فاطمة نادي 25
فاطمة نادي 25

4,808

يقول المثل الشعبي: «قيراط حظ ولا فدان شطارة»، بينما اعتاد عالم الأحياء والكيميائي الفرنسي الشهير لويس باستور أن يقول: «الحظ لا يؤثر إلا في الأذهان المستعدة»، ومما لا شك فيه أن الاستنارة والفتوحات العلمية لا تأتي سوى لعقل مُهيأ لها، وإن كان ذلك لا ينفي أن الصدفة تلعب دورًا هامًا في ذلك أيضًا.

نتناول في السطور التالية بعض الاكتشافات، التي يبدو أن الحظ قد ابتسم لمُكتشفيها، بعد أن أثبتوا الكفاءة والشطارة، فهيّأت لهم الأقدار المصادفات السعيدة التي جلبت لهم وللبشرية جمعاء اختراعات غيرت وجه العالم.

البنسلين.. من عفن أخضر اللون إلى أول مضاد حيوي في العالم

كما أن الاستنارة لا تحدث إلا لعقل مستعد لاستقبالها، هكذا الصدفة لا تُستغل إلا على يد باحث مهيأ لذلك. والدليل المثالي على ذلك هو اكتشاف البنسلين.

منذ بداية مسيرته العلمية، اهتم ألكسندر فليمنج مكتشف البنسلين، بدراسة آليات المناعة. وهكذا قام بعزل الخميرة الذوابة (الليزوزيم)، التي كانت تُعد مضادًا حيويًا تخشاه البكتيريا المزروعة، وإن كانت أثبتت عدم فعاليتها في الجسم البشري.

وفي أحد أيام عام 1928، وصل فليمنج صباحًا إلى معمله بعد قضائه شهرًا مع عائلته بعيدًا عن المختبر، ولاحظ أن العديد من الميكروبات التي يحتفظ بها مثل مستعمرات بكتيريا المكورات العنقودية الذهبية، قد تلوثت بعفن أخضر اللون عُرِف لاحقًا باسم البنسيليوم نوتاتيوم، كذلك وجد أن مستعمرات المكورات العنقودية المحيطة بهذا العفن قد خُربت.

واستنتج من ذلك أن العفن كان لديه القدرة على قتل مجموعة واسعة من البكتيريا الضارة، واستنتج من خلال عدة تجارب أخرى أن العفن ينتج عنه مادة تُساعد في القضاء على كثير من أنواع البكتيريا بما فيها البكتيريا العنقودية. أطلق على هذه المادة اسم البنسلين، وهي مادة ليست سامة للإنسان أو الحيوان. وكتب بعد ذلك: «يُنسب اختراع البنسلين إليَّ، لكن لم يكن أحد ليخترعه؛ لأن الطبيعة كانت قد اخترعته بالفعل في أحد الأزمنة السحيقة. كلا، لم أخترع أنا تلك المادة، لكني فقط كشفت وجودها للناس وأعطيتها اسمًا».

لم يجرِ البدء في تصنيع البنسلين إلا في عام 1943، وقد ساهمت الحرب العالمية الثانية في انتشاره سريعًا. ومنذ ذلك الحين، أصبح تطوير مضادات حيوية جديدة أحد الأنشطة الكبرى في مجال الأبحاث الطبية. وفي عام 1996، بلغ عدد المضادات الحيوية الموجودة في العالم حوالي 160 مضادًا حيويًا.

اقرأ أيضًا: 

استخدمه المغول «سلاحًا بيولوجيًّا».. تعرَّف إلى مرض الطاعون الذي قتل نصف سكان أوروبا 

الأسبرين.. من لحاء الأشجار إلى أكثر الأدوية انتشارًا

عانى البشر من الألم منذ أن ظهر الإنسان على الأرض، وقد لجأ الإنسان منذ آلاف السنين، إلى استخدام لحاء بعض الأشجار ومستخلصات نباتية أخرى من أجل تخفيف الألم. وفي القرن التاسع عشر، اكتشف العلماء أن حمض الساليسيليك، أحد المكونات النشطة في اللحاء، هو الذي يُخفف الألم ويُخفض الحمى. مع ذلك، كان هذا الحمض يتسبب في تهيج شديد في المعدة والفم للمرضى الذين يستخدمونه.

وفي عام 1853، قام كيميائي فرنسي يُدعى تشارلز جيرهارد بخلط مادة كيميائية أخرى مع حامض الساليسيليك، وأدى إلى نتائج جيدة، لكن الإجراء كان صعبًا واستغرق الكثير من الوقت؛ لذا لم يتابع جيرهارد الأمر. وفي عام 1874، اكتشف هيرمان كولبي حمض الساليسيليك الصناعي، غير أنه كان يتسبب للمرضى بالغثيان والقيء والدخول في غيبوبة في بعض الأحيان عند تناوله بجرعات كبيرة؛ فكان من الضروري إضافة مادة تُخفف من آثار هذا الحمض على المعدة.

وقد نتج الأسبرين الذي نعرفه اليوم في أواخر تسعينيات القرن التاسع عشر، في صورة حمض أسيتيل الساليسيليك عندما استخدمه الكيميائي الألماني فيليكس هوفمان، الذي كان يعمل بشركة «باير» خلال بحثه عن شيء لتخفيف التهاب المفاصل الذي كان يعاني منه والده.

قام هوفمان بدراسة ملاحظات جيرهارد وتمكن من صناعة حمض أسيتيل الساليسيليك (المعروف الآن بالأسبرين). وابتداء من عام 1899، وزعت شركة «باير» هذا العنصر على الأطباء لتقديمها للمرضى. وقد صار الدواء ناجحًا، حتى أصبح يُباع في عام 1915 على شكل أقراص بدون وصفة طبية.

واليوم، تُنتج العديد من الشركات والعلامات التجارية منتجات الأسبرين المختلفة، ويُباع أكثر من 20 مليار قرص من أقراص الأسبرين في أمريكا وحدها سنويًا؛ مما يجعلها أكثر الأدوية شعبية وانتشارًا.

اقرأ أيضًا:

ليس كل الأطباء بشرًا! كيف تمارس الحيوانات «المثقفة» مهنة الطب؟

كيف ساهمت الأشعة السينية في اكتشاف النشاط الإشعاعي؟

عادة ما تلعب الصدفة دورًا في الاكتشاف العلمي، بلا شك في مجال علوم الطبيعة أكثر من الرياضيات، ويتجلى دور المصادفة في قصة اكتشاف النشاط الإشعاعي الشهيرة. في نهاية عام 1895، حاز اكتشاف الأشعة السينية على يد فيلهلم كونراد رونتجن على اهتمام المجتمع العلمي، وكان لذلك الفضل في حصوله على أول جائزة نوبل في الفيزياء في التاريخ عام 1901.

كانت الأشعة السينية تنبعث من جوانب أنبوب زجاجي اصطدمت به أشعة كاثودية (مهبطية)، وعلى الفور توهجت الجوانب. وقد عرف هنري بيكيريل الذي كان يعمل بالتحديد على دراسة التوهج والإشعاع، باكتشاف الأشعة السينية خلال محادثة له مع هنري بوانكاريه، وظن بالطبع أن الظاهرتين يمكن أن تكونا مرتبطتين، وأنه يجب الآن التأكد من أن الأجسام المتوهجة أو المشعة ينبعث منها الأشعة السينية.

وهكذا، سعيًا وراء فكرة ما -اتضح بعد ذلك خطؤها-، حاول بيكيريل معرفة ما إذا كان اليورانيوم المشع في حال تعرضه للضوء يصدر الأشعة السينية أم لا. وبعدما عرض لضوء الشمس صفيحة مغطاة بطبقة من ملح اليورانيوم، قام بتغطيتها بورقة سوداء ووضعها بجوار لوح فوتوغرافي في صندوق. وبعد تحميضه، رأى أن الصفيحة أصبحت مطبوعة على اللوح؛ أي أن اليورانيوم يصدر إشعاعًا قادرًا على اختراق الورقة السوداء.

وهكذا استمر الأمر كما لو كان اليورانيوم المشع بعد تعريضه للشمس، يُصدر الأشعة السينية التي تنطبع على اللوح الفوتوغرافي. أرسل بيكيريل هذه النتائج إلى أكاديمية العلوم بباريس في الرابع والعشرين من فبراير (شباط) 1896، دون تحديد طبيعة هذا الإشعاع. وبعد بضعة أيام، أراد أن يكرر التجربة، لكن الجو كان ملبدًا بالغيوم وظلت الشمس مختفية. ومن ثم بقيت أملاح اليورانيوم والألواح الفوتوغرافية حبيسة الأدراج.

وفي الأول من مارس (آذار)، عادت الشمس. وأراد بيكيريل التأكد من أن الألواح لم يتغير فيها شيء من جراء وضعها داخل الأدراج. وكانت المفاجأة عظيمة عندما تبيّن بوضوح انطباع الصورة على الألواح كما حدث وقت التجربة السابقة عند تعريض اليورانيوم للشمس؛ أي إن اليورانيوم يُصدر إشعاعًا مستمرٍّا سواء تعرض للشمس أم لا. وهكذا اكتُشف النشاط الإشعاعي وحصل بيكيريل على جائزة نوبل للفيزياء، بالمشاركة مع ماري كوري وبيير كوري في عام 1903.

اقرأ أيضًا: 

«ذي أتلانتك»: نظارات الواقع الافتراضي حل جديد لتعليم وتدريب طلاب الطب

زجاج الأمان.. من ساحات الحروب إلى أرصفة الطرق

في عام 1903، أسقط الكيميائي والرسام الفرنسي إدوارد بينيدكتس عن طريق الخطأ دورقًا زجاجيًا على أرضية مُختبره، وقد تهشم الزجاج لكن القطع المكسورة ظلت عالقة في مكانها آخذةً شكل القارورة. لاحقًا، أدرك بينيدكتس أنه كان قد وضع داخل الدورق الزجاجي نترات السليولوز، التي تُعد نوع من البلاستيك السائل، الذي تبخر في فيلم على القارورة، ما جعل أجزاءها تتماسك دون أن تتطاير بعد الارتطام.

وبعد فترة وجيزة من اكتشافه، قرأ بينيديكتس مقالة في صحيفة حول حوادث السيارات في باريس، تتحدث عن العديد من الإصابات الناجمة عن تناثر الزجاج المكسور. تقدم بينيدكتس باكتشافه إلى مصنعي السيارات، إلا أن مصنعي السيارات حينها كانوا بحاجة للاستماع إلى أفكار حول الأشياء التي تمنع وقوع الحوادث، وليس منع الإصابات، لذلك لم يبدوا اهتمامًا بعرضه.

وعندما بدأت الحرب العالمية الأولى في عام 1914، جرى استخدام زجاج الأمان الذي اكتشفه بينيدكتس في صناعة عدسات أقنعة الغازات السَامة. وبعد أن أثبت الزجاج كفاءته في الاستخدامات العسكرية خلال الحرب، بدأت شركات السيارات تستخدمه في صناعة الزجاج الأمامي للسيارات والحافلات.

كيف ساهمت شعبية البلياردو في اكتشاف البلاستيك؟

البلاستيك كلمة تعني في الأصل «مرن وسهل التشكيل»، وقد أصبحت مؤخرًا اسمًا لفئة من المواد تُسمى «البوليمرات»، وتعني كلمة بوليمر الشيء المصنوع من أجزاء كثيرة. بدأت حكاية صناعة البلاستيك في مختبر «تشارلز جوديير»، الذي جمع بين المطاط والكبريت ووضعهما على الموقد عن طريق الخطأ لفترة من الزمن. وعندما عاد لاحقًا، وجد أن هناك مادة صلبة ومتينة نتجت من خلال تلك العملية، التي أطلق عليها «الفلكنة».

تبع ذلك ابتكار جون ويسلي أول بوليمر اصطناعي في عام 1869، والذي استلهم فكرة تطويره بعد عرض شركة من نيويورك مبلغ 10 آلاف دولار، لأي شخص يمكنه توفير بديل من العاج من أجل استخدامه في صناعة كرات البلياردو. وذلك بعد أن أدت الشعبية المتزايدة للعبة البلياردو إلى نقص إمدادات العاج الطبيعي، الذي كان يجري الحصول عليه من خلال ذبح الأفيال البرية.

وعن طريق معالجة السليلوز المشتق من ألياف القطن مع الكافور، اخترع ويسلي مادة البلاستيك الذي يمكن أن يصاغ في مجموعة متنوعة من الأشكال.

ثم في عام 1907، اخترع ليو بايكلاند مادة الباكليت، وهو أول بلاستيك صناعي بالكامل، ما يعني أنه لا يحتوي على أية جزيئات موجودة في الطبيعة. وقد حفّز نجاح ويسلي وبايكلاند شركات الكيماويات الكبرى على الاستثمار في البحث وتطوير بوليمرات جديدة، وانضمت بالفعل كثير من المواد البلاستيكية الجديدة بسرعة إلى السيليلويد والباكليت.

كيف انقلب جهاز لتسجيل ضربات القلب إلى منظم لضربات القلب؟

في عام 1956، كان المهندس الكهربائي ويلسون جريتباتش يعمل على بناء جهاز لتسجيل ضربات القلب بجامعة بوفالو، وبينما كان يبحث عن مقاوم لإيصاله بالدائرة الكهربائية للجهاز، قام باختيار مقاوم من الحجم الخاطئ ووصله بالدائرة. وعندما قام بتثبيته، كانت الدائرة التي اتصل بها تبعث نبضات كهربائية متقطعة. ربط جريتباتش توقيت وإيقاع النبضات مع ضربات قلب الإنسان، وفكر فيما إذا كان التحفيز الكهربائي يمكن أن يعوض الاضطرابات والانخفاض في ضربات القلب الطبيعية.

وبعد ذلك، سرعان ما أخذ في إجراء التجارب لتقليص حجم المعدات، وحمايتها من التلف الناتج من التعرض لسوائل الجسم. وأصبح هذا الجهاز الصغير المزروع الذي لا يزيد حجمه عن بوصتين مكعبتين جزءًا رئيسيًا في إنقاذ ملايين الأرواح، وزيادة متوسط العمر المتوقع لمرضى القلب، بعد أن كانت أجهزة ضبط نبضات القلب بحجم أجهزة التلفاز.

أفران الميكروويف.. البداية كانت أنبوب تفريغ جديد

حدث اختراع فرن الميكروويف في عام 1945، عندما كان مهندس بشركة رايثيون يُدعى بيرسي سبنسر يعمل على إيجاد مصادر طاقة لمعدات الرادار. وبينما كان سبنسر يقوم بتجربة أنبوب تفريغ جديد، وجد أن شريط الحلوى الذي كان في جيب سرواله بدأ في الذوبان.

قام سبنسر بتجربة أخرى، ووضع بضعة حبات من ذرة الفشار في الجهاز، وعندما بدأت حبات الفشار في التطاير؛ أدرك سبنسر على الفور قدرة هذه العملية الثورية. وفي عام 1947، أنتجت شركة رايثيون الجهاز الذي يُعد أول فرن ميكروويف في العالم، وقد كان وزنه 750 رطلًا، وتكلفته 5 آلاف دولار تقريبًا.

وبعد أن أصبح الجهاز متاحًا للاستخدام المنزلي لأول مرة في أوائل الخمسينيات، جعله حجمه الكبير وثمنه الباهظ غير مرغوب فيه لدى المستهلكين. واستمر ذلك حتى عام 1967، عندما صدرت منه نسخة أكثر شعبية تعمل بجهد 100 فولت، بسعر 495 دولارًا.

اقرأ أيضًا: 

إحداها تحوّلت لفيلم شهير.. 7 قصص لأشخاص أجروْا عمليّات جراحيّة على أجسادهم