أصدرت «اللجنة الأمريكية للحريات الدينية الدولية»، التقرير الدولي السنوي حول الحريات الدينية حول العالم؛ وهي لجنة حكومية فيدرالية تابعة للولايات المتحدة، ومستقلة، كما أنها تحظى بتأييد من الحزبين: الجمهوري والديمقراطي، وقد أُسست بموجب «قانون الحريات الدينية الدولية» الصادر عام ١٩٩8، والذي يرصد ممارسة الحق في حرية الدين والعقيدة خارج الولايات المتحدة بوجه عام.

وتعتمد «اللجنة الأمريكية للحريات الدينية الدولية» على المعايير الدولية في رصدها الانتهاكات المتعلقة بحرية الدين والعقيدة خارج الولايات المتحدة، وتقدم كذلك التوصيات المتعلقة بالسياسات إلى الرئيس ووزير الخارجية والكونجرس في الولايات المتحدة.

ويضم تقرير هذا العام تقسيمًا للدول حسب انتهاكها للحريات الدينية، بحسب وزارة الخارجية الأمريكية؛ فهناك دول تشكل قلقًا خاصًا، وهي الأكثر انتهاكًا للحريات الدينية حول العالم، وهناك دول أخرى في تقييم أفضل قليلًا؛ فهم أولئك الذين لا ينتهكون الحريات الدينية بكثرة.

ووفقًا لقانون الحريات الدينية دوليًا في الولايات المتحدة الأمريكية، الصادر في عام 1998، فإنه يحق لوزير الخارجية الأمريكي أن يصدر قائمة سنوية، يُدرج فيها أسماء الدول التي مارست انتهاكات منهجيةً للحريات الدينية، أو تغاضت عن الانتهاكات ضد الحريات الدينية، على قائمة الدول التي «تُشكِّل قلقًا خاصًا» للولايات المتحدة الأمريكية. الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة الأمريكية أكدت أن إدراج بعض الدول على قائمة الدول التي تشكل قلقًا خاصًا هو من أجل دفعهم لتحسين الحريات الدينية واحترامها في بلدانهم.

من مصر إلى أمريكا.. أبرز 10 انتهاكات مصورة لحقوق الإنسان حول العالم في 2017

وطبقًا للقانون فإن الدول المُدرجة على القائمة هي دول قامت بارتكاب انتهاكات جسيمة وممنهجة ومستمرة للحريات الدينية ضد المقيمين على أرضها خلال العام الماضي 2017. قد تكون هذه الانتهاكات ضد المؤمنين بمعتقدات أخرى غير التي ينتمي لها أغلبية البلاد، فقد يتعرضون لانتهاكات مختلفة، وقد تأخذ شكلًا من أربعة:

  1. التعذيب أو المعاملة غير الإنسانية أو المهينة، أو العقوبة القاسية.
  2. الاحتجاز فترات طويلة دون توجيه تهم.
  3. التسبب في اختفاء شخص قسريًا عن طريقه اختطافه، أو احتجازه سرًا.
  4. الإعدام، وانتهاك الحق في الحياة، أو القيود على الحريات بشكل عام.

المملكة العربية السعودية.. واقعٌ أليم وإصلاح بلا تنفيذ

تعتبر المملكة العربية السعودية هي أولى الدول العربية المذكورة في التقرير الذي تناول ست دول عربية؛ حيث صُنفت المملكة على أنها دولة «تُشكِّل قلقًا خاصًا». وبالرغم من أن تقرير الحريات الدينية لعام 2018 أكد مواصلة الحكومة السعودية تنفيذها أعمال الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي، ضمن رؤية السعودية لعام 2030، في الوقت الذي يعتبر فيه الكثير من هذه الأعمال من شأنه أن يحسن من أوضاع الحريات الدينية وحقوق الإنسان في المملكة، إلا أن أوضاع الحريات الدينية لم تشهد تحسنًا في هذا العام، على الرغم من تخفيف شدة بعض القيود الاجتماعية.

ويرى التقرير أنه لا تزال الحكومة تحظر ممارسة غير المسلمين لشعائرهم علنًا، إلى جانب استمرارها في ملاحقة بعض الناس بتهم المعارضة وازدراء الدين والردة؛ فضلًا عن الوقت الذي لم يتطرَّق فيه قانون مكافحة الإرهاب الجديد في السعودية إلى مسألة غموض مصطلح الإرهاب فيه؛ حيث إن هناك العشرات ممن يقضون أحكامًا بالسجن لسنوات؛ بسبب تهم كالإلحاد أو الإرهاب.

الحريات الدينية في المملكة لابد لها وأن ترتبط بالأقلية الشيعية هناك؛ حيث ذكر التقرير أن الطائفة الشيعية لا تزال تعاني من التمييز المستمر في حق أبنائها، بل كانت هدفًا خاصًا لإحدى العمليات الأمنية في شهر مايو (أيار) من العام المنصرم في مدينة العوامية.

إنفوجراف: من بينها السعودية! 10 دول أعلنت أمريكا أنها «تشكل قلقًا خاصًّا» لها

الحكومة السعودية أيضًا، وبعد ما يزيد عن 15 عامًا من التقدم البطيء، لم تستكمل أعمالها في إصلاح الكتب المدرسية التي تروج للتعصب والعنف بحسب التقرير، كما أنه لا تزال حرية المرأة الدينية تتأثر سلبًا بنظام ولاية الأمر المستمر في النفاذ في المملكة، وذلك على الرغم من بعض الإجراءات المبشرة التي تتخذ لكبحه بحسب التقرير.

السودان.. حيث تنتهك حقوق جميع الأقليات

تعتبر السودان ثاني الدول العربية المذكورة في التقرير الدولي للحريات الدينية؛ حيث إنها صُنفت كدولة تشكل قلقًا خاصًا أيضًا، مثل المملكة العربية السعودية، وهو ما يعني أنها من أكثر الدول انتهاكًا للحريات الدينية. وقد ذكر التقرير أنه لا تزال أوضاع الحريات الدينية في السودان على نفس القدر من السوء الذي كانت عليه في عام 2017؛ فلا تزال الحكومة السودانية – بقيادة الرئيس عمر حسن البشير – تفرض تفسيرها للشريعة الإسلامية، وتطبق الحدود على المسلمين وغير المسلمين على حد سواء.

كما أشار التقرير إلى أشكال الاضطهاد المختلفة التي تعاني منها الأقليات الدينية في السودان؛ فالمسؤولون الحكوميون السودانيون خلال العام المنصرم 2017 ألقوا القبض على قادة الكنائس، وقاموا بالتضييق على أعضاء مختلف الطوائف المسيحية، وتخريب الممتلكات الكنسية أو مصادرتها، هذا إلى جانب القبض على المنتمين إلى عدد من الجماعات الإنجيلية، وتغريمهم وتهجيرهم من منازلهم، فضلًا عن مقتل واحد منهم لمعارضتهم مساعي الحكومة الاستيلاء على زمام القيادة لديهم ومصادرة ممتلكاتهم، بحسب التقرير.

اضطهاد الأقلية المسيحية في السودان أيضًا في 2017 وصل إلى هدم كنيستين، فضلًا عن توجيه الأوامر للمدارس المسيحية بفتح أبوابها أيام الأحد عقب صدور أمر جديد من الحكومة يقضي بذلك. التقرير تناول أيضًا الأحكام الصادرة ضد الأقليات الدينية في السودان؛ حيث ينتمي كثير ممن حوكموا إلى جماعات عرقية ودينية مهمشة، ومعظم التهم كانت متمثلة في مخالفة الأخلاقيات المستندة على الشريعة الإسلامية. كما أن محاكمتهم أجريت في العادة على عجل دون دفاع قانوني عنهم، وجاءت إدانتهم كالعادة مستوجبة لعقوبة الجلد.

سوريا.. اضطهاد الطوائف المسيحية والسنية

بالنسبة لسوريا، التي تعتبر ثالث وآخر الدول العربية الموضوعة تحت تصنيف الدول الأكثر انتهاكًا للحقوق الدينية حول العالم، وهو التصنيف نفسه الذي يساوي «تُشكِّل قلقًا خاصًا»، فإن أوضاع الحريات الدينية، وأوضاع حقوق الإنسان بشكل عام فيها ظلت مريعة، بحسب التقرير؛ فقد استمر «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» في تنفيذ عمليات الإعدام الجماعية، ومهاجمة السكان المدنيين، واختطاف أبناء الأقليات الدينية، وذلك في معظم أشهر العام الماضي 2017، قبل أن تتم هزيمته من قِبل التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة في نهاية العام بمدينتي الرقة ودير الزور، بحسب التقرير.

أمَّا الحكومة السورية، فقد ذكر التقرير الدولي للحريات الدينية أنها استمرت في استهداف المناطق ذات الغالبية السنية وتهجير أهلها؛ حيث شهد العام نفسه تصاعدًا كبيرًا في مشاركة «قوات الدفاع الوطني»، المدعومة والممولة من إيران، والملحقة بالقوات المسلحة السورية، في أعمال العنف الطائفي التي تستهدف السنة.

التقرير أيضًا أشار إلى أن عددًا من الهجمات الطائفية نُفذت أيضًا من جانب حلفاء النظام السوري، بما فيهم المقاتلون الشيعة الأجانب الذين جندتهم قوات الحرس الثوري الإيراني من أفغانستان وباكستان والعراق ولبنان، أمَّا في شمالي شرق سوريا، فوردت شكاوى من المسيحيين الذين يعيشون في ظل الإدارة الذاتية الكردية من تزايد التدخلات في المدارس المسيحية الخاصة، ومصادرة الممتلكات.

كل ما تريد معرفته عن الصراع السني الشيعي؟ 8 أسئلة تشرح لك

مصر.. خطوة للأمام وأخرى للخلف

تعتبر مصر رابع الدول العربية المذكورة في التقرير الدولي للحريات الدينية لعام 2018، إلا أنها صُنفت كدول تنتهك الحريات الدينية، ولكن ليست بالدرجة التي تضعها في قائمة الدول التي تشكل قلقًا خاصًا، وهي القائمة التي تحتوي على المملكة العربية السعودية، والسودان، وسوريا.

ويرى التقرير أنه بالرغم الوضع الحقوقي المتردي في مجمله، بما اشتمل عليه من حوادث القبض على المعارضين السياسيين والصحافيين، ظلت أوضاع الحريات الدينية في مصر إلى حد كبير على ما كانت عليه العام الماضي، وبالرغم من ذلك فقد أشار التقرير إلى مواصلة الرئيس عبد الفتاح السيسي مساعيه نحو تعزيز التسامح الديني، ومنها حضوره قداس عيد الميلاد القبطي للعام الرابع على التوالي.

من جانبها، واصلت الحكومة عملية إصلاح المناهج التعليمية، بحسب التقرير، ووضعت خططًا من أجل إصلاح النظام التعليمي بأكمله. كما أعطت الحكومة المصرية الأولوية لبناء عدد من دور العبادة لغير المسلمين، أو إعادة بنائها، ومنها كاتدرائية القديس مرقس القبطية الأرثوذكسية في القاهرة، ومعبد النبي إلياهو في الإسكندرية. وبالرغم من ذلك، إلا أنه منذ مطلع عام 2018 لم تحصل أي دار عبادة لغير المسلمين على الموافقة بالتجديد أو البناء أو التسجيل، بمقتضى قانون بناء الكنائس لعام 2016، سوى 35 كنيسة من أصل 5540 كنيسة تقدمت بطلب الحصول على تلك الموافقات.

وعلى الرغم من التطورات الإيجابية بشكل عام – بحسب التقرير – إلا أنه قد زادت عدد قضايا ازدراء الأديان المرفوعة ضد أفراد بعينهم في عام 2017 عن العام السابق عليه؛ حيث ذكر التقرير نقلًا عن جماعات حقوق الإنسان عن وقوع ما يزيد عن 120 هجومًا طائفيًا، بما فيها الهجمات على الكنائس. ويظل مصدر القلق البالغ للجنة هو عدم تقديم الجناة إلى محاكمات جدية.

كما شهد عام 2017  أيضًا سلسلة من الهجمات التي شنتها جماعات منتسبة إلى تنظيم (داعش)، والتي استهدفت دور العبادة؛ حيث كان منها الهجوم الأشد دموية في مصر على أحد مساجد الصوفية في سيناء؛ وهو الهجوم الذي راح ضحيته 305 قتلى، إلى جانب حوادث التفجير والهجمات التي استهدفت المسيحيين وكنائسهم، والتي أسفرت عن مقتل 100 وجرح المئات. كما ظلت الطائفة البهائية وشهود يهوه بلا اعتراف رسمي لأي منهما.

المتصوفون في سيناء.. «ذكر الله» تحت الحصار!

العراق.. الاضطهاد موجودًا حتى بعد هزيمة تنظيم الدولة

تعتبر العراق خامس الدول العربية المذكورة في التقرير الدولي للحريات الدينية؛ حيث إنها صُنفت كدولة تنتهك الحريات الدينية، ولكنها لم يصل مستواها إلى قائمة الدول التي تشكل قلقًا خاصًا. وقد أشار التقرير إلى النهاية السعيدة لعام 2017 بالنسبة للعراق؛ وذلك بعد هزيمة تنظيم الدولة، والذي شكل التهديد الأخطر على وجود الأقليات الدينية في العراق؛ فقد استمر تنظيم الدولة قبل هزيمته في شن سلسلة من الهجمات القاتلة طوال عام 2017، خاصةً في المناطق التي يسيطر عليها الشيعة، بما فيها بغداد العاصمة.

وعقب تحرير بعض المناطق من أيدي (داعش)، ولا سيما مدينة الموصل التي يهيمن عليها السنة، وثقت جماعات حقوق الإنسان أعمال التمييز والتعذيب والانتقام بالقتل التي مورست ضد المسلمين السنة من قبل النظام لأولئك الذين أبدوا أي تعاطف مع (داعش) من قبل، بحسب التقرير.

 

(معركة تحرير الموصل)

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وعقب الاستفتاء الذي أجرته حكومة إقليم كردستان، اندلع الصراع المسلح بين قوات الأمن العراقية وقوات الحشد الشعبي من جهة، ووحدات قوات البشمركة الكردية من جهة أخرى؛ مما أدى إلى زعزعة استقرار شمال العراق، بالرغم من سوء الأوضاع هناك قبل ذلك؛ وهو ما أدى إلى انتقال مقاليد السيطرة من حكومة إقليم كردستان إلى يد الحكومة العراقية في المناطق التي أقامت فيها أعداد غفيرة من الأقليات الدينية، بما في ذلك سهول نينوى وكركوك وجبال سنجار.

وفي الوقت نفسه، انتقد التقرير عدم وجود خطة واضحة للحكومة العراقية من أجل دمج الأقليات الدينية في المجتمع العراقي، مشيرًا إلى أن خطة الحكومة العراقية حول كيفية دمج تلك الأقليات بفاعلية مع ضمان أمنها وتنميتها لم تتبين معالمها بعد.

البحرين.. جميع الأقليات الدينية بخير.. ولكن الشيعة في أزمة

وأخيرًا، تناول التقرير السنوي للحريات الدينية الأوضاع في البحرين، والتي تعتبر الدولة العربية السادسة والأخيرة في التقرير؛ حيث إنها صُنفت على أنها دولة تنتهك الحريات الدينية بالدرجة الأقل من الدول التي تشكل قلقًا خاصًا؛ حيث يبدو أن أوضاع الأقليات الدينية في البحرين تحسنت كثيرًا عن جميع الدول العربية المذكورة في التقرير؛ حيث يرى التقرير أنه في عام 2017 بذلت الحكومة البحرينية جهودًا متضافرة لتعزيز الحريات الدينية والتفاهم بين الأديان والتعايش السلمي. وأصدر الملك حمد بن عيسى آل خليفة قراره بتدشين منصة إعلان مملكة البحرين من أجل التعايش السلمي، كما واصلت الطوائف الدينية من غير المسلمين ممارسة شعائرها الدينية بحرية، في السر والعلن على حد سواء، بحسب ما جاء في التقرير.

ولكن لم تتحسن أوضاع الحريات الدينية لدى الشيعة أنفسهم، والذين يمثلون غالبية السكان، وسط أجواء من التضييق المستمر على المعارضة مع تدهور أوضاع حقوق الإنسان بوجه عام. وفي الوقت الذي سلم فيه زعماء الشيعة من الاستهداف في عام 2017، إلا أن حملة القمع الشديدة التي جرت أحداثها في مايو 2017 قد أسفرت عن مصرع خمسة من المتظاهرين الشيعة، إلى جانب العشرات من الجرحى، فضلًا عن توقيف المدنيين ورجال الدين واعتقالهم.

(ملك البحرين)

كما واصلت السلطات، في العام نفسه، منع بعض رجال الدين الشيعة من الوصول إلى مساجد بعينها، ومنعت آخرين منهم من أداء صلاة الجمعة وإلقاء الخطب، وغير ذلك من الشعائر الدينية. كما أنه لا يزال التمييز ضد الشيعة في الوظائف الحكومية وبعض المصالح الاجتماعية والعامة مستمرًا. وطوال العام الماضي ذكر التقرير أنه قد زادت وتيرة دعم الحكومة الإيرانية للأعمال التخريبية التي تسعى إلى إحداثها الجماعات الشيعية المسلحة في البحرين، بحسب التقرير.

وبالرغم من إحراز الحكومة بعض التقدم بشأن معالجة الانتهاكات التي وقعت في الماضي ضد الشيعة، إلا أنها تراجعت لاحقًا عما أحرزته من التقدم؛ وذلك بعد أخذها في بداية الأمر بتوصيات أخرى وردت في التقرير الصادر عن اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!