عندما تظهر أمامنا كلمة «الأكوان الموازية»، يذهب عقل الكثيرين إلى أفلام الخيال العلمي؛ لأن هذه الأكوان في نظرهم مجرد نظريات غير منطقية ويصعب تصديقها، ولا يوجد دليل عليها، بل يعتقد البعض أنها من بنات أفكار المؤلفين ولا علاقة لها بالعلم. لكن في العالم الحقيقي، واجه العلماء بالفعل بعض النتائج لبعض الأحداث والدراسات العلمية، التي جعلت فكرة وجود كون موازٍ، أمرًا ربما يكون حقيقيًّا بالفعل.

البداية كانت في القارة القطبية الجنوبية

في القارة القطبية الجنوبية، كان بيتر جورهام وزملاؤه يجرون تجربة علمية. كان هؤلاء الباحثون يشاهدون بالونًا عملاقًا (ANITA) يحمل مجموعة من الهوائيات تطفو فوق جليد القارة المتجمدة، والذي يمسح أكثر من مليون كيلومتر مربع من الأراضي المتجمدة بحثًا عن أدلة على وصول جسيمات عالية الطاقة من الفضاء.

هؤلاء الباحثون لم يكونوا يبحثون سوى عن جزيئات الأشعة الكونية، التي تأتي من أعمق أعماق الكون، ويُقصف بها كوكب الأرض باستمرار. المثير في الاهتمام بهذه الجزيئات، أن بعضها يحتوي على طاقة مليون مرة أكثر مما يمكن توليده في أقوى مسرعات الجزيئات الموجودة على سطح الأرض. يتطلع علماء الكونيات إلى معرفة ما تتكون منه هذه الأشعة الكونية فائقة الطاقة ومن أين تأتي. لكن الأمر صعب؛ نتيجة تشوه مسارات الأشعة الكونية بسبب الحقول المغناطيسية لمجرتنا، مما يجعل من المستحيل تقريبًا تتبع نقطة انطلاقها.

Embed from Getty Images

عندما عاد البالون إلى الأرض بعد رحلته الأولى، لم يكن يملك أي مشاهدات أو نتائج لإظهارها لهؤلاء الباحثين المتلهفين. الأمر نفسه تكرر بعد الرحلة الثانية لهذا البالون بعد أكثر من عام. لكن يبدو أن إصرار هؤلاء الباحثين كان كبيرًا، فأطلقوا البالون للمرة الثالثة، وبينما كان في الهواء، قرروا مراجعة البيانات السابقة مرة أخرى، خاصة تلك الإشارات التي رفضوا الالتفات لها؛ لاعتقادهم أنها مجرد ضوضاء في الخلفية.

ويبدو أن القدر قرر مكافأتهم على هذا الإصرار. فعندما فحصوا البيانات بعناية أكبر عام 2016، بدا لهم أن إحدى الإشارات كانت بمثابة توقيع لجسيم عالي الطاقة. الغريب في الأمر أن هذا لم يكن ما يبحث عنه هؤلاء. والأكثر إثارة للغرابة هو أن النتيجة الظاهرة أمامهم بدت مستحيلة الحدوث. فبدلًا من انحدار الجسيم هذا من الأعلى (لأنه من المفترض أنه قادم من الفضاء)، كان هذا الجسيم ينفجر من تحت الأرض.

النيوترينو اندلع من الأرض! بداية رحلة الاستدلال

كما ذكرنا سابقًا، فإنه من الصعب على العلماء معرفة مصدر الأشعة الكونية بسبب تداخلات المجالات المغناطيسية. لكن لحسن الحظ، فإن أي شيء يولِّد أشعة كونية فائقة الطاقة، يكاد يكون من المؤكد أنه يولِّد أيضًا جسيمات أكثر فائدة، إنها «النيوترينو». فنظرًا إلى افتقار هذه الجسيمات إلى الشحنة، فإن هذه الجسيمات الدقيقة لا تتأثر بالمجالات المغناطيسية، وتنطلق عبر الفضاء في خطوط مستقيمة. ونتيجة لذلك، فإن تحديد مصدر النيوترينو يعني أيضًا تحديد مصدر الأشعة الكونية، وهنا يأتي دور البالون «ANITA».

عندما يغرق النيوترينو في جليد القطب الجنوبي، فإنه يخلق وابلًا من الجسيمات المشحونة، التي تولِّد موجات لاسلكية. إذا اكتشفت الهوائيات في البالون «ANITA» هذه الموجات الراديوية المنبعثة من السطح، يمكن لباحثيها معرفة مكان اصطدام النيوترينو، والعمل على معرفة مصدر الأشعة الكونية المصاحبة.

فيديو يشرح «النيوترينو»:

القاعدة البسيطة هنا، هي أن النيوترينو بالتأكيد سيصطدم بالجليد من أعلى إلى أسفل. لكن ما حدث عام 2016 لا يمكن تفسيره. فبدلًا من الاصطدام بالجليد من فوق، بدا أن الجسيمات عالية الطاقة التي كانوا يتعاملون معها قد اندلعت من الأرض، وهو ما يعني أنه من المفترض أنها دخلت الأرض على الجانب الآخر. يمكن للنيوترينوات العادية منخفضة الطاقة القيام بهذه الرحلة؛ لأنها تمر عبر المادة بسهولة. لكن النيوترينوات عالية الطاقة التي تضرب جسمًا صلبًا مثل كوكب، لا يمكنها المرور عبره دون عوائق، ولا يمكن للأشعة الكونية ذلك أيضًا.

كون آخر موازٍ لنا.. لكنه معكوس!

منذ اكتشاف هذا الأمر عام 2016، طرحت جميع أنواع الاقتراحات المتجذرة في الفيزياء المعروفة، في محاولة لتفسير هذه الإشارة المحيرة. أحد هذه التفسيرات تعلق بوجود ثلاثة أنواع للنيوترينو جميعها لا تستطيع عبور الأجسام، أحدها يسمى «تاو نيوترينو»، الذي يمكن أن يتحول في بعض الأحيان إلى جسيم آخر يعرف باسم «تاو ليبتون»، قبل العودة إلى «نيوترينو تاو». كان من الممكن أن تاو نيوترينو عالي الطاقة نجا من العبور عبر الأرض من خلال هذا التحول لحظة دخوله للأرض من الجانب الآخر.

علوم

منذ سنة واحدة
«الإنسان خُلق للشقاء».. كيف فسّرت الشعوب المختلفة قصة خلق الكون؟

لكن اللغز كله أصبح أسوأ في عام 2018، عندما رصد بالون «ANITA» إشارة واضحة أخرى لجسيمات ضخمة تندلع من الأرض. أظهرت التحليلات أنه من غير المحتمل اكتشاف حدثين من هذا النوع. فقد كانت فرص حصول تاو نيوترينو على مرور عبر الأرض خلال رحلة بالون «ANITA» مرتين، هي واحدة في المليون.

استبعدت كافة الاقتراحات لأنها لم تقدم تفسيرًا مناسبًا ومتكاملًا. لم يتبق سوى تفسير واحد فقط، لكنه يبدو أقرب للخيال العلمي. كي يستطيع العلماء وضع تفسير مناسب لهذه الإشارة الغريبة، يتطلب هذا الأمر وجود عالم غريب خلق في الانفجار الكبير نفسه، الذي أنشأ الكون الذي نعيش فيه، وموجود بالتوازي معه، لكنه يمثل مرآة للكون الخاص بنا. في هذا العالم الغريب، الإيجابي سلبي، واليسار يمين، والوقت يسير إلى الخلف. ربما تكون هذه الفكرة هي الأكثر جنونًا على الإطلاق، لكنها قد تكون صحيحة.

بعيدًا عن الفيزياء القياسية.. تفسيرات أخرى

لأكثر من 40 عامًا، كانت فيزياء الجسيمات محكومة بما يسمى «النموذج القياسي»، وهي قائمة من الجسيمات والقوى التي أثبتت دقتها بشكل ملحوظ في تفسير العالم الطبيعي من حولنا. ولكن في مثل هذه النتائج والمشاهدات غير التقليدية، غالبًا ما يميل الباحثون إلى الخروج من هذا النموذج.

على سبيل المثال، اقترح باحثون بجامعة برشلونة في إسبانيا أن الجاني يمكن أن يكون جسيمًا يسمى «أكسيون – axion»، وهو جسيم افتراضي افترض العلماء وجوده في أواخر السبعينيات؛ لتصحيح اختلال التوازن في واحدة من القوى الأربعة الأساسية للطبيعة. يعتقد أن الإشارات الغريبة التي رصدها الباحثون يمكن أن تكون ناجمة عن تحويل الأكسيونات إلى فوتونات، أثناء تفاعلها مع المجال المغناطيسي للأرض.

لكن هذه المقترحات المتعلقة باختراع جسيمات جديدة تبدو معقدة في نظر أحد الباحثين في كندا، ويفترض أن التفسير يكون أبسط ويرتبط بما نعرفه بالفعل. وربما يكون قد توصل لحل نتيجة شغفه بوقت الانفجار العظيم. أحد الأدلة القليلة التي تساعد في دراسة هذه الفترة، هو فكرة «التناظر»، فكرة أن القوانين الفيزيائية تبقى كما هي تحت بعض التحولات.

على سبيل المثال، «C» يرمز لتناظر اقتران الشحنة، والذي يعني أن عكس شحنة جسيم ليس له تأثير في سلوكه الأساسي. ويشير «P» إلى تناظر تحويل التكافؤ، والذي يعني أن الفيزياء لا يمكنها تمييز الجسيم عن نظيره المعكوس في صورته المتطابقة المعكوسة. وتمثل «T» تناظر انعكاس الوقت، مما يعني أن العملية التي تشغل إلى الوراء في الوقت لا تنتهك أي قوانين مادية.

من المعروف أن عملية أو عمليتين تنطويان على جسيمات أساسية تنتهك أحد التماثلات (C وP وT) بشكل فردي. ومع ذلك، في جميع هذه الحالات، يحدث انتهاك للتماثلين الآخرين أيضًا؛ للتعويض عن الانتهاك الذي حدث للأول، بحيث لا يكسر تناظر «CPT» ككل. طبَّق الباحث تناظر «CPT» على اللحظات الأولى لنشأة الكون. ووجدوا أن حساباتهم الناتجة وضعت قيودًا صارمة على أنواع وأعداد الجسيمات المنبعثة في الانفجار الكبير.

أحد هذه الجسيمات يسمى «النيوترونو اليميني»، والذي عند ضبط كتلته ضبطًا صحيحًا، فإنه يتطابق مع صورة واحدة من أكثر المواد مراوغة في الكون، المادة المظلمة. أحد المنظرين الفيزيائيين في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة اقترحوا أنه على مدى ملايين السنين، تجذرت هذه «النيوترينوات اليمنى» بسبب جاذبية الأرض في باطن الكوكب منذ ذلك الحين. هذه الجزيئات تتحلل أحيانًا إلى زوج من جسيمات هيجز بوزون وتاو نيوترينو، وهو ما خلق الإشارة التي التقطها البالون.

من أين جاء الكون الثاني؟

إذا كانت الفرضية السابقة صحيحة، سيسبب ذلك مشكلات للكون الذي نعيش فيه. إحدى نتائج تناظر «CPT» في اللحظات الأولى بعد الانفجار الكبير؛ هي أن الكون قد يحتوي على كميات متساوية من المادة والمادة المضادة، واللذين كانا سيبيدان بعضهما بعضًا على الفور، تاركين فقط الطاقة وراءهما. لكن حقيقة أن المادة تفوق المادة المضادة بشكل كبير في الكون حاليًا، تدفع العديد من علماء الكون إلى الاعتقاد بأن تناظر «CPT» لم يكن دائمًا ملتزمًا به تمامًا كما هو اليوم. وبالتالي كيف ظل كوننا قائمًا؟

الجواب يكمن في تناظر «CPT» نفسه. ضع في اعتبارك واحدة من أبسط عمليات الجسيمات التي نعرفها، تخليق الإلكترون ونظيره المضاد، البوزيترون، في وجود مجال كهربائي قوي. مع الالتزام الصارم بتناظر «CPT»، هناك طريقة أخرى لعرض هذا الأمر، البوزيترون هو إلكترون يسير زمنيًّا إلى الخلف، حتى لحظة توليد المجال الكهربائي ليستدير ويسير زمنيًّا إلى الأمام. هنا نحن تلاعبنا في تناظر الزمن وليس الشحنة، ولا توجد طريقة لمعرفة أيهما «حقيقي».

 

بتطبيق هذه النظرية على الانفجار الكبير، فيبدو أن شيئًا مشابهًا حدث لكوننا. النظرة التقليدية إلى الانفجار الكبير هي أنها كانت لحظة الخلق لكون واحد خالٍ تمامًا من المادة المضادة. ولكن من أجل الحفاظ على تناظر «CPT»، كان على الانفجار الكبير أن يخلق عالمين متوازيين، مع توجيه معظم المادة إلى أحد العالمين، كوننا الذي نحيا فيه، وتوجيه معظم المادة المضادة في الكون الآخر.

في الكون الآخر، سيكون كل شيء مقلوبًا، ومن الخلف إلى الأمام، وأي نجوم أو كواكب قد تحتوي عليها تكون مصنوعة من المادة المضادة بدلاً من المادة. والأمر الأكثر إثارة للدهشة، هو أن هذا الكون المضاد للكون سيتقلص إلى الوراء في الزمن نحو الانفجار الكبير، بدلاً من التوسع بعيدًا عنه.

بالنسبة للسكان في الكون المضاد، فإن كوننا نحن مقلوب رأسًا على عقب، ويتقلص نحو الانفجار الكبير ومليء بنوع خاطئ من المادة. حاليًا نحن لا نستطيع معرفة أي الكونين بالضبط هو الذي نحيا فيه، فقط ما يظهر لنا هو أن الكون الآخر يتقلص للوراء. من الناحية الكونية، هذا يعني أن الوقت ليس سهمًا يسير للأمام من منظور بعض المراقبين الخارجيين. إنه يشبه إلى حد كبير دليل اتجاه الرياح المستخدم لتحديد اتجاه الرياح في القياسات الجوية، هو فقط يشير في أي اتجاه يتوسع الكون. الأمر غريب ومربك.

علوم

منذ 9 شهور
مترجم: هل سيستعمر البشر الفضاء ويدمرونه مثلما «دمروا» كوكب الأرض؟

المصادر

تحميل المزيد