بالأمس، نشر موقع «ميدل إيست آي» البريطاني تقريرًا عن رئيس شرطة الإمارات ناصر أحمد الريسي المرشح لمنصب رئيس الإنتربول الدولي في ديسمبر 2020؛ والمتهم بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في الشرق الأوسط، كان بعضها ضد طالب بريطاني، أما الرئيس السابق للمنظمة -الصيني مينغ هونغوي- فهو خلف القضبان الآن، وذلك بعدما أكدت محكمة صينية تورطه في قضايا فساد مالي تتعلق بالتربح من مهنته، مما يجعلنا نتساءل عن المعايير التي يجري اختيار المرشحين لمناصب الإنتربول الكبرى على أساسها. من وحي هذا السؤال نستعرض معك عزيزي القارئ طريقة عمل المنظمة الدولية للشرطة الجنائية «الإنتربول».

كيف ينتخب رئيس «الإنتربول»؟

ينتخب رئيس الإنتربول بأغلبية الثلثين من الأعضاء، ويجري انتخابه هو ونوابه الثلاثة من بين المندوبين. خلال ذلك ينتخب الرئيس لأربعة سنوات، ونوابه لثلاث سنوات غير قابلين للتجديد. لكن كيف يجري ترشيح الأعضاء للانتخاب؟ لفهم طريقة عمل المنظمة يجب أن نكون على دراية أولًا بهياكلها الإدارية ووظائفهم.

يعرف «الإنتربول» بـ«المنظمة الدولية للشرطة الجنائية»، وهي منظمة دولية حكومية تتألف من 194 دولة أعضاء ومقرها مدينة ليون الفرنسية. وفيها يجري ربط البلدان بعضها ببعض وتبادل المعلومات المتعلقة بالجرائم والمجرمين وتقديم المساعدة الميدانية للقبض عليهم، وتعد «الأمانة العامة» للإنتربول هي الهيئة المسؤولة عن إدارة أنشطته اليومية الشرطية والإدارية.

في عام 1956، جرى اعتماد القانون الأساسي لـ«الإنتربول الدولي» والذي حدد المبادئ الأساسية التي تعمل عليها المنظمة بالإضافة إلى تحديد هياكل العمل ودور كل هيئة من الهيئات، وهي المبادئ التي جرى تحديدها وفقًَا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتعتبر «الجمعية العامة» هي أعلى هيئات المنظمة وتتكون من مندوبي أعضاء المنظمة، إذ أن كل عضو من الدول الأعضاء في المنظمة يوفد مندوب واحد أو عدة مندوبين، ويترأس وفد كل بلد شخص واحد يجري تعيينه من قبل مرجع حكومي مختص في ذلك البلد. 

(كيف تعمل منظمة الإنتربول؟)

تشمل وظائف الجمعية العامة انتخاب الأشخاص في الوظائف الخاصة بالمنظمة، وتنتخب أعضاء اللجنة التنفيذية، ويعمل نظام الانتخاب بالاقتراع على أن يمثل كل بلد عضو واحد، وذلك وفقًا لمبادئ القانون الأساسي. عادةً ما يجري الاقتراع بالأغلبية البسيطة؛ فيما عدا بعض القرارات الكبرى التي ينص القانون على أن تتخذ بأغلبية الثلثين. 

إذا كانت الأمانة العامة هي التي تدير شؤون المنظمة، فإن اللجنة التنفيذية للمنظمة هي التي تشرف على عمل الأمانة العامة وتراقب الأمين العام والذي يعد الأعلى رتبة بين موظفي المنظمة؛ وتتكون اللجنة من 13 عضوًا، هم «رئيس المنظمة» وثلاثة نواب للرئيس وتسعة مندوبين، جميعهم من بلدان مختلفة.

في الحقيقة، يتخطى عمل اللجنة التنفيذية ذلك إذ يجري تعيين الأمين العام بناءً على اقتراحات اللجنة التنفيذية، بحيث تعينه الجمعية العامة لمدة خمس سنوات قابلين للتجديد مرة واحدة فقط، وبالتالي يصبح اختيار الأمين العام بيد رئيس المنظمة ونوابه ومندوبي اللجنة؛ رغم ذلك تعتبر وظيفة «رئيس المنظمة» من الوظائف الشرفية بدوامٍ جزئي بلا أجر؛ إذ يخدم الرئيس بدوامٍ كامل في منصبه بإدارته الوطنية -بحسب المنظمة.

حقوق إنسان

منذ 4 أسابيع
«ميدل إيست آي»: متهم بتعذيب بريطانيين! تعرّف على مرشح الإمارات لرئاسة الإنتربول

أما عن الطريقة التي يجري بها ترشيح المؤهلين لرئاسة المنظمة، يشير القانون الأساسي إلى أن أية دولة من الدول الأعضاء بالمنظمة يحق لها اقتراح مرشحها لمناصب اللجنة التنفيذية، على أن يجري انتخاب الرئيس ونوابه من بين مندوبي اللجنة التسعة، وهو المنصب الذي يشغله حاليًا رئيس شرطة الإمارات ناصر أحمد الريسي.

أن تستغل بعض الدول «الإنتربول» لخدمة مصالحها الخاصة

في تقرير «ميدل إيست آي»، يشير بن كيث المحامي المتخصص في الجريمة الدولية إلى أن ترشح رئيس شرطة الإمارات لمنصب رئاسة المنظمة هو محاولة مستميتة من دولة مستبدة لأن تشق طريقها نحو رئاسة المنظمة. فهل يمكن أن تخدم مناصب الإنتربول العليا مصالح بعض الدول؟

على الرغم من أن القانون الأساسي للمنظمة يهدف إلى التعاون المشترك بين أجهزة الشرطة المختلفة من أجل مكافحة الجريمة؛ وذلك وفقًا لروح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ودون استغلاله في أي نشاط أو تحرك ذي طابع سياسي أو ديني أو عسكري أو عنصري؛ إلا أن مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية قد أشارت في أحد تقاريرها عن استغلال بعض الدول لمنظمة الشرطة الدولية من أجل مطاردة المعارضين السياسيين والمتهمين في جرائم غير جنائية، وهو ما لا يتوافق مع مبادئ المنظمة.

ذكرت المجلة أن الدول الأعضاء في «الإنتربول» عادةً ما يستخدمون النشرات الحمراء لملاحقة المجرمين المتهمين في الجرائم الكبرى؛ إذ تعتبر «النشرة الحمراء» هي الطريقة المتبعة في التبليغ عن الأشخاص المطلوبين. رغم ذلك كانت الإمارات من أولى الدول التي استغلت النشرات الحمراء في تحصيل ديونها الدولية؛ إذ وجد الأجانب ممن عملوا هناك أنفسهم على قوائم المطلوبين لدى الإنتربول بسبب نزاعات تجارية وديون بطاقات الائتمان، وهي أمور لا يعاقب عليها جنائيًا في كثيرٍ من الدول.

(ماذا تعني نشرات الإنتربول الملونة؟)

كانت روسيا أيضًا من الدول التي استغلت «النشرات الحمراء»؛ إذ اشتهرت باستصدارها لمطاردة أعدائها السياسيين في الخارج؛ وهو الأمر الذي أثار المخاوف الدولية عندما ترشح جنرال الشرطة الروسية، ألكسندر بروكوبتشوك، من أجل منصب رئاسة الإنتربول في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018؛ خوفًا من أن يسيطر الكرملين على المنظمة، مما نتج عنه معارضة أمريكية بريطانية لانتخاب الجنرال، ردت عليه موسكو بأنه «تسييس غير مقبول»، وقد أتى ذلك في أعقاب الاستقالة المفاجئة لرئيس المنظمة السابق مينج هونجوي بعدما تورط في قضايا فساد بالصين واختفى في ظروفٍ غامضة.

