سياق سياسي ملتهب، إذ شهدت تونس الأحد 25 يوليو (تموز)، احتجاجات ومظاهرات وأعمال عنف في مناطق متفرقة من البلاد، كما حاول متظاهرون اقتحام مقرات حركة النهضة في عدد من المدن التونسية. وربط مراقبون هذه الاحتجاجات، بمطالب اقتصادية واجتماعية واستياء من الوضع الاقتصادي والسياسي الذي تعيشه البلاد، خصوصًا مع حالة البطالة، بالإضافة إلى الفشل الحكومي في التصدي لجائحة كورونا.  

وفي ظلّ غليان الشارع والأزمة السياسية التي عطّلت عمل الحكومة، اجتمع قيس سعيد بالقيادات العسكرية، وأعلن في خطاب متلفز عن قرارات استثنائية بسبب الأوضاع التي تعيشها البلاد: حل الحكومة الحالية، وتوليّه السلطة التنفيذية، من خلال تعيينه حكومة جديدة، بالإضافة إلى تجميد جميع اختصاصات البرلمان، ونزع الحصانة عن جميع أعضائه، وتولّيه أيضًا رئاسة النيابة العمومية، كما قال إن هنالك مجموعة أخرى من القرارات والمراسيم التي ستصدر فيما بعد.

الربيع العربي

منذ شهرين
5 أسئلة تشرح لك ما الذي يحدث في تونس الآن

وقد أدان رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان راشد الغنوشي، هذه القرارات التي اعتبرها انقلابًا على الدستور، ودعا عموم الشعب التونسي إلى إيقاف هذه القرارات لأنها تعود بالبلاد إلى عهد ما قبل الثورة التونسية، وكان الغنوشي، قد حاول الدخول إلى البرلمان فجر يوم الاثنين 26 يوليو (تموز)، إلا أن قوّات من الجيش قد منعته من الدخول رفقة برلمانيين آخرين. 

وقد أدانت عدة أحزاب وشخصيات تونسية هذه القرارات، من بينهم رئيس الجمهورية السابق المنصف المرزوقي الذي وصف قرارات قيس سعيّد بالانقلاب، ودعا إلى إفشاله، واعتبرها تأتي في إطار قرار إقليمي ودولي لإجهاض الثورة التونسية. 

الاتحاد التونسي للشغل، أخذ موقفًا أقرب إلى الرئيس، إذ دعا إلى ضمانات دستورية مرافقة للقرارات وضرورة ضبط أهداف هذه التدابير وتحديد مدتها حتى لا تتحول إلى إجراء دائم، مع الحفاظ على الحقوق والحريات الرئيسية. 

ورفضت أحزاب تونسية هذا القرار، من بينها حزب «قلب تونس» الذي اعتبره خرقًا جسيمًا للدستور، و«حزب العمال» التونسي الذي اعتبره تدشين مسار انقلابي، بالإضافة إلى «التيار الديمقراطي» الذي قال إنه يختلف مع تأويل الرئيس للفصل 80 من الدستور، بينما عبّر حزب «حركة شعب» عن تأييده لقرارات قيس سعيد.

وأعلن قيس سعيد عن حظر للتجوال لمدّة شهر من السابعة مساءً حتى السادسة صباحًا، وعطلة عن العمل تدوم يومين، وشهد مقر الحكومة بالقصبة انتشارًا أمنيًا كثيفًا، كما أن قوات أمنية اقتحمت مكتب قناة «الجزيرة» و«العربي» وقامت بطرد جميع موظفيها، وشهد محيط البرلمان التونسي، أمس مناوشات بين المساندين لقرارات الرئيس قيس سعيد وآخرين رافضين لما سمّوه بالانقلاب، وسط تواجد أمني كبير للشرطة.

كل هذه الأحداث استدعت ردود أفعال دولية متباينة، اتسم أغلبها بالتحفظ في التصريح سواء بالمواقفة أو الرفض لتحركات قيس سعيد الأخيرة.

وكانت الخارجية الفرنسية قد أصدرت بيانًا أمس الاثنين حول الوضع في تونس قالت فيه إنها تتابع باهتمام تطوّر الوضعية السياسية في تونس، وترجو احترام دولة القانون وعودة المؤسسات لعملها الطبيعية في أقرب الآجال، من أجل التركيز على الأزمة الصحية والاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها البلاد، كما دعت جميع الأطراف في تونس إلى تجنّب العنف والحفاظ على المكاسب الديمقراطية للبلاد.

أما وزارة الخارجية التركية فعبرت عما وصفته بقلقها العميق جراء تعليق عمل البرلمان، ودعت لإعادة إرساء الشرعية الديمقراطية في إطار أحكام الدستور بأسرع وقت، حسبما جاء في بيان لوزارة الخارجية التركية. وأضافت أن تونس تمتلك قصة نجاح نموذجية من حيث المسار الديمقراطي في إطار التطلعات الشعبية في المنطقة.

أما قطر فقد دعت «كافة أطراف الأزمة إلى إعلاء مصلحة الشعب التونسي الشقيق وتغليب صوت الحكمة وتجنب التصعيد وتداعياته على مسيرة تونس وتجربتها التي نالت الاحترام في المحيطين الإقليمي والدولي»، ودعت إلى الحوار «لتجاوز الأزمة ووتثبيت دعائم دولة المؤسسات وتكريس حكم القانون في الجمهورية التونسية الشقيقة».

أما الولايات المتحدة، وفي حوار بين وزير خارجيتها والرئيس قيس سعيد فقد حثّه على «الاستمرار في الحوار المفتوح مع جميع الأطراف السياسية والشعب التونسي» وأكد ضرورة «الالتزام بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تُعد الأسس التي يقوم عليها الحكم في تونس»، وأعربت ألمانيا على لسان الناطقة باسم وزارة الخارجية عن قلق برلين مما يجري في تونس، وأضافت: «نعتقد أنه من المهم الآن العودة بسرعة إلى النظام الدستوري».

أما الجامعة العربية، وفي اتصال هاتفي بين أمينها العام ووزير الخارجية التونسي «شرح فيه الوزير الصورة بالكامل من وجهة نظره عن الوضع السياسي بالبلاد والتفاعلات التي أدت لصدور القرارات الرئاسية في ضوء ما شهده الوضع الداخلي من حالة انسداد بحسبه». وجاء في بيان للجامعة العربية أنها ترجو سرعة اجتياز المرحلة المضطربة لتونس.

وقد عبر رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فقي محمد عن أن المفوضية متمسكة بالاحترام الصارم للدستور التونسي والحفاظ على السلام ورفض كل أشكال العنف، وتعزيز الحوار السياسي لحل القضايا المطروحة.

المصادر

تحميل المزيد