ناقشت اللجنة العليا للإصلاح التشريعي، برئاسة رئيس الوزراء المصري، شريف إسماعيل، بالأمس، الثلاثاء 20 سبتمبر (أيلول)، قانون مكافحة جرائم الإنترنت، متضمّنًا موادًا تُجرّم اختراق الحياة الخاصة للأشخاص، والدخول «غير المشروع» لمواقع التواصل، والتحريض على الفجور، أو الإضرار بالأمن القومي للبلاد، وغيرها من الجرائم.

وبحسب ما نشره موقع المنصة عن القانون، في فبراير (شباط) الماضي، والمسودة التي تداولتها الصحف، فالقانون مكوّن من 35 مادةً، تأتي استجابةً لإحدى بنود الاتفاقية العربية لمكافحة جرائم المعلومات، والتي وقعت عليها الدول أعضاء الجامعة العربية، في ديسمبر (كانون الأول) 2010، وكانت مصر من بين هذه الدول.

وقدم النائب المصري تامر الشهاوي، مشروع القانون هذا إلى مجلس الشعب المصري، وهو مشروع قانون مُتشابه مع مسودة مشروع آخر فيما يخص مكافحة جرائم المعلومات، كان قد ظهر في مايو (أيار) 2015، بعد موافقة مجلس الوزراء المصري عليه.

اقرأ أيضًا: قانون الجريمة الإلكترونية: «Like» تعدمك.. و«Share» تسجنك في طرة

ولا يُعدّ هذا المشروع الأول من نوعه، الذي حاولت الحكومات المصرية تقديمه لمواجهة ما أسمته «الجرائم الإلكترونية»، ففي عام 2012، قدّم حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، مشروع قانون مُشابه.

وحظي مشروع قانون الحرية والعدالة بسخرية نشطاء ورواد مواقع التواصل الاجتماعي، بسبب ذكر كلمة «مملكة» في مسودة مشروع القانون، مُتهمين الحزب بنقل القانون السعودي، وهو ما نفاه أحمد أبو بركة، رئيس لجنة البحوث في اللجنة القانونية للحزب، مؤكدًا على أنه خطأ الصحيفة التي نشرت مسودة القانون، وفقًا لما نشرته جريدة المصري اليوم.

جدل حول القانون

ويهدف قانون مكافحة جرائم الإنترنت في مصر، إلى تنظيم استخدام الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، و«مكافحة الاستخدام الخاطئ للإنترنت»، وهو ما علّق عليه أحمد مهران، مدير مركز القاهرة للدراسات السياسية والقانونية، في حديثه لـ«ساسة بوست»، بقوله إن مجلس النواب «حادَ في صياغته عن الهدف الأصلي منه».

ويُضيف مهران، أن «هدف القانون الأصلي هو مكافحة الجرائم الإلكترونية، التي يعاني منها العالم كله ويستهدف مكافحتها، لكن البرلمان حوّل القانون إلى مواد يمكن إضافتها إلى قانون مكافحة الإرهاب، الذي صدر مؤخرًا».

ويرى مهران أن مواد القانون «تضع قيودًا جديدة على حرية التعبير في مصر، وتتناول حرية النقد  للهيئات الحكومية وتقيّدها»، ويقول إن مشروع القانون «يخترق قواعد قانونية كتفريد العقوبة، ويتسبب في تنوع  العقوبات على الجريمة الواحدة، بسبب تناول قوانين أخرى الجرائم التي يتناولها القانون في عقوباته، وهو ما يخالف قواعد القوانين الجنائية المصرية».

من جانبه، يرى محمد فتيت، الخبير الإلكتروني، أن وجود القانون مهم، رغم ثغراته القانونية، «نحتاج حماية الهيئات الحكومية والأشخاص الاعتباريين والحقيقيين، ووجود قانون ينظم استخدام الإنترنت مهم»، بحسب ما قال فتيت لـ«ساسة بوست».

وفي تصريحات لموقع برلماني، قال اللواء يحيى الكدواني، وكيل لجنة الدفاع والأمن القومي بالبرلمان المصري، إن «غلق مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، نتيجة كل ما تحتويه من جرائم الإنترنت، أمر مستبعد تمامًا»، لكنّه في المقابل شدد على ضرورة وضع ما أسماها بالضوابط لشبكات التواصل الاجتماعي؛ «لمحاولة استخدامها بشكل إيجابي، والقضاء على جرائم الإنترنت، ومنع استغلالها في التشهير بالمواطنين والإساءة لهم».

أما الكاتب الصحافي محمد سامي، فقد علّق على مشروع القانون في مقال بعنوان «قانون تلفيق التهم»، نُشر على الموقع الإلكتروني لصحيفة الوطن، مُنتقدًا المادة 19 من مشروع القانون، والتي تمنح لجهات تحري الضبط المختصة، إذا رصدت مواقع تبث موادًا «تضر بالأمن القومي»، أن تحرر محضر بالواقعة، وتطلب الإذن بحجبها أو حجب بعض روابطها، وفي حالة وجود استعجال أو خطر داهم على أمن البلاد يمكن  أن تخطر جهات التحري والضبط المختصة الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات كتابة؛ ليقوم على الفور باتخاذ الإجراءات الكفيلة بحجب الموقع.

ووصف سامي مواد مشروع القانون وصياغتها بـ«الكارثية»؛ لأنها، بحسب ما يرى «تفتح المجال لتقييد الحريات»، كما أن تغليظ العقوبات قد أعطاه إيحاءً بوجود نية لـ«إعادة القمع الإلكتروني»، وهو ما ذكّره، كما أورد في مقاله، بقانون المدونة الإلكترونية المغربي، الذي قدمته وزارة الاتصالات المغربية قبل عامين، ليقابل برفض واسع من قبل النشطاء المغاربة.

مواد فضفاضة وعقوبات تصل إلى الإعدام

في تقرير «معاداة التقنية» الصادر في يونيو(حزيران) 2016، عن كل من المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ومؤسسة حرية الفكر والتعبير، ومركز دعم لتقنية المعلومات، ذُكر أن «القانون جزائي، يحدد الجرائم والعقوبات، لكنه ليس إجرائيًّا، بمعنى أنه لا يحدد حقوق المتهمين وقاعد التحريات والاتهام والتقاضي».

وترى المنظمات الثلاثة، وفقًا لما ورد في تقريرها، أن القانون «يخل بمبدأ المساواة»، ذلك لأن المتهم بالتحريض على ارتكاب جرائم العنف عبر الإنترنت سيعاقب، وتتم محاكمته طبقًا لمواد تختلف عن مواد العقوبات التي سيحاكم على إثرها لو قام بالفعل نفسه عبر وسيلة أخرى، رغم أن الجريمة واحدة.

وانتقد التقرير أيضًا ما أسماها بـ«المواد الفضفاضة»، وعدم التحديد الذي يطال عددًا من مواد القانون، وكذلك تعريفات القانون لمصطلحات مثل «الموقع الإلكتروني» و«البريد الإلكتروني»، وهي تعريفات قال التقرير إنّها تتسم بـ«ضعف معرفة المُشرّع بالإنترنت وتقنية المعلومات».

وفيما يتعلق بالمواد الجزئية في القانون وصياغتها، فقد علّق التقرير بأن المواد لا تلتزم دائمًا بحد أقصى وأدنى للعقوبة، فقد ينص على عقوبة حبس «لا تقل عن ثلاث سنوات»، في حين أن الحد الأقصى لعقوبة الحبس هي ثلاث سنوات، وهو ما يخالف مبدأ «تفريد العقوبة»، وأحيانًا يفرض عقوبة الغرامة دون حد أقصى.

كما أن مواد القانون في عقوباتها قد تصل إلى السجن مدد طويلة كالسجن المشدد، وهو خمس عشرة سنة في القانون المصري، والسجن مدى الحياة، وهي عقوبة لخمس وعشرين سنة في القانون المصري، وحتى إلى الإعدام، كما أن قيمة الغرامات تصل إلى 20 مليون جنيه مصري.

ويُفرّق القانون في العقوبات بين الأشخاص الاعتبارية العامة، مثل الهيئات الحكومية، وبين الأشخاص الاعتبارية الخاصة، مثل الشركات، وبين الأفراد الطبيعيين، وذلك بإعطاء العقوبات الأقسى في حالة ارتكاب الجرائم ضد شخصيات اعتبارية عامة، وفي المقابل، لم يحمِ القانون المستخدمين من الجرائم التي قد ترتكب بحق الأشخاص من آخرين يعملون لصالح مؤسسات عامة، أو خاصة.

هذا الجدل حول قانون مكافحة جرائم الإنترنت، ليس الجدل العربي الأول، فهناك واقعة الحكم على الشاعر الفلسطيني أشرف فياض، بالسجن 8 سنوات، والجلد بتهمة الكفر، وذلك بموجب قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية السعودي، بالإضافة إلى الجدل المغربي حول القانون الذي جرى تقديمه من وزارة الاتصالات، منذ عامين، لينتهي الأمر بوقف القانون، كما شن نشطاء في تونس حملات ضد قانون مكافحة جرائم الإنترنت في تونس، كونه مقيدًا للحريات.

عرض التعليقات
تحميل المزيد