حينذاك كانت المخاوف كلها تتجه ناحية استغلال موسكو لمنصب رئاسة الإنتربول في اعتقال المعارضين السياسيين؛ إذ كانت بالفعل متهمة بشأن استغلال الإنتربول في الاضطهاد السياسي، واختيار رئيس روسي للمنظمة لم يكن ليحد من هذه التجاوزات. في الحقيقة، يبدو أن المخاوف ذاتها تحيط بالمرشح الإماراتي لهذا العام 2020، على الرغم من أنه المرشح الأكثر حظًا لرئاسة المنظمة.

هل يؤثر التمويل الخارجي في استقلالية قرارات «الإنتربول»؟

يشير الموقع الرسمي لـ«الإنتربول» إلى أن موارد المنظمة تتأتى من مساهمات الدول الأعضاء المالية، والتي يجب أن تقترن بقبول اللجنة التنفيذية وموافقتها، إذ يسدد الأعضاء مساهمات إلزامية للإنتربول، وهو مبلغ تحدده الجمعية العامة سنويًا، هذا إلى جانب التبرعات الطوعية وغير الحكومية؛ وهو الأمر الذي تشير المنظمة إلى أنه لا يتعارض مع استقلالية قراراتها.

رغم ذلك، يشير المحامي بن كيث إلى أن المال الوفير والقوة التي تتمتع بها الإمارات فضلًا عن استضافة مقر الجمعية العامة للمنظمة، تجعل فرصة الإمارات سانحة الآن ليفوز مرشحها بمقعد رئاسة المنظمة، وهو ما يثير المخاوف من استغلال دولة الإمارات العربية منصب مرشحها لخدمة مصالح خاصة.

في عام 2017، أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة عن تبرعها بمبلغ 54 مليون دولار لمنظمة «الإنتربول» من أجل تمويل الحرب على الإرهاب ومكافحة الجرائم الإلكترونية والمخدرات؛ وهي المنحة التي وصفت حينذاك بـ«السخية»، وقد كتبت «الجزيرة» نقلًا عن صحيفة فرنسية أن تلك «الهبة» التاريخية تثير التساؤلات حول استقلالية الإنتربول.

أشارت الصحيفة إلى أن منظمة الشرطة العالمية قد قبلت تلك المنحة الضخمة هدية من الإمارات عبر شركة غريبة يطلق عليها «مؤسسة الإنتربول لعالم أكثر أمانًا» والتي تجمع في بوتقتها شخصيات سياسية ومتهربين من الضرائب، بالإضافة إلى ضابط شرطة سابق تحول إلى العمل المخابراتي الدولي.

وعلى الرغم من ضخامة المنحة المالية، إلا أنها لم تحظ حينذاك بالتغطية الإعلامية المناسبة، بحسب الصحيفة؛ وقد اقترن التقرير بمقتطفات من البيان الصادر عن «هيومن رايتس ووتش» لعام 2018 والذي يتناول انتهاكات دولة الإمارات العربية المتحدة لحقوق الإنسان.

سياسة

منذ سنتين
بعد توقيف محمد محسوب بمذكرة من «الإنتربول».. ماذا تعرف عن «شرطة العالم»؟

وفي فيلم وثائقي بعنوان «الإنتربول.. شرطة تحت السيطرة»، جرت الإشارة إلى أن مؤسسة «الإنتربول لعالم أكثر أمانًا» ومقرها جنيف في سويسرا يعود إنشاؤها إلى الأمين العام السابق للإنتربول رونالد كي نوبل، وذلك عام 2013 بهدف جلب المستثمرين لرفع ميزانية الإنتربول إلى مليار دولار، وهي المؤسسة التي تدعي استقلالها عن منظمة الشرطة الدولية، إلا أنها رغم ذلك ترتبط بالمنظمة مباشرةً، ولها مكتب داخل الإنتربول من أجل تنسيق أعمالها مع منظمة الشرطة، وهو ما ربما ينفي استقلاليتها.

المصادر

تحميل المزيد