كل ثورة روحيّة تحمل داخلها احتمالًا لثورة عالمية *المؤرخ مارك ليلا

يشهد العالم اليوم ثورات وانتفاضات اجتاحت الشرق والغرب. فغربًا تشهد تشيلي حراكًا مناهضًا للتفاوت الاقتصادي وللرأسمالية. وشرقًا لم تزل هونج كونج منتفضة منذ مارس (آذار) الماضي، وحاملة لمطالبها الخمسة التي تعزز من الديمقراطية. وفي العالم العربي شعوبٌ تحاول أن تثور على نخبها الحاكمة، والنظام الطائفي، وهيمنة العسكر على أجهزة الدولة. بدأت الموجة الثانية في السودان، ومن ثم الجزائر. ولم نزل نسمع صداها في كل من بيروت وبغداد. كلُّ هذا يشير بالنسبة للبعض إلى أنّ «الربيع» لما يكن ربيعًا عربيًا خالصًا، وإنما «ربيعًا عالميًا».

وسط هذا الارتباك الذي يعيشه العالم اليوم أجرى «ساسة بوست» حوارًا مع أحد أهم المفكرين العالميين في موضوع الديمقراطية حول «الموجة الثانية» للربيع العربي، وهو أستاذ العلوم السياسية جون كين. وُلد كين في أستراليا، وأكمل تعليمه في كل من جامعة تورونتو وكامبريدج. ومن أهم مؤلفاته كتاب «حياة وموت الديمقراطية»، وصنفته صحيفة «التايمز» في لندن على أنّه من أكبر المفكرين الأستراليين، والمفكرين السياسيين العالميين.

البروفيسور جون كين، أستاذ العلوم السياسية في جامعة سيدني

أخبرنا عن الربيع العربي وعام 2011: ما هو انطباعك الأولي لما جرى؟ وماذا كانت طموحاتك للمنطقة؟ وكيف تقيم الذي حدث والذي يحدث اليوم في المنطقة؟

التفاجؤ: هذا كان انطباعي الأول لما جرى عام 2011. عندما انفجر الربيع العربي في تونس، وتتالت الأحداث في المنطقة، أكثر ما أدهشني هو احتلال الشعوب للميادين. وخلال أسابيع من بداية الانتفاضات نظمنا ندوة كبيرة في مدينتي سيدني، وتحدثت فيها عن كيفية فهم هذه الثورات التي بدت كظاهرة متلازمة.

كان مدهشًا بالنسبة لي التزام الشعوب بعدم استخدام العنف، بل رفع شعارات السلميّة، والحرية، والعدالة، كان كل ذلك في سياق وجود دول بوليسية مدججة بالسلاح. حينها أطلقت فورًا مصطلح «refolutions» بدلًا عن «revolutions»، للتفريق اللغوي بين طبيعة هذه الثورات وبين الثورات الأوروبية، كلاسيكيًا الثورة الفرنسية، والتي كانت محاولة لبعض الجماعات المنظمة للاستيلاء على السلطة، واستخدام العنف إن لزم الأمر. في المقابل؛ يحمل الربيع العربي ذات الروح الثورية السلميّة للثورة «المخملية» التي حدثت بين عام 1989 – 1991، والتي كانت ثورة سلمية في تشيكوسلوفاكيا، نتج عنها سقوط الحكومة الشيوعية آنذاك.

كان التزام الشعوب ببناء وتجربة الفضاء العام قضية جوهرية أيضًا. وفقًا للفيلسوفة حنة آرنت وبعض النظريات التقليدية الأوروبية، فإنّ الحد الأدنى للديمقراطية هي تشكيل «الجمهور» أعدادًا كبيرة من الناس تجتمع وتشعر بأنّها كتلة واحدة، حتى لو لم تربطهم معرفة شخصية. هذا الشعور الجمعي يمنحهم القوة، ويجعلهم ملتزمين بعدم استخدام العنف في طريقهم للتحرر.

القاهرة، ميدان التحرير 2011

ترى الجماهير في الميادين تجمعها وتحركها العروض الفنية: من الموسيقى، والشعر، والغناء الثوري. هذا الفن الذي يجسد المستقبل الذي تريده الجماهير. أثناء هذه الفترة كان يتم تعريف وتشكيل طبيعة هذه الثورات. ما حدث في الإسكندرية أيضًا كان يحدد نمطًا مغايرًا لهذه الثورات، عندما كانت التلفزيونات تنقل صور المتظاهرين، كان هذا رمزًا على استخدام أحدث أدوات ثورة الاتصالات.

غياب «القوميّة» وشعاراتها كان مدهشًا، بدلًا عن ذلك كانت تتشكل شبكة تتجاوز الحدود وتوحد الميادين. فشعارات تونس تصل إلى التحرير، وإلى ميدان اللؤلؤة في البحرين.

أخيرًا في هذه الفترة أطلقت مصطلح «العلمانية الدينية»، إذ كنت على علاقة قريبة من صديقي وموجهي، راشد الغنوشي، الذي كان منفيًا في لندن. عندما عاد الغنوشي إلى تونس أصدر بيانًا موضحًا فيه رؤيته لتونس، التي لا يحق فيها لأحد أن يجبر المرأة على ارتداء الحجاب، ومن تريد ارتداء الحجاب فلها كامل الحرية. كان إسهامه صغيرًا للمارسة العلمانية الدينية، ولكنّه مهم.

خلقت هذه الانتفاضات مساحة مكنت من استعادة شعور الناس بأنّهم مسلمون صالحون، بخلاف المسار الإيراني الذي كان من المهم تجنبه. هذا مختصر لانطباعاتي في هذه الأسابيع الأولى. متحمس، ومتحير، وأحاول أنّ أجد لغة مناسبة لفهم تعقيدات هذه الثورات وأهميتها التاريخية.

بعد أعوام من اشتعال الموجة الأولى نشهد اليوم الموجة الثانية من الربيع العربي، وأثناء حديثنا الآن هنالك انتخابات في الجزائر، وقوى الحرية والتغيير تقود حكومة انتقالية في السودان، وحراك مستمر في كل من العراق ولبنان. كيف تقيم السنوات المنصرمة؟ ما هي التطورات؟ وما الذي على الشعوب تعلمه من الموجة الأولى؟

ذكر فرانشويس فوريت – أحد أهم المؤرخين الفرنسيين – أنّ الثورة الفرنسية لم تنته فعليًا إلا مع بداية القرن العشرين. الفكرة هُنا أنّ مثل هذه الثورات من الممكن أن يتم سحقها كما حصل في انقلاب مصر على سبيل المثال، ولكنّ فوريت نفسه يحذرنا بأنّ نضع استنتاجات سابقة لأوانها، وإنما أنّ نهتم ونركز على الأهداف البعيدة المدى، والنظر إلى مصدر الاستقرار والضعف المؤسسي. وسط ارتباك الأنظمة الحاكمة التي تحاول ركوب هذه الثورات، نرى ما نسميه «الربيع الثاني» الذي هو استمرارٌ لما حصل عام 2011.

أرى أنّ الموجة الثانية ليست سوى إحياء للمطالب الأساسية للموجة الأولى، والمشاركون هم الشباب الذين بالكاد يتذكرون أحداث الموجة الأولى. شبابٌ يشعرون بالاستياء من الوضع العام، ومن الفقر، ومن هيمنة وتنمر النظام الحاكم، ومن سياسيين يعيشون في عالم آخر.

«لافتة مكتوب عليها السلطة للشعب»، الجزائر العاصمة، 2019.

برأيك ما هي المشتركات بين هذه الانتفاضات أو الثورات؟  

معظم الانتفاضات كانت نتيجة سوء التقدير الحُكّام. مثل القرار المغفل في لبنان الذي فرض ضريبة على «الواتس آب»، في مجتمع يؤمن شبابه بحرية التواصل دون أي قيود.

وكل ما يحدث اليوم هو إصرار الشعوب على إعادة إحياء «المجتمع المدني». لا أقصد بالمجتمع المدني القطاع الخيري، أو المنظمات غير الحكومية التي عادة ما تمول من جهات خارجية، خصوصًا أمريكية. وإنما المجتمع المدني فهو شبكات من التنظيمات والمبادرات التي تعكس قيم التعددية. وعادة هذه التجمعات تحاول فصل نفسها عن مؤسسات الدولة، كالجامعات المستقلة، والمساجد، والنقابات الحرة، ومجموعات الدفاع عن البيئة، وشبكات دعم المرأة، والمشاريع الربحية المحليّة، كل هذه أمثلة لما أسميه منظمات المجتمع المدني.

أعتقد أن ما يحدث في لبنان هو النموذج الأكثر حيوية لالتزام الشعوب لعدم استخدام العنف، والتعبير عن إرادة الشعوب، والرغبة في حرية مشاركة المعلومات، واحترام الآخر؛ وجود حسّ للمتعة والمعنى والالتزام أيضًا لمناهضة التفاوت الاجتماعي، ونهاية النظام الطائفي.

كان شعار الديمقراطية مرفوعًا في  الموجة الأولى للربيع العربي، ولكنّنا اليوم نشهد في الموجة الثانية غياب هذا الشعار، ونرى بدلًا عنه وجود مطالب محددة، كالعدالة الاجتماعية والاقتصادية وإنهاء النظام الطائفي. حتى في النموذج التونسي الذي يعتبر أكثر النماذج نجاحًا في الانتقال الديمقراطي، نجد بعض التونسيين يتساءلون عن جدوى وأهمية الديمقراطية، وبلغت نسبة التصويت في الانتخابات الرئاسية السابقة 45%. هل لديك ما تقوله للشعب التونسي ولبقية الشعوب العربية التي تعيش هذه الفترة الانتقالية؟

بداية أعتقد أن من المهم تعريف ما نقصده بالديمقراطية هُنا. لأسباب تاريخية نشهد اليوم عالميًا انخفاضًا في الإقبال على الانتخابات الديمقراطية. وبكل تأكيد فبدون انتخابات عادلة وحرة ونزيهة، فإنّ مطالب الشعوب ستضعف، ولن يكون تحقيقها ممكنًا؛ فالانتخابات هي القناة التي تتشكل منها الحكومة. ولكنّ في سياق المنطقة ووجود دول استبدادية تتعاون مع بعضها البعض، مثل الإمارات والسعودية اللتين تدعمان السيسي. ينتج عن الانتخابات حالة من الإحباط، والاستياء، وحالة من اللامعنى.

أثناء فترة بحثي حاولت القول إنّه منذ نهاية 1940 أصبحت الديمقراطية لا تعني أكثر من وجود انتخابات حرة وعادلة. ولكنّ الانتخابات فقط لا تكفي، وإنما علينا وضع شيء آخر وأكثر أهمية، وهو حماية الناس من الفساد واستغلال السلطة من خلال ما أسميه «الديمقراطية الرقابية»: وجود مؤسسات رقابية، مثل الصحافة الاستقصائية، والمحاكم المستقلة، وشبكات الدفاع عن حقوق الإنسان، وهيئات لتحقيق النزاهة السياسية كجزء من هيكلة هذه المؤسسات الحكومية. هذا هو جوهر الديمقراطية، بالإضافة إلى وجود انتخابات حرة وعادلة.

لا شك أنّ روح «الديمقراطية الرقابية» حيّة ومتواجدة في الموجة الثانية، وذلك بسبب الإحباط الناتج عن الانتخابات، وإدراك الناس أنّ الديمقراطية لا تعني فقط الانتخابات. النموذج الأكثر حيوية بالتأكيد هي تونس، والتي تملك لجانًا تحقيقية، والتي شهدت إعادة تشكيل لسلطة البرلمان، مع انتخاب راشد الغنوشي رئيسًا لمجلس النواب. الديمقراطية الرقابية ليست فكرة غريبة فقط، وإنما عالمية، وموجودة وحيّة في النموذج التونسي، وكل ما أتمناه هو ازدهار هذه التجربة لتكون نموذجًا لبقية دول المنطقة الذي يعيش واقعًا جيوسياسيًا صعبًا.

راشد الغنوشي يلقي كلمة بعد فوز حزب النهضة بـ52 مقعدًا في البرلمان التونسي

كيف تؤثر هذه المحددات الجيوسياسية على مستقبل هذه الانتفاضات؟

أنا على وشك نشر كتابي المكون من ألف صفحة: «موت وحياة الديمقراطية»، والذي هو عن تاريخ الديمقراطية باللغة العربية. أحد أهم الدروس المهمة عندما تنظر إلى تاريخ الديمقراطية بكل أشكالها ونماذجها، هو أنّ تقسيم السلطات، والأجهزة الرقابية مع وجود سلطة القانون، ووجود مجتمع مدني فاعل، وانتخابات حرة وعادلة، لا يمكن أنّ تحدث مرة واحدة، وإنّما تحدث على أفواج أو فترات زمنية مختلفة. كل هذا ممكن تحقيقه في سياق وجود دول محيطة داعمة لهذا الانتقال الديمقراطي.

الواقع أنّ المنطقة منقسمة بشكل يجذب «الذئاب الجائعة»، مثل روسيا، والسعودية، والإمارات، ومصر، وتركيا أردوغان. لا أحد من هؤلاء لديه مصلحة في الانتقال الديمقراطي للمنطقة. وهذا ما نشهده في الموجة الثانية في ظل الانسحاب الأمريكي من المنطقة.

ماذا يمكن أن تقول للشباب العربي الذي يناضل الآن في سائر الأقطار العربية من أجل هذا التحول الديمقراطي؟ 

تعلمنا من التاريخ العالمي أنه لا توجد قوة سياسية يمكنها الصمود للأبد، ولا ضمانة تاريخية. في النهاية جميع الدول – حتى الأكثر استبدادية – إما أن تنهار أو تهزم سياسيًا. هذه القاعدة تنطبق أيضًا على هذه المنطقة، مهما بدت الأمور محبطة. أثبتت لنا هذه الموجة الثانية أنّ هذه الأنظمة ليست مستدامة.

يمكن للسيسي أنّ يبني عاصمة جديدة قريبة من أكبر قاعدة عسكرية في شمال غرب مصر، ويمكنّه أن يأخذ تصريح لبناء ديزني لاند، ولكنّ كل هذا ليس حلًا للمشكلات الكبيرة التي تسحق ملايين المصريين الذين يشعرون بأنّ النظام لا يحميهم، وشعورهم بأنّهم مراقبون بشكل مستمر، ويشعرون بالذل بشكل يومي، والمنطقة مليئة بهذه الحوادث. المنطقة مليئة بمثل هذه المشاعر، وهذا هو السبب في أنّ الأمل لمستقبل أفضل ما زال حيًا.

ما هو الأمل؟ الأمل هو التمني، والإيمان بأنّ نعيش غدًا أفضل من خلال استغلال المصادر المتاحة. الأمل شعورٌ براجماتي، يمنحك الجرأة، ويمكن أنّ يعمل على مستوى حياتك الشخصية. نتمنى أنّ يكمل أبناؤنا تعليمهم في المدرسة أو الجامعة، ونتمنى أنّ نكمل في هذا العمل، أو نعثر على وظيفة أخرى تدفع أجرًا أفضل، نتمنى أن نتزوج. هذه الأمنيات والآمال الصغيرة هي التي تجعلنا نستمر في العيش خلال أي سياق.

الأمل والحياة متلازمان، ويمكن للأمل أنّ يتجسد في حركة الجماهير. ما نشهده اليوم في الموجة الثانية، وما حدث في الشهور الأولى عام 2011، عندما أدرك ملايين من الناس أنّ آمالهم الشخصية تضاعفت وتنامت بشكل جمعيّ. كل ما يحدث اليوم وحدث بالأمس هو تهديد مستمر لكل مستدبي المنطقة؛ إن الملايين مدفوعين بالأمل لمستقبل أفضل. قنابلكم المسيلة للدموع وسلاحكم لا يمكنهم قتل هذا الأمل. لهذا السبب هذه الشعوب لن تستسلم بسهولة، ولن تنحني لأحد، حتى لو أخفقوا في الموجة الثانية، لا شك أنّ هنالك ثالثة. لذلك شخصيًا أنا متفائل بأنّ الخير يسكن مستقبل هذه المنطقة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد