تعيش المملكة العربية السعودية مرحلة جديدة من تاريخها الممتد منذ عام تأسيسها 1932، بعد تولي «سلمان بن عبد العزيز» عرش المملكة؛ بالتزامن مع الإيقاع السريع للأوضاع الإقليمية، وتوسع نفوذ السعودية داخل المنطقة العربية، وانخراطها في معركة مفتوحة أمام الحوثيين إلى العاصمة اليمنية صنعاء،والمواجهة المشتعلة مع إيران، وتوسيع حدودها البحرية بنقل سيادة جزيرتي «تيران وصنافير» إليها.

«ساسة بوست»،حاورت «أنور عشقي» (72 عامًا)؛ لمناقشة هذه الملفات، وهو من يُعد أحد أبرز المُقربين لدائرة صُنع القرار السعودي، وقد سبق له العمل مستشارًا لمجلس الوزراء السعودي، وكذا للسفير السعودي الأسبق لدى واشنطن، «بندر بن سلطان»، ومسؤولًا عسكريًا سابقًا، وحاليًا يشغل منصب رئيس مركز «الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية والقانونية» في مدينة جدة.

  • مؤخرًا، جرى تنظيم عدد من اللقاءات العلنية، بين عدد من المسؤولين السعوديين السابقين، وبين مسؤولين إسرائيليين، منها لقاءك الأخير مع مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية، ولقاء الأمير «تركي الفيصل»، مدير المخابرات السابق بالجنرال الإسرائيلي «يعقوب عميدرور»، مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق. هل هذه اللقاءات تُمهد، على المدى القريب، لتطبيع العلاقات السعودية الإسرائيلية؟

الأمر ليس مُتعلقًا بالمملكة، هناك مُبادرات تنسيق للسلام مع إسرائيل، تشمل المنطقة العربية. وفي سبيل تحقيق السلام، سوف تشهد المنطقة تحالفات عربية؛ لمواجهة التحديات في دول العراق وسوريا واليمن وفلسطين، ودور المملكة سيكون دافعًا لعملية السلام في المنطقة بأكملها، بما يشمل التنسيق مع كافة الأطراف الفاعلة في عملية السلام.

  • ما الذي انتهى إليه هذا التنسيق مع الجانب الإسرائيلي، فيما يخص القضية الفلسطينية؟

أود أن أؤكد، أن السعودية، لم يكن لها علاقات مع إسرائيل في السابق، لكن المملكة أدركت أن إسرائيل تقطف الثمار، والحديث معهم بشأن القضية الفلسطينية انتهى إلى العمل بالمبادرة العربية، التي تتضمن العمل على حل الدولتين على أساس أراضي ما قبل 1967،بحيث يكون لفلسطين دولة كاملة السيادة، ولإسرائيل دولة كاملة السيادة.

  • وماذا بشأن قبول الجانب الإسرائيلي لهذه المُبادرة المُقترحة من قِبَلِكم؟

إسرائيل لديها استعداد للقبول بكافة بنود المبادرة. كان هناك فصيل داخلها يسعى إلى رفضها، لكن محاولاته باءت بالفشل. وأكثر من 75% من إسرائيل، موافقون على هذا الأمر. والقبول من الجانبين يُمهد لتنفيذها خلال الفترة المُقبلة برعاية سعودية.

  • ما الذي انتهى إليه الدورالسعودي في المصالحة الفلسطينية، بين حركتي حماس وفتح؟

جرى الاتفاق على كافة بنود المصالحة الفلسطينية بين كافة الأطراف، والتي تضمنت تشكيل حكومة وحدة فلسطينية، ووضع أسس لملف الموظفين في أجهزة الدولة لكلا الجانبين. والدور السعودي جاء بالتنسيق مع الدور المصري والقطري في هذه القضية التي نعتقد أن تنتهي مع نهاية شهر رمضان بتشكيل الحكومة.

  • لكن هذا التنسيق يتزامن مع توتر ملحوظ في العلاقات بين الدولتين، بجانب إدراج الجانب المصري لحركة حماس على قائمة المنظمات الإرهابية؟

أزمة قطر ومصر قائمة على الحل، وقطر التزمت بالحلول المُتفق عليها من جانب دول التعاون الخليجي، وهناك تفاهم مصري لهذا الأمر، ما يجعل مسألة الحديث عن توتر في العلاقة بين البلدين أمرًا مُبالغًا فيه. وبشأن إدراج حركة «حماس» ضمن قائمة المنظمات الإرهابية، فمصر تُدرك دور حركة حماس جيدًا، والدليل على ذلك اللقاءات التنسيقية التي تتم بين الجانبين، كما أن حركة حماس، لم تقم بأي عمل إرهابي ضد مصر، وأعتقد أنها ستُشطب من قوائم التنظيمات الإرهابية قريبًا.

  • اتفاق «تعيين الحدود البحرية» بين مصر والسعودية، والذي انتقلت بموجبه جزيرتا تيران وصنافير، إلى المياه الإقليمية السعودية، رأته النخبة السياسية المصرية استثمارًا لضعف دولة مصر اقتصاديًا مقابل دعمها اقتصاديًا؟

هذا الأمر غير حقيقي، وهذه التأويلات التي رافقها غضب شعبي مصري ليس له أساس قانوني، والجُزر مُسجلة في الأمم المتحدة، باعتبارها تخضع لسيادة المملكة، وبعد وقوع الجزر تحت الاحتلال الإسرئيلي، بعد حرب 1967 ألزمت اتفاقية «كامب ديفيد» إسرائيل بالانسحاب، وإرجاعها للسيادة السعودية، ولكن تأجل هذا الأمر لعدم قدرة المملكة على إزالة الألغام التي خلفتها إسرائيل في الجزيرتين.

  • هل طلبت المملكة العربية السعودية من الرئيس المخلوع «محمد حسني مبارك»، انتقال سيادة الجزيرتين لها خلال ولايته؟

نعم، طلبت المملكة من مبارك تدشين اتفاقية انتقال الجزيريتن لسيادة المياه الإقليمية السعودية، لكنه طلب تأجيل هذه الصفقة، دون تحديد مدى زمني لها.

  • إلى أي مدى تتنازل السعودية عن مطلب عزل رئيس النظام السوري، «بشار الأسد» عن منصبه، كسبيل لتسوية القضية السورية؟

السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، تعتقد أن الحل الأمثل للأزمة السورية هو الحفاظ على هيكل النظام السوري، والتأكيد على أن بشار فرد زائل، والشعب كيان باق. ومسألة بقاء بشار في الحكم مرفوضة، أما مسألة بقاء نظامه فهي ممكنة.

  • هل ستصب عوائد استثمار المملكة في الجزيرتين لصالح المملكة فقط، أم سيتم تقسيمها بين مصر والسعودية؟

عوائد الاستثمارات لتلك الجزر تصب في مصلحة السعودية فقط، والمملكة ستعتمد استراتيجية تهدف لتحويل الجزيرتين إلى أسواق عالمية حرة؛ نظرًا للموقع الاستراتيجي لهما.

  • هل التقارب السعودي التركي، في الفترة الأخيرة، خَصَم من نفوذ العلاقات المصرية السعودية؟

التقارب السعودي التركي لن يؤثرعلى العلاقة بين الرياض والقاهرة. والمملكة سعت منذ فترات لتقريب وجهات النظر بين مصر وتركيا، في عدد من القضايا الإقليمية، كالملف السوري، الذي شهد تقاربًا بين تركيا والمملكة في المواقف. وستستأنف المملكة هذه الجهود  لتعود العلاقة بين الجانبين طبيعية؛ لأن طبيعة الأزمات في المنطقة تقتضي تذويب الخلافات العالقة بين البلدين.

  • ما هو الموقف الحكومي الرسمي للسعودية تجاه جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر؟

المملكة لديها مبدأ رئيس حيال مصر على امتداد عصورها، وهو احترام سيادة القرار في مصر، وعدم ممارسة أي دور، إلا بمعرفة مُسبقة لمصر. وفي هذا الصدد ترى المملكة أن السياسة الاحتوائية تجاه الفصائل السياسية ضرورة لتحقيق الأمن القومي العربي، بما يتضمن ذلك احتواء العناصر السلمية من جماعة الإخوان المسلمين، ممن لم يتورطوا في ممارسة الإرهاب؛ لأن الاحتواء سيجذبهم للاعتدال، أما الإقصاء فسيدفعهم للعنف من جديد، وأعتقد أن كُل إقصاء لمكونات المجتمع هو تطرف.

  • لكن سياسة الاحتواء التي تطرقت إليها، لم تكن إحدى الحلول المطروحة من جانب العاهل السعودي الراحل، الملك «عبد الله»، تجاه جماعة الإخوان المسلمين؟

الملك «عبد الله» كانت ولايته تُمثل مرحلة وتوجهًا، والملك «سلمان» مرحلة أخرى. والسعودية مرت بثلاث مراحل تاريخيًا: المرحلة الأولى مرحلة التأسيس، وأبطالها الملك «عبد الله» و«الملك فيصل»، والثانية مرحلة التمكين، والتي تحول فيها الشعب السعودي من الانتماء للقائد إلى الانتماء للنظام، وانتقاله من مرحلة الرعوية السعودية إلى المواطنة السعودية، خلال فترة الملك «فهد» و الملك «عبد الله». أما المرحلة الثالثة، فهي في عهد الملك «سلمان»، والقائمة على سياسة الاحتواء، وتجميع كافة القوى العربية لمواجهة التحديات الخارجية.

  • هل تعتقد أن تتضمن توجهات الملك «سلمان» الجديدة، التواصل مع جماعة الإخوان المسلمين كفاعل سياسي في الملفات الهامة بالشرق الأوسط؟

إذا طلبت جماعة الإخوان المسلمين التواصل مع المملكة، فسنسألهم لماذا هذا الطلب، وإذا تأكدنا من حسن النوايا لإيضاح مواقفهم، فلن ترفض المملكة. وقد تكرر نفس الأمر للمملكة في التواصل مع إخوان سوريا، واجتمعوا بالملك سلمان حين كان وليًا للعهد.

  • البعض يعتقد أن حسابات السعودية في إعلانها الحرب على «الحوثيين»، وفي الأزمة اليمنية عمومًا، كانت حسابات خاطئة، وأن النتائح الأولى لها تُظهر عدم صوابها؟

الحسابات لم تتعقد، وتكلفة الحرب للمملكة ودول التحالف في حدود القدر المعقول،ولن تؤثر على المملكة كثيرًا. كما أن الحرب توشك أن تنتهي، والحوثيون سيستسلمون جميعًا، وينخرطون في اللعبة السياسية؛ لأنه ليس أمامهم خيار سوى هذا الخيار.

  • في النهاية، ما الذي توصلت له لجنة التحقيق، بشأن حادث التدافع في منى، خلال مناسك الحج الذي أدى إلى مقتل 717 شخصًا، وجرح 863 آخرين؟

التحقيقات أشارت إلى وجود مؤامرة خارجية، موثقة بالأدلة، تكشف تورط إيران في هذه الواقعة؛ عن طريق دفع مبالغ مالية لبعض الأفارقة؛ مقابل هذه الأفعال. كذلك توجد مجموعة كبيرة من الإيرانيين الذين دخلوا بجوازات سفر مزورة، أبرزهم السفير الإيراني السابق في لبنان، «غضنفر ركن آبادي»، والذي دخل إلى المملكة باسم مُستعار، وبطريقة غير رسمية.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد