أُشعلت «عجلات» السيارات في منتصف شوارع المدن والمخيمات، وارتدى الشباب الكوفية الفلسطينية، ثم أخذوا برمي الحجارة على جنود الاحتلال الإسرائيلي في مدن الضفة الغربية، فيما كتب آخرون برذاذ بخاخات الدهان على الجدران «انتفاضة».

وبعيدًا عن مناطق التماس، كانت وسائل الاحتجاج مغايرة، أطلق هاشتاج «انتفاضة العاصمة»، وحرقت الأعلام الإسرائيلية والأمريكية، ورفعت اللافتات المنددة بالقرار الرسمي الأمريكي بإعلان القدس كعاصمة لـ«إسرائيل»، وكذلك أطلقت الفصائل الفلسطينية من غزة صواريخها على أراض تابعة للاحتلال، فيما رُد بقصف أسقط شهداء في القطاع المحاصر.

هل يتوقع الشباب الفلسطيني «انتفاضة ثالثة»؟

«المتغيرات المحيطة بنا فرضت علينا واقعًا جديدًا، فأصبح حدوث انتفاضة ثالثة صعبًا جدًا، وما يحدث الآن هو فعل وردة فعل»، بهذه الكلمات أجمل الشاب «محمد أبوعيشة» موقفه من عدم احتمال اندلاع انتفاضة ثالثة في حديثه لـ«ساسة بوست».

شاب فلسطيني في مواجهات بالضفة الغربية احتجاجًا على قرار ترامب (المصدر :شبكة القدس الإخبارية)

يعيش «محمد» في مخيم البريج (وسط قطاع غزة)، وقد عانى الشاب على الصعيد الشخصي من العدوان الإسرائيلي الأخير 2014، حيث هدم منزله عن بكرة أبيه، وشردت عائلته الممتدة، لذلك يعتقد أن وضع غزة المكبل بتبعيات العدوان والحصار جعل التنظيمات تفكر كثيرًا قبل أي تصعيد، وهو يرى اختلافًا كليًا بين الوضع القائم، وبين أوضاع الانتفاضة الأولى والثانية، هذا الاختلاف مرده إلى قضية التنسيق الأمني بين السلطة والاحتلال الإسرائيلي، وهو تنسيق أدى إلى انتكاسة كبيرة في العمل الجهادي في الضفة الغربية، وإلى تدهور الوضع المعيشي في قطاع غزة.

تحدثنا أيضًا إلى الناشط الشبابي، رامي أمان، الذي يقطن مدينة غزة، فقال: «لا أتوقع اندلاع انتفاضة طويلة الأمد، بل ستستمر ردود الفعل الغاضبة الفردية وغير التنظيمية وعلى مراحل في كل أرجاء فلسطين»، ويرجع رامي ذلك إلى الواقع المعيشي الصعب في فلسطين، وموقف القيادة والتنظيمات الفلسطينية التي لا تزال في مرحلة ردة الفعل، ولم تتمكن حتى الآن من تحقيق المصالحة وتوحيد القرار السياسي الفلسطيني.

احتجاجات بمدن الضفة الغربية (المصدر :الأناضول)

ويعتقد رامي أن الشباب الفلسطيني يريد اندلاع انتفاضة فلسطينية ردًا على الانقسام الداخلي، انتفاضة توجد إنسانًا فلسطينيًا قادرًا على خوض معركة للخلاص من الاحتلال الإسرائيلي، ويضيف لـ«ساسة بوست»: «هنالك في غزة 2 مليون قنبلة جاهزة للانفجار في وجه نفسها؛ بسبب الظروف المعيشية السيئة، وهناك ملايين الفلسطينيين في الشتات مستعدون للانفجار بسبب أوضاع المخيمات، وفي الضفة والقدس يعانون من عمليات القتل والأسر وتجريف الأراضي.. ربما إذا استطعنا أن ننتصر لأنفسنا، سنستطيع أن ننتصر في مواجهة الاحتلال».

على النقيض، لا يستبعد الشاب «فخر الرنتيسي» الذي تحدثنا إليه من مدينة رام الله اندلاع انتفاضة ثالثة، ويذهب للقول إنه يتوقع «انتفاضة شرسة أكثر»، ويرى «فخر» أن الشباب من أبناء جيله يرون في التخاذل العربي والتواطؤ والتطبيع وقودًا لهذه الانتفاضة، وقود من الممكن أن يرتد على الاحتلال، فيحدث الانفجار، الانتفاضة، حسب قوله.

أما الشابة المقدسية «سعاد المحتسب»، فتقول لـ«ساسة بوست»: «حسب ما أرى في الوقت الحاضر، أعتقد من الصعب تصعيد الأمور في الأيام المقبلة، الناس تعبت من الوجع والقلق والحزن والكر والفر، وفقدت الطاقة لانتفاضة جديدة، خاصة بعد الخسائر الجمة اللي حصلت بعد الانتفاضة الأولى والثانية»، وتصف «سعاد» الحراك الحالي بالعاطفي والعشوائي الذي يفتقد للمنهج والخطة.

«انتفاضة جديدة» كنقطة تحول كبيرة في الصراع مع الاحتلال

على حواجز رام الله، وأبواب القدس، وعلى طول الحدود قطاع غزة، اندلعت اشتباكات ضد الاحتلال الإسرائيلي غضبًا بعد اتخاذ الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، قرارًا رسميًا بالاعتراف بمدينة القدس كعاصمة لدولة الاحتلال، وهو قرار يشمل الشطر الشرقي من القدس، الذي احتلته إسرائيل عام 1967، في خطوة غير مسبوقة ألبتة، ويتبعه قرار بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى المدينة المحتلة.

الرئيس الأمريكي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي (المصدر: موقع دوتشيه فيليه)

هذه الأوضاع خلقت تساؤلًا كبيرًا حول احتمالية اندلاع انتفاضة ثالثة من عدمه؛ إذ يُنظر إلى اندلاع انتفاضة جديدة كنقطة تحول كبيرة في الصراع مع الاحتلال، حيث شكلت الانتفاضتان السابقتان تحولًا سياسيًا في الصراع، فطالما كان اندلاع انتفاضة ثالثة مُتوقَّعًا في السابق، إلا أنه اتفاق مع غالبية آراء الشباب الفلسطيني الذين تحدثوا لـ«ساسة بوست».

يشير تقرير نشرته صحيفة «نوفال أوبسرفاتور» الفرنسية إلى أنه «نظرًا لوجود هذا الصراع منذ عقود في منطقة الشرق الأوسط، يمكن الإقرار بأن الفلسطينيين غير قادرين على قيادة انتفاضة على نطاق واسع على خلفية زعزعة مشروع استقلال بلادهم»، فحسب الصحيفة: «الفلسطينيون قبلوا باختلال التوازن في ميزان القوى بينهم وبين الإسرائيليين، خاصة بعد أن أصيبوا بأزمة نفسية على خلفية فشل الانتفاضة الثانية. فضلًا عن ذلك، اعترف أحد المسؤولين الفلسطينيين بهذا الجانب، وأقر بأن (الإسرائيليين يملكون كل الوسائل بين أيديهم؛ بينما لا يملك الفلسطينيون أي شيء)».

صورة لقوات الاحتلال تعتقل طفلًا من الخليل (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

يذكر أنه في العام 1987 اندلعت الانتفاضة الأولى، «انتفاضة الحجارة»، وتوقفت بعد توقيع اتفاقية أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1993، بينما اندلعت الانتفاضة الثانية في العام 2000، وتوقفت فعليًا في الثامن من فبراير (شباط) 2005 بعد اتفاق الهدنة الذي أبرم بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل، أرئيل شارون.

حماس والسلطة الفلسطينية غير مستعدتين لـ«انتفاضة ثالثة»

«مواجهة هذه السياسة الصهيونية المدعومة أمريكيًا لا تكون إلا بإطلاق انتفاضة جديدة»، بهذه الكلمات أعلن رئيس المكتب السياسي لـ«حركة المقاومة الإسلامية (حماس)»، إسماعيل هنية، عن «انتفاضة ثالثة» من قطاع غزة، حيث تدير حماس شئون القطاع.

لكن بالرغم من وجود اشتباكات واحتجاجات في مدن الضفة الغربية وقطاع غزة، إلا أن احتمالية تحول الاحتجاجات إلى انتفاضة قد يكون سابقًا لأوانه؛ بسبب ظروف حركة حماس، ولذلك يُستبعد الاستجابة لدعوة هنية، وإطلاق انتفاضة كاملة، ويوضح ذلك الباحث المتهم بدراسة «حماس» في جامعة برلين الحرة، عماد الصوص، فيقول: إنَّ «خيارات حماس محدودة للغاية لبدء انتفاضةٍ أُخرى بنفسها؛ فإذا كانت هناك انتفاضةٌ شعبية، فمن المُرجَّح أنَّ حماس ستقفز عليها لقيادتها، ولكنهم مُشتَّتون إلى حدٍ بعيد، وغير قادرين على القيام بالانتفاضة بأنفسهم».

وتابع الصوص لـ«واشنطن بوست» القول: «يعتمد تصاعد العنف من عدمه على كيفية استجابة إسرائيل للاحتجاجات ضد إعلان ترامب، ولا أرى حتى الآن أنَّ الإعلان الأمريكي نفسه هو العامل الرئيس».

كذلك يتوقف تطور الاحتجاجات ووصولها إلى مرحلة الانتفاضة بالنظر إلى دور الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، فهذه السلطة، التي سمحت باشتعال الانتفاضة الثانية التي اندلعت عام 2000، هي الآن في حالة اتفاق مع الاحتلال الذي قيدها بالاتفاقات السياسية؛ إذ ينظر الكثير من الشباب الفلسطيني إلى أن الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، كمدير جيد للتنسيق الأمني مع الإسرائيليين، وكقائد ضعيف لا يستطيع التصدي للاحتلال، الأمر الذي يشعر الشباب الفلسطيني بالخذلان، والاعتقاد أن انتفاضة ثالثة لن تتمكن من تحقيق أهدافهم.

شباب فلسطيني يلقي عبوة حارقة على جنود الاحتلال (المصدر :شبكة القدس الإخبارية)

تقول الباحثة البارزة في شؤون الشرق الأوسط بالمعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية، جين كينينمونت: إنَّ «وجود السلطة الفلسطينية يقوم على اتفاق سلامٍ مع إسرائيل، وإنَّ حركة فتح ما زالت إلى الآن ملتزمة بهذا الاتفاق»، وتضيف لـ«واشنطن بوست»: «لكن، لطالما كان من الصعب على الفلسطينيين، لسنواتٍ عديدة، أن يعتقدوا أن حل الدولتين سيحدث بالفعل، فيما يعتقد الكثير من الشباب الفلسطيني أنه حل خيالي، وحتى المخضرمين من مفاوضي حركة فتح يقولون الآن: إن الخطوة الأمريكية الأخيرة تُشير إلى أن حل الدولتين لم يعد قائمًا».

الإسرائيليون لا يتوقعون انتفاضة ثالثة ولكن

استنفر جيش الاحتلال الإسرائيلي – بعد إعلان ترامب – لمواجهة الغضب الشعبي الفلسطيني، لكن مع شدة المواجهات في القدس، والضفة الغربية، وعند الحدود مع قطاع غزة، استبعد المراقبون الإسرائيليون احتمال اندلاع انتفاضة ثالثة حتى الآن.

 الرئيس الأمريكي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي (المصدر: أ ف)

ويعود السبب الرئيس – حسب وجهة نظرهم – إلى ردة فعل جيش الاحتلال الإسرائيلي على تطوّر الاحتجاجات المشتعلة الآن، إذ ما يظهر حتى الآن، يؤكد أن الاحتلال يقوم بامتصاص حالة الغضب، وتجنب تصعيد الأمور، وبذلك يغيب عنصر ضاغط للوصول لانتفاضة، ويوضح محلل الشؤون العسكرية في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، عاموس هريئيل، أن «أوامر الجيش بعدم إطلاق الرصاص الحي أدت إلى عدم التصعيد نسبيًا، ومعظم المصابين من الجانب الفلسطيني أصيبوا بالاختناق بسبب استنشاق الغاز المسيل للدموع، إذ لم يطلق الجيش الرصاص الحي على المتظاهرين، بل أطلق الرصاص المطاطي».

ويضيف عاموس: «من الواضح أن حماس ليست مهتمة بتغيير قواعد اللعبة مع إسرائيل تمامًا، وبناء على ذلك، فإن رد الجيش الإسرائيلي كان مقيدًا إلى حد ما، ولن يمنع الطرفين من العودة إلى الهدوء المتوتر الذي اتسم بعلاقتهما منذ نهاية الحرب التي خاضها في عام 2014».

وفيما تقتنع إسرائيل أن حماس، التي تبذل كل ما في وسعها لإثارة الضفة الغربية، لا تريد حربًا مع إسرائيل، ولا تزال تحاول منع حدوث تصعيد كبير من غزة، وضع تقرير صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية عوامل ثلاثة رئيسة تحول دون اندلاع انتفاضة جديدة، أول هذه العوامل هي المصالح المشتركة للمناطق الثلاث الفلسطينية المحتلة، حيث إنه «في الانتفاضتين السابقتين، اندلعت شرارة الانتفاضة بين المناطق الفلسطينية الثلاث الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي – الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس – في وقتٍ واحد تقريبًا. أمَّا الآن، فلا تنقسم هذه المناطق بصورةٍ غير مسبوقة فحسب، بل ولديها أجندات مختلفة كذلك».

ويخص العامل الثاني الضفة الغربية؛ حيث إن «اندلاع انتفاضة فيها سيعني بشكلٍ شبه مؤكد نهاية السلطة الفلسطينية، ونظرًا إلى اعتماد عشرات الآلاف من المسؤولين والموظفين الأمنيين على السلطة في كسب أرزاقهم، فهناك مصلحةٌ راسخة مُتأتية من مواصلة التنسيق مع إسرائيل، وإبقاء الوضع كما هو»، وحسب «هآرتس» أيضًا، فإن ثالث هذه العوامل يتمثل في «تشديدات الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، وقوات الشرطة في القدس الشرقية، لقواعد الاشتباك الخاصة بهم».

بل يذهب رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) السابق، الجنرال عاموس يدلين للقول إن اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل «يشكل فرصة لبدء عملية سياسية جديدة وفق متغيرات لم نعتد وجودها منذ ربع قرن»، ويرى في مقال له في صحيفة «يديعوت أحرونوت» أنه: «ليس من الصواب ألا تستغل إسرائيل التغيير بنموذج عملية السلام الذي طرحه ترامب، خاصة أن لديها علاقات وثيقة بالبيت الأبيض هذه الفترة، يجب عليها استغلال الفرصة هذه المرة لكسب أحد مطالبها الأساسية، والتوصل إلى حل حول المواضيع التي تهم أمنها القومي».

ويستنتج «يدلين» أن «حل القضية الفلسطينية مصلحة إسرائيلية بالدرجة الأولى، إذ يمكن أن يطبع حدود الدولة وجوهرها، وستندم إسرائيل لأجيال قادمة، إذا رضيت بالوضع القائم، وواصلت تجميد العملية السياسية، وإلقاء اللوم على الفلسطينيين، أمامنا فرصة استراتيجية نادرة وعلينا استغلالها».

فلسطينيون بالقدس محتجون ضد القرار (المصدر:نيويورك تايمز)

على النقيض، هناك من الإسرائيليين من يرى احتمال اندلاع انتفاضة ثالثة، ومن هؤلاء الباحثة الإسرائيلية المختصة بدراسة أوضاع المجتمَع الفلسطيني «رونيت مرزان»، التي تقول: «إذا لم تحدث عملية سياسية حتى عام 2018، وبقي وضع الشبّان الفلسطينيين دون تغيير، فإن احتمال اندلاع انتفاضة ثالثة فلسطينية كبيرة وشاملة كبير جدًا. ستكون هذه الانتفاضة موجهة بشكل أساسي ضد القيادة الفلسطينية، وإخفاق الزعماء، وضد الاحتلال وإسرائيل أيضًا».

وتستدل على ذلك باعتقادها أن «حقيقة عدم اندلاع انتفاضة مسلحة كبيرة وشاملة لا تشهد على الوضع الحقيقي للشبّان الفلسطينيين، فهي تعتقد أن هناك غضبًا عارمًا بطيئًا ومتواصلًا نجح في جذب اهتمام زعماء الدول العربية أيضًا».

وتؤكد خلال حديثها لموقع «المصدر» التابع للاستخبارات الإسرائيلي على وجود «دور مركزي للشبان الفلسطينيين فيما يحدث في المنطقة، وكلما ازداد غضبهم تزداد احتمالات حدوث مقاومة في الدول العربيّة ثانية. مثلًا، كانت انتفاضة الأقصى
عام 2000 تجربة مصممة للشبان العرب، إذ شاركوا بعد مرور عقد في ثورات الربيع العربي، وكسروا حاجز الخوف من السلطات العربية».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد