“لقد مرّ زمن طويل على رؤيتي لمخرج

يأتي بمثل هذه الرؤية العظيمة للأشياء”.

كوينتين ترانتينو (1) – بعد مشاهدة Interstellar

يبدو أن كل شيء قد بدأ في التداعي على ظهر هذا الكوكب؛ فها هي داعش تعيث في الأرض فسادًا، وفيروس الإيبولا آخذ في الانتشار بحماس شديد، بينما يشاع على نطاق واسع أن كيم كارداشيان تفكر بجدية في إنجاب طفلها الثاني (بعدما قررت أخيرًا أن تخرج علينا عارية تمامًا). لعله قد حان الوقت لمغادرة هذه الصخرة البائسة التي يقال لها الأرض. علينا إذن أن نلبي دعوة نولان التي يقدمها لنا عبر فيلمه (2) Interstellar.

كان ستيفن سبيلبيرج قد أوكل إلى جوناثن نولان في عام 2006 مهمة كتابة سيناريو لفيلم لم يقدر له أن يكون آنذاك؛ إذ أن سبيلبيرج قد أعرض كلية عن هذا المشروع، ويمم وجهه شطر مشروع آخر (3)، تاركًا خلفه جوناثن يحمل بين يديه سيناريو ثقيلاً يبحث عن مخرج، ينهض على أبحاث عالم الفيزياء الفلكية المرموق كيب ثورن (4)، بعنوان interstellar (الترحال بين النجوم). في نهايات عام 2011، أثناء تصوير الفصل الأخير من ثلاثية فارس الظلام (the dark knight rises). قدم جوناثن نص interstellar لأخيه كريستوفر نولان، كمشروع مقبل لكليهما، يتولى فيه كريس. مهمة الإخراج بدلا عن سبيلبيرج الذي تخلى عنه. وبالفعل قبل نولان المهمة، ولكن بعد أن يعيد كتابة النص مرة ثانية. ثم استدعى ثورن ليشرف على تنفيذ العمل (كمنتج منفذ) لضمان دقته العلمية.

سأحاول في هذا النص أن أقدم تأويلاً متعدد المستويات لعمل نولان هذا، منتهجًا أسلوبًا مقارنًا يستحضر جملة أعماله، بحيث يصير نصًّا عن نولان من خلال Interstellar ونصًّا عن Interstellar من خلال أعمال نولان.

أولاً: واقعية نولان السحرية، أو عقلنة المتخيل

PHOTOGRAPHS TO BE USED SOLELY FOR ADVERTISING, PROMOTION, PUBLICITY OR REVIEWS OF THIS SPECIFIC MOTION PICTURE AND TO REMAIN THE PROPERTY OF THE STUDIO. NOT FOR SALE OR REDISTRIBUTION. ALL RIGHTS RESERVED.

الواقعية السحرية  (magic realism) (5)  واحد من مفاهيم النقد الأدبي الحديثة، يستخدم عامة للتعبير عن الأعمال الفنية المختلفة (رسم، رواية، مسرح، سينما) التي تستدخل مكونات خيالية في بنية العمل الفني الأساسية، ولكن بصورة تختلف عن الأعمال الخيالية المحضة (fiction) أو الأعمال السيريالية؛ ففيها يتم المزج بين ما هو خيالي وما هو واقعي بدرجة يصعب معها الفصل بينهما، إن الواقعي هنا يقوم مقام الخيالي والعكس.

فالفنان يعمد إلى شيء واقعي تمامًا فيضفي عليه أبعادًا خيالية، أو يعمد إلى الخيالي فيضفي عليه أبعادًا واقعية. يمكن في سياق الأعمال السينمائية أن ننمذج على هذا النمط ببعض أفلام وودي ألان، مثل  midnight in Paris 2011 حيث يقوم البطل (أوين ويلسون) في منتصف كل ليلة برحلة يقابل فيها أدباء وفنانين من حقب زمنية غابرة. إذا قابل المرء في قلب باريس في عام 2010 كل من إرنيست هيمنجواي وبابلو بيكاسو وسيلفادور دالي، فهذا أمر خيالي، لكن هذه المقابلات تُعرض بطريقة تبدو من خلالها واقعية تمامًا.

هل يمكننا أن نصنف بعض أعمال نولان في قائمة الواقعية السحرية؟ بعض أعمال نولان (6) يمكن لنا أن ننسبها بضرب من التجاوز للواقعية السحرية عامة. ولكن واقع الأمر أن نولان قد أسس لصورة محددة من الواقعية السحرية، يمكن أن نعتبرها تقليدًا خاص به: فواقعية نولان السحرية تنهض أساسًا على استراتيجية أسميها بـ”عقلنة المتخيل”؛ إذ أنه لا يكتفي باستدخال الخيالي في بنية أعماله ليحل محل الواقعي، وإنما هو يسعى لعقلنة هذا المتخيل (عبر استراتيجيات علمية في المقام الأول) لدرجة توشك أن تنزع عنه وسم الخيال من الأساس.

فعلى سبيل المثال؛ قام نولان في ثلاثية فارس الظلام، بعقلنة شخصية “باتمان” الخيالية؛ ففي الفصل الأول Batman Begins تم وضع الأسس العقلية لكل إمكانات “باتمان” وقدراته، ببيان نوعية التدريب التي تلقاها، ومراحل بناء هيكل الـ “باتمان”، وسبب اختيار رمز الوطواط أصلاً لهذه الشخصية. كما أن قدرات هذه الشخصية تمت أنسنتها بدرجة كبيرة (نرى في الفصل الثاني كيف يضربه الجوكر (هيث ليدجر) ويبصق عليه، وكيف تنهشه الكلاب. ثم كيف يحطمه الشرير باين (توم هاردي) تمامًا في الفصل الأخير).

أو في inception حيث بدت فكرته الرئيسة (زرع الأفكار من خلال الأحلام المشتركة متعددة الطبقات) عصية على العقلنة التامة، فبذل نولان في المقابل وسعه لعقلنة بنيات وميكانيزمات الفكرة؛ فجعل تقنية الأحلام المشتركة تقنية مخترعة من قبل المؤسسة العسكرية لتمرين الجنود على القتال دون سفك دماء. وجعل من يصمم الأحلام معماري، وجعل طريقة الاستيقاظ من حلم متعدد الطبقات تعتمد على استعمال مخدر لا يؤثر على الأذن الداخلية labyrinth المسئولة عن تحقيق توازن الجسد، وغيرها من الاستراتيجيات العلمية.

1- Interstellar: نولان بين تقليدين

ا3

هل ينتمي Interstellar لقائمة أعمال نولان التي تنهض على “عقلنة المتخيل”؟ للإبداع صورتان:

الأولى: أن يأتي المرء بما لم يُسبق إليه. والثانية (وهي الأكثر): أن يعمد المرء إلى شيء موجود بالفعل، ولكن يتناوله بطريقة غير مسبوقة. فالصورة الأولى بمثابة خلق، أما الثانية فهي إعادة خلق. في السياق الفني يمكن القول بأن نولان يمارس فعل الإبداع في صورتيه؛ ففي Inception وMemento نجد الصورة الأولى (7). بينما في dark knight trilogy نقابل الثانية (8).

والحال، أن Interstellar يمكن تصنيفه في قائمة الأعمال التي تنتمي لصورة الإبداع الثانية؛ إذ أن موضوع الفيلم ينتمي إلى تقليدين سينمائيين شائعين بشكل مدهش: الأول هو تقليد “الإسكاتولوجيا” (9)، أي الأفلام التي يكون موضوعها هو نهاية هذا العالم. والثاني هو تقليد أفلام الفضاء.

يجمع موضوع Interstellar بين التقليدين؛ فهو فيلم يتحدث عن نهاية الحياة على هذه الأرض، ومن ثم محاولة البحث في الفضاء عن كوكب آخر كوطن بديل للإنسان. ولكن إذا كان موضوع Interstellar قد سُبق نولان إليه، فما هي الطريقة المبتكرة التي تناوله بها؟ إنها واقعيته السحرية الخاصة: عقلنة المتخيل. والتي طبقها على هذين التقليدين كالآتي:

جل صانعي أفلام نهاية العالم مهوسون بالدمار، الفيلم بوصفه رحلة رهيبة من التخريب لكوكب الأرض. وغالبًا ما يكون هذا الدمار على يد كائنات فضائية غريبة (Independence day) أو كائنات آلية ضخمة (war of worlds) أو حتى على يد إبليس نفسه (end of days). أو دمار مطلق لا يهم سببه (2012).

بالنسبة لنولان فالأمر مختلف؛ في Interstellar ليس ثمة كائنات فضائية عجيبة تفتك بالبشر، ولا حملات تدمير للكوكب تصيب المشاهدين بالارتباك. فأولاً؛ هو لم يفسح حيزًا كبيرًا من عمله لعرض مشكلة النهاية، وإنما كان ذلك من نصيب سبيل حل هذه المشكلة.

وثانيًا؛ عمل على عقلنة هذه النهاية باستراتيجية فيزيائية؛ فالحياة على هذا الكوكب توشك أن تنتهي بسبب حدوث خلل في نظام الجاذبية الأرضية، نتج عنه هبوب عواصف ترابية عاتية ومستمرة تؤذي الجهاز التنفسي للبشر وتقتلهم، كما أنها تحمل معها ميكروب يقتل الزرع. إن نهاية البشر إذن لن تكون على يد كائنات خارقة أو غريبة، وإنما على يد شيء بسيط تمامًا وهو التراب، “لم نكن نعلم أن التراب الذي ينبت لنا ما نأكل سوف ينقلب علينا إلى هذا الحد!” إن مشكلة البشرية هنا سوف تكون في أكثر الحاجات جذرية وبساطة: في الطعام؛ إن الناس سوف ينتهون من الجوع لا أكثر.

كيف سيتم علاج هذه المشكلة؟ لقد تحرر نولان من مركزية كوكب الأرض التي تسيطر على التقليد الإسكاتولوجي؛ فالحل دومًا في هذا التقليد يكون من خلال إنقاذ الأرض وإصلاحها. أما نولان فقد جعل الحل في مغادرة الأرض كلية والبحث عن موطن جديد للبشر المتبقين على ظهرها، “إن مهمتنا لا تتعلق بإنقاذ الكوكب، بل بمغادرته”، “إذا كان البشر قد ولدوا على الأرض فإن هذا لا يعني قط أن يموتوا عليها. إن قدرنا يثوي فوقنا” (10).

وعند هذه النقطة تبدأ علاقة موضوع Interstellar بالتقليد السينمائي الثاني: أفلام الفضاء (11). فكيف قطع نولان مع هذا التقليد من خلال آلية “عقلنة المتخيل”؟ رهان نولان الأساسي هنا، هو تحقيق عمل ينبني (بأقصى قدر ممكن يسمح به السياق الفني) على أسس فيزياء الفلك. على عكس أعمال هذا التقليد، التي لم تكن (في الغالب الأعم) تتوخى الدقة العلمية في كل التفاصيل. وبالتالي استدعى نولان بروفيسور كيب ثورن ليشرف على تنفيذ العمل (12).

ولكن أي جزء تحديدًا من فيزياء الفلك سوف يعتمد عليه نولان؟ إنها تطبيقات النسبية العامة لأينشتين (13)، وواقع الأمر أن هذه التطبيقات هي مفاهيم نظرية محضة نابعة من حل معادلات النسبية العامة لأينشتين، وافتراضات ليس عليها برهان تجريبي متفق عليه بين أهل العلم حتى الآن، إنها بمثابة ضرب من “المتخيل العلمي”، فكيف سيعقلنه نولان إذن؟

إنه “قانون ميرفي” (Murphy’s law): وقانون ميرفي هو تسمية شائعة لضرب من الأمثال الشعبية التي تتسم بالطابع المتشائم والساخر، وقانون ميرفي تحديدًا من بينها يتخذ الصيغة التالية: “كل أمر سيئ يمكن حدوثه سوف يحدث” (if anything can go wrong it will). أما عن سبب التسمية فهو أمر متنازع فيه بشدة، ولكن الرواية الأشهر هي التالية: قانون ميرفي، نسبة إلى مهندس الطيران إدوارد أ. ميرفي، في عام 1949، كان ميرفي يعمل مهندسًا في قاعدة إدوارد للقوات الجوية ضمن مشروع ما. ثم ارتكب أحد الفنيين العاملين تحت إمرته خطأ فظيعًا، فنهره ميرفي وقال: “لو كانت كل الطرق تؤدي إلى فعل ذلك بشكل صحيح، هو سيجد حتمًا الطريقة الخاطئة لفعله”. إن الأمور السيئة مهما كانت خارج نطاق التوقع فإنها ستحدث فقط لو أفسح لها الوقت، أو حظيت بأفراد على هذا القدر العبقري من الغباء!

أخذ نولان قانون ميرفي ولكن أجرى عليه تعديلاً جذريًّا: لقد جرده من محتواه التشاؤمي المتعلق بحدوث ما هو سيئ، ووسع نطاق عمله ليشمل كل أمر ممكن الحدوث، ومن ثم تصير نسخة نولان من قانون ميرفي هي: “كل ما يمكن حدوثه سوف يحدث”. لم يجر نولان هذا التعديل من وراء ظهرنا وإنما أطلعنا عليه بكل وضوح: لقد سمى نولان بطلة عمله “ميرف” (تأنيث من ميرفي لأن في النص الأصلي الذي كتبه جوناثن كانت هذه الشخصية ذكر، ولكن نولان عندما أعاد كتابته جعلها أنثى لشيء في نفسه سنتعرض له لاحقًا).

والحال أن ميرف ذات السنوات العشرة (ماكينزي فوي) كانت كثيرة الاستياء من كون والديها قد أطلقا عليها هذا الاسم ذا الحمولة التشاؤمية، ولكن أبوها كوبر (ماثيو ماكوناهي) عزاها قائلاً: “قانون ميرفي لا يعني أن شيئًا سيئًا سوف يحدث، وإنما يعني أن كل ما يمكن أن يحدث سوف يحدث”.

وعليه فعقلنة هذا المتخيل العلمي ستكون كالتالي: إذ كانت فكرة الثقوب السوداء والمرور عبر الثقوب الدودية والسفر عبر الزمن كلها فرضيات رياضية ثاوية في فيزياء أينشتين، فإنها ما تزال شيئًا ممكنًا، وبحسب قانون ميرفي (المعدل) فإن كل شيء ممكن الحدوث سيحدث، فقط لو توفر له الزمن الكافي أو توفرت له عقول عبقرية بحق. (كما أن حدوث ما هو سيئ يتطلب الوقت أو عقول غبية بحق كما ينص قانون ميرفي الأصلي).

هذه هي إذن واقعية نولان السحرية وآلية عملها وتطبيقها المضاعف في interstellar؛ عقلنة التقليد الإسكاتولوجي ثم عقلنة تقليد أفلام الفضاء من خلال ضبط العمل بمفاهيم الفيزياء النظرية، ثم محاولة عقلنة إمكان تحقق هذه المفاهيم النظرية في الواقع من خلال قانون ميرفي.

2- أينيشتين على الشاشة: دراما Interstellar

ا4

لمن صنع نولان هذا الفيلم؟ هل هو فيلم للمتخصصين في فيزياء الفلك، أم بوسع الإنسان العادي أن يراه؟ هل على من قرر أن يشاهد الفيلم أن يدرس أولاً النسبية لأينشتين (التي لم يفهمها حقًّا سوى قلة من البشر)؟ واقع الأمر أن أعمال نولان تستهدف شرائح مختلفة من الجماهير؛ وذلك لأنها أعمال متعددة المستويات، يجد الجميع تقريبًا فيها مآربه. ولكنها عامة تحتاج لمشاهد جاد، لا يبحث عن مجرد تزجية وقت فراغه.

لا شك أن الحمولة العلمية في Interstellar حمولة ثقيلة تتجاوز مثيلتها في باقي أعماله (كما أنها تتفوق على المضامين الفلسفية فيه) ربما يرجع ذلك إلى كون هذا المضمون العلمي غير مقحم في العمل، وإنما هو يمثل الأساس الذي ينهض عليه، ومن ثم كان حضوره كبيرًا. ولكن هذا لا يعني أن الفيلم لن يفهمه إلا متخصص، فبقدر يسير وأولي من المعرفة الفيزيائية يمكن للشخص العادي أن يفهم الفيلم. الفرق هنا، أن المتخصص وحده هو من سيكون قادرًا على إدراك مدى دقة الفيلم العلمية وتميزه عن باقي أفلام الفضاء من هذه الجهة.

على أية حال، لدينا هنا عدد من المفاهيم الفزيائية النظرية، أهمها: الزمكان (14) (space-time) وتمدد الزمن (15) (time dilation) والثقب الأسود(16) (Black hole) وأفق الحدث (17) (event horizon) والمفردة (18) (singularity). والثقب الدودي (19) (worm hole) والنجم النيتوروني(20) (neutron star). وكلها كما أسلفنا مفاهيم نظرية ليس عليها برهان تجريبي متفق عليه، سعى نولان لتصويرها كأنها واقع ممكن (إنطلاقًا من قانون ميرفي) بأكبر قدر من الدقة العلمية (المبنية على اجتهادات كيب ثورن في نظرية النسبية، والتي يمكن قطعًا أن تختلف مع اجتهادات غيره (21) يمكن أن يسمح بها السياق الفني المبني على الخيال أصلاً.

لا يريد نولان من Interstellar أن يثري معرفة المشاهد بالنظرية النسبية، فالناس لا تذهب إلى دور السينما لتأخذ دروسًا في الفيزياء على أية حال. ما يريده نولان ببساطة هو أن يأخذ المشاهد في تجربة يرى من خلالها هذه المفاهيم في صورة أقرب إلى الدقة العلمية مقارنة بأية أعمال تناولت هذه المفاهيم من قبل. فيريه شكل الثقب الدودي الكروي الذي وجدته ناسا موضوعًا من قبل كائنات ما قرب كوكب زحل Saturn. والذي يمكن المرور من خلاله لفضاء فيها ثلاث عوالم ممكنة (ميلر وإدموند ومان).

ويريه الثقب الأسود بصورة لم يُسبق أن قدمت على الشاشة، يتضح فيها جيدًا شكل أفق الحدث (لتصميم هذا الشكل تمت ترجمة أوراق ثورن في شكل برنامج كمبيوتر ضخم؛ مما أتاح لثورن كتابة ورقة بحثية تناقش كيفية برمجة معادلات النسبية). ويريه كيف يتمدد الزمن، فساعة واحدة على كوكب ميلر كانت تساوي 7 سنوات على كوكب الأرض (قد برر ثورن هذا الفرق الكبير بكون كوكب ميلر كان قريبًا من الثقب الأسود)، وكيف يعود كوبر من أوديساه وعمره 124 سنة بحسابات كوكب الأرض.

هو يريده أن يعيش هذه الرحلة عبر الزمن، لذلك كان اهتمام نولان الأول منصب على التصوير والصوت والموسيقى التصويرية (يجادل نولان بأن موسيقى هذا العمل هي أفضل ما أنتجه هانز زيمر حتى الآن (22). إنه يريد دمج المشاهد في سياق الفيلم ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، يشبه الأمر كثيرًا التقليد المسرحي “البرختي” (نسبة إلى الكاتب المسرحي الشهير برتولت برخت) حيث يتم إدماج المشاهد في سياق المسرحية.

لذلك نجد نولان يركز مثلاً على صوت السيارة وهي تخترق حقل الذره، وصوت تصادم الغبار بالسيارة أثناء العاصفة، من داخل السيارة ومن خارجها. وعلى أنفاس كوبر (ماكونهي) المرعوبة وهو يهبط في الثقب الأسود. هو يريد للمشاهد أن يشعر بنفس ما يشعر به الأشخاص في كل حدث.

كذلك هو يريد للمشاهد أن يعيش تجربة الحب الأبوي من خلال تركيزه على تفاصيل علاقة كوبر بابنته ميرف، وجعل هذا الحب هو محور الفيلم برمته، وأن يرى صيرورة هذه العلاقة مع الزمن، يريد نولان للمشاهد أن يجرب معنى أن يكبر أبناؤه بعيدًا عن عينيه، يتركهم صغارًا، ثم فجأة يراهم عبر شريط فيديو وهم كبار، الولد قد تزوج وأنجب والبنت صارت عالمة فلك، إن الأب لا يعرف هذه الوجوه، ولكنهم أولاده مع ذلك. ينقل لنا نولان هذا الوضع المأساوي من خلال دموع كوبر الرائعة.

داخل الثقب الأسود كانت مساحة الخيال المتاحة لنولان أوسع (23)؛ لأن بالوصول للمفردة يؤكد ستيفن هوكينج (24) أن كل قوانين العلم تنهار تمامًا، ولا يمكننا أن نتنبأ بما يمكن أن يحدث. ومن ثم كانت الفرصة متاحة لمخيلة نولان لتملأ هذا الفراغ (مع عدم الابتعاد كثيرًا عن الفيزياء). وقد كانت خطة نولان الأساسية كالآتي: عندما يسقط كوبر في الثقب الأسود هو والروبوت تارس (الذي لم نره حينها) سيجد نفسه في عالم خماسي الأبعاد يكون بعد الزمان فيه شيئًا ملموسًا تمامًا، اختار نولان شكل تسراكت (مكعب ثلاثي الأبعاد) من كتب مكتبته في حجرة ميرف ليكون هو الماضي، ماضي ميرف تحديدًا، كل لحظة من عمرها حتى رحل عنها موجودة هنا أمامه. هنا الفرصة متاحة لكوبر لكي يسافر عبر الزمن إلى ماضيه هو وابنته.

طول العمل كان نولان متبعًا أسلوبًا مباشرًا تمامًا في عرضه للأحداث، ولكن عند هذه النقطة يبدو أنه لم يستطع مقاومة إغراء موهبته في إرباك المشاهد؛ لقد راح كوبر وعبر الجاذبية (التي يخضع لها الزمن هنا) يقوم بالأفعال التي كانت تظنها ميرف أفعال شبح ما يسكن غرفتها؛ فأولاً أرسل لهما عبر الجاذبية إحداثيات ناسا (التي تعمل في السر) لتبدأ أحداث الفيلم. ثم راح يسقط الكتب بطريقة تفيد الجملة التالية

“لا ترحل”.

(لم يكن كوبر يريد أن يفارق ابنته بالرغم من كل شيء) ثم راح يرسل لها هو وتارس المعلومات الكمية من الثقب التي ستمكنها من حل معادلة بروفيسور براند (تلك التي كتبها كيب ثورن ونراها على سبورة كبيرة في ناسا طوال الفيلم) عبر شفرة مورس في ساعة اليد التي تركها لها يوم رحيله. فما الذي يجري بالضبط؟

إنها سياسات نولان للزمن؛ إن ترتيب الزمن عند هذه النقطة يكون كالتالي: في المستقبل البعيد ثمة بشر استطاعوا (بحسب قانون ميرف) وضع الثقب الدودي في الفضاء، وهم الذين وضعوا التسراكت لكوبر في الثقب الأسود. ثم في مستقبل أقرب منه وصل كوبر لهذا المكان، ليحرك ماضيه بالصورة التي تم عرض الأحداث بها (نشاهد كوبر في المستقبل يصافح إيمليا براند (هاثاوي) وهم في المركبة قبل الوصول للثقب الأسود). الأمر أشبه بحلقة مفرغة إذن قد وضعنا فيها نولان: الوصول للثقب الأسود لم يحدث إلا بالوصول إلى ناسا. والوصول إلى ناسا ومن ثمة كل أحداث الفيلم لم تحدث إلا بفضل الوصول للثقب الأسود ابتداءً. هذه هي لعبة السفر عبر الزمن التي زج بنا فيها نولان.

 

هوامش

[1] انظر نص كلام ترانتينو عن نولان وفيلمه في:

Christopher Nolan: the man who rebooted the blockbuster, Tom Shone, the Guardian. Nov. 2014

[2] انظر:

worm holes and space travel: could Interstellar actually happened? Reed tucker, New York post,

 November 2, 2014

[3] فيلمه لنكولن، الذي عرض في 2012 على الأرجح.

 

[4]Kip Thorne: عالم فيزياء نظرية وفلكية أمريكي مرموق. من أهم العلماء المشتغلين بتطبيقات نظرية النسبية العامة لأينيشتين. (جنبًا إلى جنب مع ستيفن هوكينج وكارل ساجان). حصل ثورن على درجة الدكتوراه وهو في الخامسة والعشرين من عمره، وأصبح بروفيسور في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (Caltech) وهو في الثلاثين من عمره. تتركز أبحاثه على مسائل الجاذبية والثقوب السوداء والسفر عبر الزمن. وقد اشتغل مع جوناثن لسنوات على كتابة نص interstellar.

[5] ظهر مفهوم الواقعية السحرية في حقل النقد الأدبي، لأول مرة على يد الناقد الألماني فرانز روا (1890- 1965) في العام 1925، ليشير به إلى نمط فني جديد يتجاوز المدرسة التعبيرية في فن الرسم. ثم اشتهر بعد ذلك كتوصيف لأعمال أدباء أمريكا اللاتنية من أمثال إيزابيل الليندي وماركيز وبورخيس.

 

[6] كـ Inception و dark knight triolgy تحديدًا.

[7] ربما كانت فكرة التسلل إلى أحلام الناس أو فكرة فقدان الذاكرة، فكرتان موجودتان بالفعل قبل نولان ولكن كفكرتين مجردتين،إذ لم يسبق أن تم توظيفهما في السياق الفني بهذه الصورة من قبله.

[8] فشخصية باتمان التي ابتكرها بوب كاين وروجتها DC comics موجودة بالفعل في السياق الفني قبل نولان بزمن طويل، ولقد حققت سبعة أفلام عنها قبل ثلاثيته (وسيحقق زاك شنايدر فيلما عنه بعد هذه الثلاثية)

[9] الإسكاتولوجيا مصطلح لاهوتي لاتيني معناه علم الآخرة، وموضوعه هو دراسة نهاية الحياة الدنيا وعلامات القيامة. ثم امتد المصطلح إلى خارج الإطار اللاهوتي حيث يستعمل للتعبير عن كل حديث عن النهايات.

[10] هذا الاقتباس الأخير من الـ teaser trailer للفيلم على لسان ماكونهي، وغير موجود في السيناريو.

 

[11] الأعمال التي ألهمت نولان في هذا السياق والتي تركت أثرًا فيه منذ الطفولة: فيلم 2001: space odyssey لستانلي كوبرك. وسلسلة star war لجورج لوكس. وblade runner لريدلي سكوت. خاصة فيلم كوبرك الذي يجعله نولان مرجعا أساسيا لفيلمه Interstellar.

[12] أيضا استدعى رائدة فضاء سابقة لموقع التصوير لتشرف على صناعة مركبة الفضاء.

 

[13] النسبية العامة كانت في 1916 بينما الخاصة كانت في 1905.

[14] الزمكان، نحت من الزمان-المكان، وهو مفهوم لأينيشتين يقصد به كما يبدو جليًّا دمج المكان بالزمان. لقد كانت الفيزياء الكلاسيكية تنظر إلى كل من الزمان والمكان بوصفهما مطلقلين ثابتين ومنفصلين تمامًا (الكون ثابت لا يتغير)، ثم جاء نيوتن ليقضي على نصف هذه الفرضية؛ فأثبت أنه ليس ثمة موضع مطلق في المكان، فالمكان نسبي يتغير (الكون يتمدد وينكمش)، بينما أبقى على نصفها الآخر، مقرا بأن الزمان مطلق.وكان على البشرية أن تنتظر مجيء ألبرت أينشتين ليهدم لنا هذه الفرضية بأجمعها؛ فالزمان بحسبه نسبي قابل للتغير هو الآخر تماما كالمكان وليس منفصل عنه. ومن هنا أضاف أينيشتين للأبعاد المكانية الثلاثة التي يمكن أن نحدد بها موقع نقطة ما في المكان (x, y, z أو الطول والعرض والارتفاع ) بعدا رابعا وهو الزمان ( c t)، ومن ثم لم يعد هناك مكان بمفرده وزمان منفصل عنه، وإنما لدينا مكان-زمان أو زمكان. ولكن ماذا يعني أن الزمان نسبي وليس مطلقًا؟ يعني أنه الزمن يختلف بالنسبة لكل جسم بحسب موقعه وكتلته وسرعته. فكلما زادت سرعة الجسم لتقترب من سرعة الضوء كلما تباطئ (تمدد) الزمن.

 

[15] تمدد الزمن أو تباطئه أو انحنائه، كلها بنفس المعنى تقريبا، وهي تطبيق مباشر لفكرة أنيشتين السابقة: دمج بعد الزمن مع الأبعاد المكانية، ومن ثمة نسبية الزمن. فلو أتيح لشخصين أحدهما على متن سفينة فضاء تسير بسرعة تقارب سرعة الضوء (300 ألف كيلومتر في الثانية. وهي أقصى سرعة ممكنة على الإطلاق) والآخر على سطح الأرض، أن يراقب كل منهما ساعة الآخر، سيجد من هو على الأرض أن ساعة من هو في السفينة تسير ببطء شديد عن ساعته والعكس.

[16]هو مصطلح وضعه الأمريكي جون هويلر في 1969، للتعبير عن تصور طرحه قبل ذلك بكثير جون ميتشل ولابلاس يتعلقبمسألة تأثير الجاذبيةعلى الضوء؟ والفكرة ببساطة هي: النجم عامة عبارة عن كتلة من الهيدروجين، تنكمش على نفسها بفضل جاذبيتها الذاتية. تتفاعل ذرات الهيدروجين مع بعضها لتنتج الهليوم، هذا التفاعل ينتج عنه قدر من الطاقة يخرج في صورة ضوء نراه نحن. ثم يتوقف هذا الانكماش ليستقر النجم فترة طويلة جدًّا تمثل عمره. ولكن عندما تنفذ كمية الهيدروجين تنتهي حياة النجم فينفجر أو يتحول لثقب أسود. وهو نجم قد انكمش على نفسه تماما بحيث صارت كثافته كبيرة جدا ومن ثمة تكون جاذبيته عظيمة بحيث أن الضوء نفسه لا يستطيع الإفلات منها فلا يشع أي ضوء بحيث يراه المراقب (لذلك يسمى أسود) ولما كان الضوء وهو أسرع شيء ممكن لا يستطيع الافلات من جاذبية الثقب الأسود فإن أي شيء آخر والذي بالضرورة أقل سرعة من الضوء لا يستطيع الافلات من جاذبية الثقب.

[17] أفق الحدث هو ببساطة الحيز من الفضاء المحيط بالثقب الأسود ولا يمكن لشيء أن يفلت منه. أي نطاق عمل جاذبيته.

 

[18] المفردة العارية أو المفردة التجاذبية أو المفردة القبيحة، هو أقل كتلة يمكن أن يصل إليها الثقب الأسود بسبب انكماشه على نفسه بفعل الجاذبية، وعندها تنهار قوانين العلم ولا ندري ما يمكن أن يحدث بشكل واضح.

[19] الثقب الدودي افتراض نظري في طبوغرافيا الزمكان يوجد في الفضاء أو داخل ثقب أسود، وهو عبارة عن نفق يصل بين نقطتين في الفضاء غاية في التباعد في زمن وجيز. وقد شرح نولان فكرته بمثال الورقة المثقوبة من طرفيها.

 

[20] هو النجم الذي تمتص البروتونات فيه الإلكترونات بسبب الانكماش وينتج منها النيترونات. ومن ثم تتكون ذراته من نيترونات فقط.

[21] جمع كيب ثورن المضامين الفيزيائية في الفيلم في كتابه Science in interstellarوالذي صدر مع وقت عرض الفيلم، وفي ورقتين بحثيتين منفصلتين.

[22] لم يبدأ نولان في كتابة السيناريو حتى أعطى لهانز ورقة فيها الفكرة الجوهرية للعمل، ثم طلب منه أن يؤلف مقطوعة لهذه الفكرة ويعزفها أمامه.

[23] علينا أن نتوقع قدر المعاناة التي تعرض لها كيب ثورن ليحجم مخيلة نولان الواسعة بشكل مفرط كيما ينضبط العمل علميا. يحكي ثورن أنه سلخ أسبوعين في جدال محموم مع نولان كيما يرده عن فكرة خرق سرعة الضوء، التي هي أقصى سرعة ممكنة (300 ألف كيلومتر/الثانية). نولان كان مصمم على خرق حاجز الضوء هذا.

[24] في كتابه تاريخ موجز للزمن. وهوكينج هو صديق كيب ثورن المقرب.

1 2 3
عرض التعليقات
تحميل المزيد