ثلاثة أشهر هي المدة التي حددتها النيابة الفرنسية لاتخاذ الإجراءات المناسبة بشأن آخر ما توصل إليه القضاة الفرنسيون في ملابسات وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، بعد الانتهاء من تحقيقاتهم أواخر الشهر الماضي، وسط غموض يحوم حولها كما ترى زوجته سها عرفات.

فبمجرد الإعلان عن إنهاء القضاة الفرنسيين الثلاثة التحقيقات، وإحالتها للنيابة؛ ثارت زوجة عرفات سها، وعبرت عن صدمتها، وتأكيدها في الوقت نفسه الطعن بها، لاسيما بعد أن دحضوا فرضية تناول الرئيس كمية كبيرة من مادة البولونيوم 210 في الأيام التي سبقت ظهور الأعراض عليه.

«ساسة بوست» تستعرض آخر ما توصل إليه ملف تحقيقات وفاة عرفات، والمحطات التي مر بها خاصة في سويسرا وروسيا وفرنسا التي فتحت تحقيقات مؤخرا، فضلا عن موقف السلطة الفلسطينية منها.

أولا: لماذا رفضت زوجة الرئيس الفلسطيني سها عرفات النتائج الأخيرة؟

زوجة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات/ سها عرفات

سبق لزوجة عرفات سها في عام 2012م أن طالبت بفتح تحقيق موسع بشأن أسباب وفاة عرفات، بعد تقرير سويسري يكشف احتمالات وفاة زوجها مسمومًا، فرفعت حينها قضية أمام القضاء الفرنسي للمطالبة بالتحقيق، كون عرفات توفي في أراضيها.

استجابت حينها نيابة فرنسا لطلب عرفات، فتوجه ثلاثة قضاة تحقيق فرنسيين إلى مدينة رام الله في الضفة المحتلة لفتح قبر عرفات وأخذ عينات من رفاته، بعد موافقة عائلته والسلطة الفلسطينية.

إضافة إلى مطالبتها فتح تحقيق ضد مجهول بعدما كشف معهد سويسري بأنه اكتشف مستويات مرتفعة من عنصر البولونيوم”210″ المشع في ملابس عرفات بعد تحليل عينات بيولوجية من أغراضه الشخصية سلمها المستشفى الفرنسي إلى أرملته.

ويشار إلى أنه توفي عرفات في مستشفى عسكري بباريس في نوفمبر/ تشرين الثاني 2004 بعد شهر من نقله جوًا إليه عندما تدهورت حالته الصحية في مقره المدمر في رام الله حيث كان محاصرًا من قبل إسرائيل لأكثر من عامين ونصف العام.

وكانت عرفات تأمل كثيرا في نتائج التحقيقات الفرنسية الأخيرة، بعد جملة الدلائل التي استند إليها التقريران الفرنسي والروسي قبل سنوات، لكن النتائج كانت معاكسة، فما كان من محاميها إلا استنكار إنهاء التحقيقات.

لذلك، لم يوافق محامو عرفات على إيقاف التحقيق، ولفتوا إلى استكماله بكل الطرق القانونية حتى النهاية، خاصة أن الفرص متاحة أمامهم في ظل وجود ثلاثة أشهر قادمة تتيح للأطراف الضالعة في التحقيق تقديم إفادات مكتوبة لمكتب الادعاء العام الفرنسي.

سبب رفض سها هذه النهايات الأخيرة للتحقيقات الفرنسية  يكمن في وجود ملابسات الوفاة الكافية أصلا لاستمرار التحقيقات، في حين يرى المختصون بفرنسا أن القضية بشكلها الحالي تبدو غير قابلة للاستمرار قيد التحقيق حيث لا توجد إشارة واحدة إلى أي شخص كمتهم.

إضافة إلى تأكيد جامعة لوزان السويسرية عن وجود مستويات مرتفعة من مادة البولونيوم المشعة في بعض متعلقات عرفات بعد تحليلها، مما دفعها إلى الطعن بهذه النتائج والمطالبة باستمرار التحقيقات.

حتى أن سها رأت بعد التشاور مع عدد من الخبراء القانونيين وخبراء المعهد السويسري الذي أجرى فحوصًا على عينات من رفات عرفات وبعد مقارنة التقرير الفرنسي مع التقرير السويسري قررت التوجه إلى القضاء الفرنسي للطعن بنتائج التقرير الطبي الفرنسي.

وتعتقد عرفات أنه وفقا للخبراء السويسريين الذين أجروا هم أيضا فحوصًا مختبرية على عينات من رفات عرفات، أن هناك عيوبًا فنية في التقرير الفرنسي أدت إلى  استخلاصات غير دقيقة، وأفصحت عن نتائج خاطئة جملة وتفصيلا.

 لذلك ستطلب زوجة المتوفى خبراء جددًا يحللون العينات، خاصة أنها على دراية بعدم وجود  أي مختص في تحليل الإشعاعات من الخبراء الذين أجروا الفحوصات في فرنسا.

وبالتالي، فإن الخبراء السويسريين سيثيرون جملة من التساؤلات، وخاصة أنهم علماء في التخصص الإشعاعي، واستخدموا أدوات متقدمة جدا لم يستخدمها الفرنسيون، وفقا لسها عرفات.

2- كيف تنظر السلطة الفلسطينية لقرار تحقيقات فرنسا الأخير؟

ضريح الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في مقر المقاطعة برام الله

لم تقف السلطة الفلسطينية عائقا أمام طلب أي لجنة تحقيق دولية حينما تطلب المساعدة في كشف ملابسات وفاة عرفات، ومعرفة من يقف وراء اغتياله، والأسباب التي دفعته لذلك، رغم اقتناعها بمن يقف وراء “تصفية” الرئيس كما يرى مراقبون.

لاسيما وأن الشارع الفلسطيني بعد التسريبات التي خرجت على قناة الجزيرة العربية مؤخرا بات مقتنعا أنه توفي بعملية اغتيال، وبعض من رجال السلطة متورطون في ذلك، ولديهم دراية بكل ما جرى، بيد أن التحقيقات الفرنسية تحديدا لم تفصح عن كامل التفاصيل حتى اللحظة.

وتبدو الأطراف في السلطة الفلسطينية معنية كثيرا بالكشف عن قتلة عرفات، حتى أنها تنظر إلى إسرائيل بالمسؤولية الكاملة عن قتله، من خلال استنتاج  بعض أطباء فرنسا بأنه لم يمت بالبكتيريا ولا فيروس ولا سرطان، وإنما بمادة خارجية غريبة لم يستطيعوا التعرف عليها”.

وتم بناء هذا الاستنتاج على فترة مكوث عرفات لسنوات سجينا ومحاصرا في مقر المقاطعة برام الله، مما أتاح لهم الفرصة لعملية اغتياله.

آخرون من السلطة يقرون بتصميم اللجنة الكشف عن قتلة عرفات، بالتزامن مع وجود قناعات كاملة بأنه توفي اغتيالا، لذلك لن تعقد لجنة التحقيق أية مؤتمرات صحافية قادمة سوى عندما تتوصل إلى نتائج حاسمة بشأن المتورطين في اغتيال الرئيس الراحل.

وبعد انتهاء فرنسا من التحقيقات، دون التوصل إلى نتائج واقعية، تطالب العائلة بنقل ملف التحقيق في وفاة عرفات إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، فهي ليست بحاجة إلى مزيد من الدلائل، بل إلى موقف سياسي واضح يدين الجريمة ويطالب بمحاكمة الجناة.

3- ما هي خلاصة تقرير سويسرا بوفاة عرفات؟

قناة الجزيرة خلال متابعتها تداعيات تقرير سويسرا

الجدير ذكره، أن الفريقين الطبيين الروسي والفرنسي قد استبعدوا عام 2013 احتمال تسمم عرفات، حيث إن وجود “الرادون” وهو غاز طبيعي مشع في البيئة الخارجية قد يفسر ارتفاع المواد المشعة، ما أدى إلى وفاته.

إلا أن الخبراء السويسريين رأوا من جهتهم أن فرضية التسميم “تبقى أكثر انسجاما” مع نتائجهم، التي توصلوا إليها، بعد إرسال أطباء إلى رام الله لفحص رفات عرفات لأجل البحث عن آثار محتملة لمادة البولونيوم.

تقرير سويسرا جاء بعد أن بثت قناة الجزيرة الفضائية القطرية في الثالث من تموز عام 2012م، برنامجا وثائقيا كشف أن معهد الأشعة الفيزيائية في لوزان عثر على “كمية غير عادية من البولونيوم” بعد تحليل عينات بيولوجية من الأغراض الشخصية لعرفات سلمها المستشفى الفرنسي إلى أرملته.

ويُذكر أن مادة البولونيوم استخدمت عام 2006 في لندن لتسميم الجاسوس الروسي السابق ألكسندر ليتفيننكو الذي تحول إلى معارض للرئيس فلاديمير بوتين.

ويفيد ملخص التقرير بأن العلماء عثروا على مقادير تصل إلى 18 ضعف المعدل الاعتيادي من مادة البولونيوم المشع في عينات من رفات عرفات التي استخرجت في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي بالتفاهم مع السلطة الفلسطينية.

ومن شأن هذا الكشف تثبيت الشكوك التي كشفها شريط الجزيرة في يوليو/تموز 2012 بأن عرفات مات مسمومًا بمادة البولونيوم، وهو ما سبق أن أثبته الخبراء السويسريون ذاتهم بعد فحص محتويات حقيبة عرفات في أيامه الأخيرة.

لذلك، فإن قضية موت عرفات من شأنها أن تسبب إحراجًا للسلطة الفلسطينية وفرنسا وروسيا معا، في قضية موت لا زالت غامضة حتى هذه اللحظة، لذلك فالسلطة الفلسطينية هي التي طلبت رسميا من الخبراء السويسريين إجراء فحوص للعينات وتسلمت نسخة من التقرير.

لكنها لجأت قبل ذلك إلى روسيا وسلمتها أيضا جزءًا من العينات، إلى جانب تعويلها على التحقيق الجنائي الذي فتحته فرنسا في القضية بعد صدور التقرير السويسري الأول وإثر دعوى رفعتها سها عرفات أمام القضاء الفرنسي ضد مجهول.

أما الجهة الأخرى المحرجة من وراء التحقيقات فهي فرنسا التي مات عرفات على أرضها من دون أن يتمكن أطباؤها من اكتشاف سبب موته، وهي التي يقوم خبراء الطب الشرعي فيها أيضًا بفحص عينات مشابهة لتلك التي فحصها العلماء السويسريون.

أما الجهة الثالثة فهي روسيا التي أعد خبراؤها تقريرا عن فحصهم لعينات من الرفات وأعلن أحدهم عدم العثور على بولونيوم فيه، إلا أن هيئة الطب الشرعي الروسية تنصلت من ذلك التصريح، وقالت إنها سلمت تقريرها إلى وزارة الخارجية الروسية.

وبالتالي، فإن تقرير سويسرا دفع السلطات الفرنسية إلى فتح تحقيق جنائي في قضية وفاة عرفات أدى في وقت لاحق إلى سماح السلطة الفلسطينية بنبش قبره واستخراج ستين عينة من رفاته وتسليمها إلى علماء طب شرعي من فرنسا وسويسرا وروسيا.

4- ما هي أبرز أقوال الأطباء الفرنسيين المشرفين على عملية التحقيق في وفاة عرفات؟

الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في مقر المقاطعة برام الله خلال حصار إسرائيل له

1- البروفسور فرانسوا بريكير: والمشهور عالميًا منذ توليه رئاسة قسم الأمراض المُعدية والاستوائية في مستشفى “بيتييه سالبيتريير”، قائلا: “لم يكن ثمة شيء مُعْدٍ في حالة عرفات، واحتمال الموت الطبيعي يبدو لي سطحيًا، والأرجح أن في الأمر سُمًا خارجيًا، وأنا أرى أنه سم نباتي أو غذائي، أي سم جرى ابتلاعه فأحدث اضطرابات معوية وتسممًا غذائيًا”.

2- البروفسور مارسيل فرنسيسكان: الرئيس السابق لقسم الأمراض الرئوية في مستشفى (بيشا)، يقول: “أنا مقتنع تماما بقتل عرفات منذ اللحظات الأولى”، حيث أن العوارض الرئوية واضطرابات بعض أعضاء جسد الزعيم الفلسطيني في أيامه الأخيرة ليست مرتبطة بعمره السبعيني، ولا بالإرهاق “بل بشيء آخر”.

3- البروفسور زاهر عمورة: وهو رئيس قسم الطب الداخلي في المستشفى نفسه يقول: “هناك الكثير من تقنيات التسميم التي لا تزال مجهولة، لكن بسبب الطبيعة العسكرية لمستشفى بيرسي العسكري الذي عولج فيه عرفات فإن كل كلمة محسوبة”.

4-الدكتور أشرف الكردي: وهو طبيب عرفات الذي سارع للكشف عليه في رام الله قبل نقله إلى فرنسا، يؤكد أن آلام الرئتين والمعدة، وغياب الشهية، وتناقص الكريات البيضاء والفقدان السريع للوزن، والبقع الحمراء على الوجه، والجلد الأصفر تؤكد لأي طبيب وجود عملية تسميم”.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد