ربما لم يعد صوتٌ يعلو في العراق سوى صوت إيران، وفقًا لتحليلات وتقارير عربية وغربيَّة، فإيران التي تدعم الحكومات المتتالية في العراق منذ الغزو (2003)، بل وتتدخل في تعيينها بشكلٍ أو بآخر هي التي لها صوتٌ عسكريٌّ قويٌّ داخل العراق أيضًا، هي التي تضخُّ أموالًا هائلة وتنتفعُ من كلّ هذا لا شكّ بوضع العراق في مربع أمنها القومي باعتبارها حديقتها الخلفية من ناحية وباعتبارها إحدى دول الخليج من ناحية أخرى. بالطبع لا تسيطر إيران على العراق سيطرة كاملة، ولا يمكن الحديث عن هذا وإنما تحاول إيران السيطرة الكاملة على العراق، نجحت في بعض الأحيان في السيطرة على قطاعات كاملة وفي بعض الأحيان لم تنجح، إلا أنها وبجدارة أصبحت أبرز لاعب على الأرض العراقية في الوقت الحالي. فكيف تسعى إيران لبسط سيطرتها على العراق إذن؟ نشرح لك ذلك من خلال ثلاثة ملفات.

 

(1) التواجد العسكري وقوات «الحشد الشعبي»

الفيالق والكتائب الشيعية في العراق بعضها جاء بعد الغزو الأمريكي للعراق، وبعضها الآخر جاء قبل ذلك بوقتٍ كبير مثل فيلق بدر الذي تأسس عام 1981. أغلب هذه الكتائب والفيالق تعتمد على الإمداد الإيراني بالمال والسلاح لها. قوات الحشد الشعبي عبارة عن ميليشيات متألفة من أغلب هذه الفيالق التي تدعمها إيران. الحشد الشعبي ربما جاءت استجابةً للحظة تاريخية ما، وهي ظهور «داعش». قوات الحشد الشعبي وفقًا للعديد من المنظَّمات العالمية (كمنظمة العفو الدولية) ووفقًا لتصريحات بعض المسؤولين (آخرها حيدر العبادي رئيس الوزراء) ترتكب أعمال عنف طائفية شبيهة بالضبط بممارسات داعش. الممارسات التي تقوم بها هذه الميليشيات تجاه أهالي ومدنيين سُنَّة في الأغلب، بما فيها إعدام طفل بالرصاص في محافظة ديالي بالعراق. وهدم أكثر من ألف بيت للسنة واغتصاب نساء وغيرها من الاتهامات.


كرر الأمريكان مرارًا خوفهم من تنامي القدرات العسكرية للميليشيات العسكرية في العراق والمدعومة من إيران. فقد اعتبر الرئيس السابق لـ cia ديفيد بتريوس أن الخطر الحقيقي على المدى الطويل في العراق والمنطقة كلها يتأتى من القدرة المتزايدة لميليشيات الحشد الشعبي المدعومة من إيران، وليس من داعش!

الدعم بالنسبة لتلك الميليشيات لا يتوقف على التسليح وإنما يصل إلى أنَّ قائد هذه الميليشيا هو جمال محمد جعفر المشار إليه باعتباره اليد اليُمنى لقائد فيلق القدس قاسم سليماني. الحكومة العراقية أنكرت مرارًا تقديم إيران دعمًا لتلك الميليشيا ولكنها اضطرت أخيرًا للاعتراف أن إيران تدعمها بالفعل، كما كشف قيادي في ائتلاف الوطنية بأنّ الحرس الثوري هو من تولى تجهيز الميليشيات بالأسلحة والمعدات القتالية كما يتولى هيكلة القوات.

ووفقًا للورقة البحثية المنشورة في مركز الروابط للبحوث والدراسات الإستراتيجية، للباحثة هدى النعيمي:

بعد تسارع الأحداث في العراق وانسحاب الجيش العراقي من عدد من المحافظات المنتفضة، كشف مسؤولون أمنيون في العراق أن سليماني موجود في العراق وأنَّ بغداد أخطرت واشنطن قبل زيارته بأنه سيأتي. سليماني وفقًا لهم يعاين الدفاعات العراقية وأنشأ غرفة لتنسيق العمليات بين الميليشيات الشيعية. السفير الأمريكي السابق في العراق رايان كروكر قد أكد وجود سليماني وبقوة في العراق عبر تصريحاته أيضًا.

الاعتماد العسكري على إيران يتجاوز كل هذه التدخلات لنقطتين اثنتين من الأهمية بمكان:

  • الأولى: أنَّ العديد من المسؤولين العراقيين يعترفون بصراحة بطلبهم الدعم من إيران، على سبيل المثال مستشار الأمن القومي فالح فيَّاض قال إن العراق سيطلب الدعم من إيران ومن أمريكا، والاعتماد الأول للعراق حاليًا على الحشد الشعبي.
  • الثانية: أنَّ الحكومة العراقية بالفعل تعتمد على الحشد الشعبي بشكلٍ كامل، فقد خصصت في ميزانية 2015، 60 مليون دولار لبناء قدرات الحشد الشعبي. بالمجمل يتقاضى كل فرد في الحشد الشعبي 500 دولار شهريًّا. وأصبحت قوات الحشد الشعبي تشارك مع الجيش العراقي في جبهات متعددة داخل العراق في مواجهة داعش. ناهيك أنها أكبر عددًا من أفراد الجيش العراقي!

في المجمل تصل أعداد قوات الحشد الشعبي لمئة ألف فرد وفقًا لأقل التقديرات، بينما تصل تقديرات أخرى إلى 250 ألفًا وتقديرات تصل بها إلى 400 ألف فرد مقاتل!

خريطة لبعض الكتائب الشيعية المقاتلة في العراق قبل انضوائها في قوات الحشد الشعبي



للاطلاع أكثر حول تكوين الحشد الشعبي، يمكنك قراءة: ماذا تعرف عن ميليشيات الحشد الشعبي في العراق؟

يمكنك كذلك قراءة: خريطة الميليشيات الشيعية المقاتلة في العراق.

(2) الاقتصاد: اليد التي لا تُلوى أبدًا

«يستورد العراق 72% من مجموع السِّلع الإيرانية المحلية، كما يتلقى 70% من الخدمات الفنيَّة والهندسية لإيران. وستستمر العلاقات التجارية بين طهران وبغداد في نمطها غير المتكافئ وفي ميل كفتها لصالح طهران». *الباحث المتخصص في الشأن الإيراني: تامر بدوي

بالجملة تصدر إيران إلى العراق منتجات نفطية أولًا، ومنتجات غير نفطية ثانيًا (تشتمل هذه المنتجات على السيارات والمواد الغذائية والمستلزمات المنزلية والخدمات الفنية والهندسية). وفقًا لتقارير فقد وصلت صادرات إيران غير النفطية إلى العراق عام 2012 -2013 إلى 6.2 مليارات دولار، أي 19.30% من إجمالي الصادرات الإيرانية. تراجعت هذه النسبة العام الماضي ولكنها مرشَّحة للزيادة خلال هذا العام، خصوصًا أنَّ العالم تفاجأ بالوصول للاتفاق النووي مع إيران، ما يعني أن القواعد ستتغير الآن.

يستورد العراق كما أسلفنا 72% من مجموع السِّلع الإيرانية المحلية، كما يحتل مرتبة الشريك التجاري الأوَّل لإيران. وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين عام 2014، 13 مليار دولار، بعض المراقبين يتوقعون أن تصل هذه النسبة إلى 20 – 25 مليار دولار خلال السنوات القادمة. الحدث الذي قدَّم لإيران العراق (اقتصاديًّا) على طبقٍ من ذهب كان صعود داعش، فالتنظيم الذي استطاع أن يُسيطر على مناطق كاملة من العراق وسوريا ترك لإيران فرصة: 1- تكوين الميليشيات الشيعية المقاتلة «الحشد الشعبي» التي أسلفنا الحديث عنها. بينما 2- استحوذت طهران على 17.5% من السوق العراقي بعد صعود داعش، مقارنةً بما قبل داعش حيث كانت النسبة 13% فقط. 3- سيطرة داعش على أجزاء من العراق قلَّص الوُجُود الاقتصادي التركي والسعودي، ما فتح الباب على مصراعيه أمام التُّجَّار الإيرانيين بالطبع. 4- منحت الخسائر الاقتصادية التي تخلفها داعش في معاركها لإيران بعدًا آخر للاستثمار في العراق، عبر الانخراط في مشروعات البنية التحتية في العراق. فمثلًا يستحوذ مقاولون إيرانيون على النسبة الأكبر من مشروع إنشاء الوحدات السكنية التي تدشِّنها بغداد، ويبلغ عدد هذه الوحدات السكنية 2 مليون وحدة.

لقراءة تفاصيل أكثر حول الموضوع، يمكنك قراءة هذا المقال.

الباحث المتخصص في الشأن الإيراني، تامر بدوي، صرح لساسة بوست بأنَّ رفع العقوبات عن طهران من المتوقَّع أن يُقلِّل من تكاليف الإنتاج الإيرانية على منتجاتها، ما يعني أنَّ إيران ربما تتمكَّن من توسيع حصصها من الصَّادرات إلى العراق خلال العام القادم. ووفقًا لبدوي تستحوذ طهران على 80% من منتجات الألبان والأغذية والسيراميك والأسمنت بالعراق، وهناك ما يتراوح بين 16 – 25 سلعة تحتكرها إيران تمامًا في الدَّاخل العراقي. ووفقًا لبدوي ستبدأ العراق في الاعتماد بشكلٍ أكبر على إيران فيما يخصّ المشكلة التي يواجهها العراق في الكهرباء بعد توسُّع داعش، وفي ظل الاحتجاجات التي شهدها العراق بسبب أزمة انقطاع التيار الكهربائي؛ فمن المتوقع أن تزيد بغداد من تعاملاتها الإيرانية وأن تتعاقد معها على إنشاء مولدات كهرباء جديدة. ما يعني أنَّ العراق لن يفلت من قبضة إيران الاقتصادية.

 

بعد التوغل العسكري والاقتصادي ماذا تبقى أيضًا؟

(3) التشيع: مرجعية جديدة وممثل لخامنئي في العراق

خامنئي في زي الحرب أثناء الحرب الإيرانية – العراقية


مع نجاح الثورة الإيرانية بدأت إيران في التحرك داخل الدول التي تحتوي على مُكوِن شيعي في تكويناتها السُّكانية. العراق أبرز هذه الدول لأسباب عديدة. بشكلٍ عام حاولت إيران استقطاب الشيعة في العراق إلى نظرية ولاية الفقيه التي أسَّسَها الخُمِينِي وتُحكم بها إيران. العديد من المراجع الشيعية العراقية لم يؤيدوا ولاية الفقيه، وإن تباينت مواقفهم السياسية من إيران. التركيز في هذا المحور على نقطتين، نجملهما:

1- حزب الدعوة؛ الحاكم منذ صدام؛ والعلاقة مع إيران

تأسس حزب الدعوة الإسلاميَّة في الخمسينيات من القرن الماضي في محاولة لإصلاح أحوال المسلمين، كان للمفكر والمرجع الشيعي البارز محمد باقر الصدر الدور الرئيسي في تأسيس الحزب. ألَّف باقر الصدر عدة كتب تتناقش حول الإسلام دوره وعلاقته بالاقتصاد والفلسفة وغيرها من المجالات والحقول العلمية. كانت بداية الصراع مع السُّلطة في العراق في أواخر الستينيات مع معاداة حزب البعث لحزب الدعوة الإسلامية لشعوره بأنّ الحزب تتزايد شعبيته، فشن حربًا إعلامية على الحزب جعلت الحزب يردّ بمظاهرات تطالب بإسقاط النظام البعثي وتدشين دولة إسلامية. ما جعل النظام العراقي يعتقل بعض المنتمين للحزب، وبعد سنوات قليلة أصدر عدة أحكام بإعدام لبعض القيادات.

بانتصار الثورة الإيرانية (1979) أيَّد الحزب الثورة الإيرانية، لكنه ظل محتفظًا بمرجعيته داخل العراق. مع الحرب الإيرانية- العراقية أيَّدَ الحزب إيران في حربها على العراق ما جعل نظام صدَّام يُصدِر قرارًا بإعدام كل من ينتمي للحزب، وكان على رأس من أعدموا عام 1980 محمد باقر الصدر وأخته نور الهُدى. بعض القيادات هربت لسوريا والبعض احتوتهُ إيران، منهم رئيس الوزراء السَّابق نوري المالكي الذي انضمّ لحزب الدعوة منذ 1970.

 

المالكي في زيارة خامنئي عام 2006

 

من هنا يمكن فهم العلاقة بين حزب الدعوة وإيران، الحزب الذي لم يعترف بولاية الفقيه بأيّ وجه، كان هو الحزب نفسه الذي تلقى دعمًا إيرانيًّا حتى ما بعد الغزو العراقي، فهو الحزب الوحيد الذي سيطر على الحكومة في جميع دوراتها منذ غزو العراق عام 2003 وحتى الآن بحكومة حيدر العبادي، القيادي بالحزب.

2-الممثل الشخصي للمرشد الأعلى للثورة

جرت العادة على تعيين المرشد الأعلى للثورة الإيرانية ممثلًا له في الدول التي تحتوي على جماهير شيعة يدينون له بالولاء، تكون مهمَّة هذا الممثل جمع الخمس والحديث نيابة عن المرشد وغيره من المهمات التي ينوب عنه فيها. في العراق كان ممثل المرشد الأعلى علي خامنئي هو المرجع الشيعي محمد مهدي الآصفي، الذي كان أحد مؤسسي حزب الدعوة والذي طاردته قيادة حزب البعث، احتوتهُ إيران بعد انتصار الثورة الإيرانية، وأصبح عام 1980 المتحدث الرسمي باسم حزب الدعوة. انسحب الآصفي من الحزب عام 1999 باستقالة مسببة وهو عدم ارتباط قيادات الحزب بقرارات ولي الأمر، ما فهمت حينها بأنّ القيادة السياسية يجب أن تخضع لنظرية ولاية الفقيه!

كان آصفي هو الممثل الشيعي للمرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي في العراق. حتى وفاته في يوليو الماضي. منذ أيَّام أعلن مكتب المرشد الأعلى عن تعيين ممثل جديد لهُ في العراق هو السيد حسيني مُجتبى. جاء التعيين بعد زيارة جواد ظريف للعراق بأيام ومقابلته للمرجع الأكبر في العراق علي السيستاني، ما حدا ببعض التحليلات لتقول إن تعيين الممثل الجديد جاء بعد الاتفاق مع السيستاني، ولم يتسن لنا التأكد من هذه التحليلات خصوصًا أن تحليلات أخرى تعارضها بشدة.

بالمجمل يتولى ممثل المرشد جمع أموال الزكاة والخمس للولي الفقيه والترويج لمذهبه بولاية الفقيه سياسيًّا ومذهبيًّا. للمرشد الأعلى ممثلون معلنون في العراق، وسوريا، واليمن، ولبنان، بعد تعيين حسيني مجتبى ذكرت بعض الصحف أخبارًا عن وصول وفد من مكتب المرشد الأعلى لمدينة النجف لتقديم حسيني للمسؤولين في الحكومة العراقية وعقد بعض اللقاءات مع المرجعيات الدينية كذلك.


وزير الخارجية الإيراني في النجف مع المرجع الشيعي بشير النجفي

 

بطبيعة الحال هناك مما يصفهُ مراقبون بـ«صراع المرجعيات» بين إيران والعراق. حيث تعتبر النجف وحوزتها العلمية منبع المرجعيات العراقية الكُبرى ومركزها، بينما تعتبر مدينة قمّ وحوزتها العلمية منبع المراجع الشيعية والتي تَعلَّم وتَخرَّج منها المرشد الحالي خامنئي. تختلف الحوزتان فـ: 1- يؤمن مراجع قمّ بولاية الفقيه بشكلٍ مُطلق، بينما يعارضهم كبار مراجع حوزة النجف من ضمنهم المرجع الأكبر الحالي في العراق علي السيستاني، والذي اعترض أكثر من مرة على تدخلات إيران في العراق، كما اعترض على تدخل إيران في سوريا، وبعث رسالة إلى خامنئي يحذرهُ فيها من مغبَّة ذلك. و2- يرى مراجع النجف الكبار والخط السائد فيها حتى الآن بعدم تقاطع السياسة بالدين. الموقفان لديهما ما يؤيدهما من مواقف السيد علي السيستاني الذي لم ينتدب أتباعه لجهاد الغزو الأمريكي عام 2003 معللًا ذلك بأنَّ هذه الفتوى ليس هذا زمانها، كما أنه لم يتخذ موقفًا من الحرب الإيرانية- العراقية ما دفع صدَّام حسين لوضعه تحت الإقامة الجبرية لأنه لم يتخذ موقفًا. لكن له بعض المواقف التي يتم انتقاده بها، باعتباره ليس مشاركًا سياسيًّا فكيف دعا أتباعه لجهاد داعش؟ وكيف دعم الائتلاف العراقي الموحَّد في الانتخابات؟

المرجع الأكبر في العراق: علي السيستاني


ما بدا للعديد من المحللين والمراقبين للشأن العراقي أنَّ تعيين حسيني مجتبى بديلًا لآصفي الذي توفي الشهر الماضي ليس إلا صراع مرجعيات ومحاولات من إيران لعزل مرجعية السيستاني ومحاولة فرض مرجعية الوليّ الفقيه من جديد برجل من الطراز الأول في إيران، خصوصًا في ظلّ تصريحات لمسؤولين إيرانيين عن مدى تحكمهم في العاصمة بغداد واستغاثات بعض العشائر والقبائل السنية بأنَّ إيران تسيطر على الوضع في العراق. فهل يكون حسيني مجتبى المحاولة الإيرانية «الأنعم» للسيطرة بالفعل على العراق وفرض ولاية الفقيه عليها؟

 

لندع الأيام تخبرنا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد