كانت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبالتحديد في شهر يوليو (تموز) الماضي، تستضيف محادثات سلام بين قادة طالبان وأعضاء حكومة كابول، من أجل التفاهم بشأن تقاسم السلطة، وسد الفجوة السياسية التي ستترتب على انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، بالإضافة إلى ضمان عدم الإطاحة بحكومة أشرف غني التي تربطها علاقات جيدة مع طهران، لكن التمنيات الإيرانية لم تكتمل، وانهارت حكومة كابول، بالتوازي مع التوغل السريع والسيطرة المفاجئة لجماعة طالبان على العاصمة الأفغانية كابول، وفرار الرئيس الأفغاني أشرف غني خارج البلاد، والسيطرة على حكم أفغانستان مرة أخرى! لتجد إيران نفسها أمام تحد آخر متمثلًا في كيفية العمل مع جماعة سنية متشددة!

طهران وطالبان.. تاريخ قديم ومعقد للغاية

عندما أعلنت جماعة طالبان سيطرتها على السلطة في أفغانستان مرة أخرى، عملت إيران على احتواء الأمر، ورحبت في البداية بانتصار طالبان، وخروج الولايات المتحدة، واعتبرت الأمر انتصارًا لإستراتيجيتها المناهضة لتواجد الولايات المتحدة في المنطقة، حتى أن المسئولين الإيرانيين طلبوا من وسائل الإعلام الإيرانية المختلفة تخفيف النبرة العدائية تجاه جماعة طالبان.

يقول صحافي إيراني، مقيم بطهران، ويعمل في إحدى المؤسسات الصحافية الموالية للحكومة، في حديثه لـ«ساسة بوست»، مفضلًا عدم ذكر اسمه: «مع بداية الأحداث في أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي، كانت اللهجة الإعلامية الإيرانية قاسية تجاه الجماعة، المتهمة بقتل دبلوماسيين إيرانيين في السابق، والتي استهدفت الطائفة الشيعية في أفغانستان مرارًا وتكرارًا، لكن بعد سقوط كابول في يد الجماعة، جرى إخبارنا بتخفيف هذه اللهجة، وتصوير الأمر على أنه انتصار على الولايات المتحدة في المنطقة».

Embed from Getty Images

وللجمهورية الإسلامية الإيرانية تاريخ طويل ومعقد في أفغانستان، وفي أغلب الوقت تميل الأنشطة الإيرانية في أفغانستان إلى أن تكون محاطة بالغموض، فتارة تحاول تقوية نفوذها داخل البلاد، وتارة أخرى يتأرجح الأمر بين مواجهة طالبان إلى محاولات احتوائها.

بالعودة بالزمن قبل حوالي 20 عامًا، وبالتحديد عام 1998، كادت إيران تخوض حربًا شاملة ضد جماعة طالبان، بعد أن أقدمت الأخيرة على قتل 10 دبلوماسيين إيرانيين ومراسل صحافي، كانوا متواجدين في القنصلية الإيرانية بمدينة مزار شريف الأفغانية، وكان هذا الانتقام الوحشي ردًا على دعم طهران للجماعات المناهضة لطالبان، بما فيهم التحالف الشمالي، الجماعة المعارضة لحكم طالبان في التسعينات، بقيادة أحمد شاه مسعود.

في عام 2001 أطاح الغزو الأمريكي لأفغانستان بحكومة طالبان، وطردت الجماعة إلى أطراف البلاد، وهرب بعض قادتها إلى باكستان، وساعدت إيران في هذا الأمر بطريقة غير مباشرة، يقول الصحافي الإيراني لـ«ساسة بوست»: «مدت إيران يد العون إلى قوات تحالف الناتو بقيادة الولايات المتحدة عام 2001 للمساعدة في محاربة طالبان والإطاحة بها».

طوال هذه السنوات الطويلة ظلت المشاعر المعادية لطالبان في إيران تتزايد، خاصة بعد استهداف طالبان للأقلية الشيعية الأفغانية؛ «الهزارة» والتنكيل بهم؛ إذ تُعد الجمهورية الإسلامية الإيرانية ذات الاغلبية الشيعية، في نظر حركة طالبان التي تتبنى أيديولوجية دينية راديكالية، عبارة عن «جمهورية مرتدة كافرة».

لكن الأمور بدأت في الاختلاف رويدًا رويدًا؛ فمنذ عام 2015، ومع صعود «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» في سوريا والعراق، وتهديد التنظيم بأن إيران ستكون المحطة التالية له؛ لجأت إيران إلى تغيير إستراتيجيتها تجاه طالبان، مكتشفة أن التعاون مع الجماعة سيكون أفضل من استمرار مواجهتها في ظل التحديات الجديدة.

بدأ الجنرال الإيراني الراحل، قاسم سليماني، القائد السابق لقوة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني، والذي جرى اغتياله في يناير (كانون الثاني) 2020 بواسطة طائرة مسيرة أمريكية بالقرب من مطار بغداد الدولي، في التواصل مع قادة طالبان.

يقول مسؤول أمني إيراني سابق لدى المجلس الأعلى للامن القومي الإيراني لـ«ساسة بوست»، شريطة عدم الكشف عن هويته: «بدأ الجنرال سليماني في التواصل مع طالبان من أجل صد هجمات (داعش)، وتضمن الأمر شيئًا أشبه باتفاقية، أو هدنة بين إيران وطالبان».

وبحسب المسئول الأمني الإيراني، فإن الجنرال سليماني عقد صفقة مع قادة طالبان، تضمنت الكثير من الأمور، من بينها: تدريب مقاتلي الجماعة وإمدادها بالأسلحة عن طريق الحرس الثوري الإيراني. استقبال إيران لقادة الجماعة وأسرهم، وتوفير ملاذ آمن لهم، مقابل أن تكف طالبان الأذى عن الأقلية الشيعية الأفغانية (الهزارة)، وأن تتعاون مع إيران في تحقيق هدفها بإخراج الولايات المتحدة من المنطقة عن طريق تكثيف استهداف القوات الأمريكية في أفغانستان.

في الوقت نفسه كان قد اتهم مسئولون أمريكيون وأفغان طهران بتقديم المساعدة لمقاتلي طالبان، والعثور على أسلحة إيرانية الصنع لدى الجماعة، لكن إيران نفت جميع هذه المزاعم حينها.

ظلت العلاقة بين طالبان وطهران في ذلك الوقت سرية بشكل كبير، إلى أن بدأت جماعة طالبان الدخول في محادثات سلام مع الولايات المتحدة، وبدأ التمهيد للعلاقة علانية بين طالبان وإيران، وبدأ القادة الإيرانيون في تحسين صورة الجماعة تدريجيًا داخل الجمهورية الإسلامية.

خلال السنوات القليلة الماضية، سافر قادة طالبان وأعضاء المكتب السياسي للجماعة بالدوحة، في مناسبات مختلفة لإيران، لطلب المشورة والمساعدة في مسالة تفاوضها مع الولايات المتحدة، يقول السفير الإيراني السابق لدى أفغانستان، فدا حسين مالكي لـ«ساسة بوست»: «في السنوات الأخيرة اتسمت العلاقة بين إيران وطالبان ببعض المرونة، فعلى الرغم من اختلافاتهم الأيديولوجية، فإن هناك العديد من القواسم المشتركة التي كان يجب العمل عليها، وأهمها التعاون من أجل إخراج الولايات المتحدة من المنطقة».

على صعيد المشاعر الإيرانية العامة لم يقبل الإيرانيون فكرة التعاون الإستراتيجي بين بلادهم وطالبان، التي ينظرون إليها على أنها جماعة سنية متطرفة تستهدف الشيعة وتقوم بتكفيرهم، كما أنها متورطة في مقتل الدبلوماسيين الإيرانيين.

يعلق الباحث السياسي الإيراني المستقل علي رضا قاسمي على هذا الأمر لـ«ساسة بوست» قائلًا: «يرى الإيرانيون طالبان على أنها جماعة إرهابية، وانتقدوا الحكومة بسبب استضافتها «الإرهابيين» الذين قتلوا الإيرانيين من قبل، كما أنهم انتقدوا وجهة نظر المتشددين الإيرانيين التي تقول إن طالبان تحارب الأمريكان، في حين أنها جلست معهم للتفاوض».

«ليست طالبان التسعينات».. هكذا تحاول طهران احتواء أعداء الأمس

أثار استيلاء طالبان على السلطة مرة أخرى، ردود فعل متباينة عبر الطيف السياسي في إيران، في البداية رحب الرئيس الإيراني المنتخب حديثًا إبراهيم رئيسي بطالبان، معتبرًا الأمر انتصارًا على الولايات المتحدة، وتبعه في ذلك كافة السياسيين الأصوليين، على سبيل المثال لا الحصر؛ أشاد سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي شمخاني باستيلاء طالبان على السلطة وخروج القوات الأمريكية من أفغانستان، باعتباره انتصارًا للقوى المناهضة للإمبريالية.

Embed from Getty Images

كذلك وصف علي أكبر ولايتي وزير الخارجية الإيراني الأسبق، والمستشار الحالي للزعيم الأعلى الإيراني للشؤون الخارجية، أفغانستان في حوزة طالبان بـ«محور المقاومة»، وهو محور تقوده إيران، ويضم الجماعات المتحالفة معها في سوريا، والعراق، ولبنان، واليمن، وفلسطين، لمواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.

اعتمد الأصوليون في إيران على ترحيبهم بطالبان على التغيير الكبير في تفكير الجماعة، فيقول الباحث السياسي الإيراني علي رضا قاسمي لـ«ساسة بوست»: «يجادل المتشددون في إيران، بأن طالبان الحالية ليست طالبان التي كانت في التسعينات، وبأنها قد راجعت الكثير من أفكارها العدائية، خاصة تجاه الشيعة وإيران».

ينتقد السيد قاسمي هذا الأمر، قائلًا: «المتشددون الإيرانيون ينظرون إلى جميع التطورات الإقليمية من خلال عدسة معادية لأمريكا، وهذا خطأ فادح، لا يمكن الوثوق بطالبان مهما حدث، وكل تصريحات قادة الجماعة عن التغيير الكبير في الأفكار، مجرد حيلة تكتيكية لتعزيز سلطتهم، وبمجرد إحكام قبضتهم على زمام الأمور، سيعود كل شيء كما كان في التسعينات».

ما بعد الهجوم على مطار كابول ليس كما قبله.. تحديات كبيرة تواجه طهران

فى 26 أغسطس (آب) الماضي أعلن تنظيم «داعش خراسان» وهي جماعة تضم المنشقين من جماعة طالبان، والذين عارضوا المحادثات بين الولايات المتحدة وقادة طالبان، مسؤوليتها عن الهجوم المروع على مطار كابول الدولي، وبدأت التحديات والمصالح المشتركة بين طالبان وإيران، في الظهور أكثر وأكثر.

قبل الهجوم الدموي كانت إيران تصر أن تقوم جماعة طالبان بتشكيل حكومة وطنية تضم كافة الأقليات والأعراق الأفغانية المختلفة من أجل استقرار النظام السياسي في أفغانستان، وسد الفجوة السياسية سريعًا، دون الحاجة إلى تدخل أجنبي من الممكن أن يقوض نفوذ الجمهورية الإسلامية في أفغانستان.

لكن بعد الهجوم ظهرت إشكالية أخرى؛ إذ أدركت كل من طالبان وطهران أن هناك مصلحة مشتركة لتوسيع التعاون لمواجهة تنظيم «داعش خراسان» في أفغانستان. يقول السفير الإيراني السابق لدى أفغانستان، فدا حسين مالكي لـ«ساسة بوست»: «الهجوم على مطار كابول من قبل (داعش خراسان)، جعل التحديات أكبر، والخوف على الحفاظ على المصالح المشتركة بين طالبان وإيران أكبر وأكبر، إيران تحاول الحصول على موطئ قدم في أفغانستان، وتكرار هجوم (داعش) في أفغانستان، سيقود هذه المحاولة، فمن الممكن أن تعود أمريكا للتدخل ولو عن طريق الطيران لمواجهة (داعش)، وهذا ما لا تريده إيران حاليًا».

Embed from Getty Images

تقف الجمهورية الإسلامية في إيران الآن في مواجهة العديد من التحديات والمخاطر التي ستواجهها بعد سيطرة طالبان على الحكم في أفغانستان، كما أنها تحاول الحفاظ على موقفها الإقليمي، ونفوذها حتى وإن كان محدودًا على جماعة طالبان، لكن على ما يبدو أن التحديات كبيرة، ونستعرض في السطور القليلة المقبلة أهم هذه التحديات والمصالح المشتركة، التي تحاول طهران مواجهتها، والعمل عليها في ظل حكم طالبان لأفغانستان.

1- اللاجئون الأفغان.. إيران لا تستطيع قبول المزيد!

منذ أن غزت قوات الاتحاد السوفيتي أفغانستان قبل حوالي 42 عامًا، كان الأفغان اللاجئون والهاربون من الحرب في بلادهم يعيشون جنبًا إلى جنب مع الإيرانيين. ففي عام 1979 بدأت أول موجة من تدفق اللاجئين الأفغان إلى البلد الجار، إيران، خاصة بعد الإطاحة بالملكية في إيران، والأوأمر التي أصدرها قائد الثورة الإيرانية ومؤسس الجمهورية، آية الله روح الله الخميني، بفتح الحدود الإيرانية امام اللاجئين الأفغان.

منذ ذلك الحين واللاجئون والمهاجرون الأفغان يلجأون إلى الجمهورية الإسلامية للهرب من ويلات الحرب في بلادهم، إلى أن وصل عددهم إلى حوالي 2.75 مليون لاجئ ومهاجر أفغاني يقيمون في مختلف المحافظات الإيرانية. في كل الأحوال استقبلتهم طهران، حوالي مليون ونصف منهم لا يمتلكون أوراقًا ثبوتية، ويقيمون بطريقة غير شرعية في البلاد، وبالرغم من سوء أحوال معيشة الكثير منهم داخل إيران، فإنها لم تتوقف عن استقبالهم في كثير من الأحيان.

لكن في ظل الأحداث الأخيرة لا يمكن للجمهورية الإسلامية فتح أبوابها أمام الأفغان الفارين من تجدد جحيم طالبان، ففي يوم 6 أغسطس المنصرم، بدأت موجة محدودة من الأفغان في التدفق نحو الحدود الإيرانية، لكن حينها قالت السلطات الإيرانية إنه جرت إعادتهم إلى أفغانستان بعد التحفظ عليهم لمدة يومين أو ثلاثة على معبر ميلك.

لكن ما حدث على معبر ميلك، واستمرار نفي المسئولين الإيرانيين عدم وجود أي لاجئين أفغان على الحدود الإيرانية، لا يمنع أن ما حدث عكس ذلك، يقول مسئول في منظمة الهلال الأحمر الإيراني، لـ«ساسة بوست»، مفضلًا عدم ذكر اسمه؛ لأنه غير مخول له بالحديث لوسائل الإعلام: «قامت قوات حرس الحدود الإيرانية، بإقامة مخيمات للاجئين الأفغان على الحدود لحين النظر في أمرهم»، وبحسب المسؤول فإن الأعداد ليست بقليلة.

يقول الباحث السياسي الإيراني علي رضا قاسمي لـ«ساسة بوست»: «هناك ما يقرب من 3 مليون لاجئ أفغاني في إيران، هذا الرقم يضغط بالطبع على النظام المالي، والصحي، والتعليمي، وإيران أصلًا تعاني من العقوبات الاقتصادية الهائلة لذلك فإن وصول عدد آخر من اللاجئين الأفغان يقلق القيادة الإيرانية بشكل كبير».

يعمل المسئولون الإيرانيون مع طالبان على منع تدفق اللاجئين الأفغان داخل الأراضي الإيرانية، خاصة في ظل ارتفاع مستويات الإصابة بفيروس كورونا في إيران بالأسابيع والأيام الأخيرة.

في البداية كان التعاطف الشعبي في إيران مع ما يحدث للأفغان كبيرًا، فطالب العديد من الإيرانيين على وسائل التواصل الاجتماعي الناطقة بالفارسية، المسئولين في الحكومة، باستقبال اللاجئين الأفغان، وانتقد البعض قيام السلطات الإيرانية بعدم السماح للأفغان الفارين من طالبان بدخول إيران.

لكن هناك أيضًا الكثير من الإيرانيين يجدون صعوبة في فكرة تقبل المزيد من اللاجئين الأفغان في ظل الأوضاع الاقتصادية والصحية السيئة التي تمر بها بلادهم، مهرداد اردالى، طبيب يعمل في أحد المستشفيات التي تستقبل حالات الاصابة بفيروس كورونا يقول لـ«ساسة بوست»: «أقدر سياسة إغلاق الحدود التي اتبعتها الحكومة، النظام الصحي في إيران منهار، ووضع اللاجئين الأفغان في مخيمات يعني المزيد من انتشار الفيروس، والضغط على النظام الصحي داخل البلاد، الأوضاع مختلفة عما قبل، لا يمكننا استقبال المزيد من المصابين».

لذلك تواجه الحكومة الإيرانية تحديًا خطيرًا، فيما يخص تدفق اللاجئون الأفغان، بالإضافة إلى ذلك فإن مسألة اللاجئين تعد أزمة مشتركة مع طالبان، التي من المفترض أنها تسعى للحد منها، للحفاظ على استقرار نظامها الجديد. وعليه يقول الباحث السياسي الإيراني المستقل علي رضا قاسمي لـ«ساسة بوست»: «طالبان أيضًا لا تريد وجود المزيد من اللاجئين، خاصة مع جيرانها، على الأقل في المرحلة الحالية، لعدم إخافة جيرانها وحلفائها من وصولها إلى السلطة وتدهور الأمور على حدودهم».

2. حكم طالبان كارثة جديدة تضرب الاقتصاد الإيراني «العليل»!

من الأمور غير الشائعة على نطاق واسع، هو حجم التجارة المتبادلة بين إيران وأفغانستان، إذ تعد طهران الشريك التجاري الأكبر لإسلام آباد منذ عام 2018، فقد بلغ حجم الصادرات الإيرانية إلى أفغانستان من عام 2017 إلى 2018 حوالي 2.7 مليار دولار، لذلك تتوقع الجمهورية الإسلامية الكثير من العواقب الاقتصادية المترتبة على استيلاء طالبان على السلطة في أفغانستان.

بعد شن إدارة الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، حملته المتمثلة في «الضغط الأقصى» تجاه إيران، بهدف تجريدها من جميع مواردها الاقتصادية، لإجبارها على التفاوض على اتفاق نووي آخر، بشروط جديدة تختلف عما جرى الاتفاق عليه في الصفقة النووية، أوما يعرف رسميًا بـ«خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015»، بدأت إيران في البحث عن منافذ وفرص اقتصادية أخرى في دول الجوار، فأصبحت أفغانستان الوجهة الرئيسة للصادرات الإيرانية غير النفطية.

خطاب ترامب نظام التفاهة

يقول الباحث السياسي الإيراني علي رضا قاسمي لـ«ساسة بوست»: «أفغانستان ليست فقط سوقًا لتصريف المنتجات الإيرانية غير النفطية، لكنها أيضًا حجر أساس في سوق العملات الأجنبية في إيران».

توفر التجارة مع أفغانستان لإيران الحصول على العملة الصعبة، التي حرمت إيران منها بسبب العقوبات الأمريكية، وجرى تجميد أصولها في الخارج، فبحسب التقارير يصل حجم تجارة البلدين بالعملة الصعبة إلى ما يقرب من 5 ملايين دولار يجري تحويلها إلى إيران يوميًا من أفغانستان. مما ساعد في استقرار أسواق الصرف الإيرانية بشكل كبير، خاصة بعد الانهيار الذي تعرضت لها إثر انسحاب دونالد ترامب من الصفقة النووية في مايو (أيار) 2018.

لكن بعد وصول طالبان إلى الحكم قامت وزارة الخزانة الأمريكية بإيقاف شحنات الدولار إلى أفغانستان، وقالت إدارة جو بايدن إن طالبان لن تكون قادرة على الوصول إلى الاحتياطات المودعة لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.

يعلق السيد قاسمي على هذا الأمر لـ«ساسة بوست» قائلًا: «هذا الأمر كارثي بالنسبة إلى أسعار الصرف في إيران؛ مما يعني أننا أمام موجة أخرى من زيادة معدلات التضخم».

قيام الولايات المتحدة بإيقاف تسليم الاحتياطات بالعملة الصعبة لطالبان، يعني المزيد من المشاكل الاقتصادية التي تواجه القطاع الاقتصادي في إيران، والذي كان يعتمد بشكل كبير على المشترين الأفغان، فمنع تسلم طالبان للاحتياطات من الدولار من الولايات المتحدة، يعني انهيار العملة الأفغانية، وزيادة الأسعار، ومعدلات التضخم، وعدم قدرة الأفغان على شراء المنتجات الإيرانية.

هناك أيضًا المزيد من القلق لدى القادة الإيرانيين فيما يخص الناحية الاقتصادية، وهو ميناء تشابهار، الذي كان من المفترض أن يكون فرصة كبيرة لازدهار التجارة بين كل من الهند، وإيران، وأفغانستان، من خلال جعله ممرًا تجاريًا إلى آسيا الوسطى دون الحاجة إلى المرور على باكستان. لذلك من مصلحة إيران العمل على استقرار الأوضاع السياسية داخل أفغانستان، لتجاوز المحن الاقتصادية الناجمة عن زعزعة الأمن الأفغاني.

يمثل هذا الأمر تحديًا للجمهورية الإسلامية، لكنه في الوقت نفسه مصلحة متبادلة مع طالبان، التي تستفيد اقتصاديًا من التجارة مع إيران، ففي عام 2020 حصلت طالبان على حوالي 85 مليون دولار من خلال تحصيل الرسوم التجارية المفروضة على التجارة عبر الحدود مع إيران.

3. نهر هلمند.. الخوف من تجدد الصراع القديم

«هذه كارثة أخرى متوقعة نتيجة وصول طالبان إلى الحكم، أتمنى ألا تحدث للإيرانيين»، هكذا استهلت الباحثة الإيرانية في الشئون البييئة، زهراء كريمان حديثها لـ«ساسة بوست»، عن أزمة المياه العالقة بين إيران وأفغانستان تحت حكم طالبان الجديد.

منذ عقود طويلة وهناك نزاع قائم بين إيران وأفغانستان على نهر هلمند أطول نهر في أفغانستان، والذي يتدفق في اتجاه جنوبي غربي عبر المناطق الصحراوية، التي تبلغ حوالي 1100 كيلومتر ليصب في بحيرة هامون على الحدود مع إيران، والتي تعتبر أكبر بحيرة عذبة في إيران، ويعتمد عليها سكان محافظة سيستان وبلوشستان ذات الأغلبية السنية بشكل أساسي.

نهر هلمند – مصدر الصورة: ويكيبيديا

في عام 1973، أي قبل الإطاحة بشاه إيران، جرى توقيع اتفاقية مياه بين أفغانستان وإيران، لضمان الحقوق المائية للأخيرة، من نهر هلمند، لكن تنفيذ هذه الاتفاقية كان دائمًا محل صراع بين أفغانستان وإيران، تتهم الجمهورية الإسلامية أفغانستان بانتهاك حقوقها المائية بحجة أن كمية المياه التي جرى الاتفاق عليها في معاهدة 1973 أقل بكثير من الكمية التي تحصل عليها، كما أن الحكومة الأفغانية في كابول قامت ببناء سد كمال خان، والذي جرى افتتاحه في مارس (آذار) 2021 بعد فترة بناء طويلة استمرت منذ سبعينات القرن الماضي.

تقول السيد زهراء كريميان لـ«ساسة بوست»: «في السبعينات عرضت إيران على أفغانستان تمويل بناء سد كمال خان مقابل حقوق شراء الماء المضمونة، لأنه في معاهدة 1973 لم تتوصل إيران إلى بند جاد بشأن الحصول على كمية مياه إضافية في حالات الجفاف، التي شهدناها في السنوات الأخيرة؛ مما أثر على مستويات المياه الواصلة لإيران من نهر هلمند».

قبل أن تعود جماعة طالبان للسيطرة على الحكم في أفغانستان، وفي ظل معارضة إيران لبناء الحكومة الأفغانية لسد كمال خان، قامت طهران بالتعاون والاتفاق مع الجماعات المناهضة لحكومة كابول، ومن بينها طالبان، للعمل على إغلاق قنوات السد، وهذا الأمر قد تحدث عنه المسؤولون الأفغان في كابول مرارًا وتكرارًا متهمين الحرس الثوري الإيراني وجماعة طالبان بتخريب مشاريع السدود في جنوب وغرب أفغانستان.

في السنوات الأخيرة، وخاصة في عهد حكومة أشرف غني، توصلت إيران إلى ترتيبات تقاسم المياه، خاصة في ظل سنوات الجفاف الأخيرة التي ضربت كلًا من أفغانستان وإيران، تقول السيدة كريميان لـ«ساسة بوست»: «حاولت إيران وأفغانستان حل هذا النزاع، خاصة أن حكومة أشرف غني كانت تربطها علاقات جيدة بطهران، ففي فبراير (شباط) 2021 اتفقت كلتا الحكومتين على إنشاء محطات هيرو مترية لمراقبة كمية مياه الأنهار التي تتدفق إلى إيران».

لكن في الوقت نفسه أعربت الناشطة البيئية الإيرانية عن قلقها من مدى التزام جماعة طالبان بهذا الاتفاق، فتقول «يمكن لطالبان في أي وقت، أو مع أول خلاف لها مع الحكومة الإيرانية، أن تحرم إيران من مياه نهر هلمند؛ مما يهدد أكثر من مليوني مواطن إيراني بالجفاف، ناهيك عن أن إيران تعاني من أزمة مياه شديدة، تزداد سوءًا عامًا بعد آخر».

4. الأقلية الشيعية في أفغانستان.. ذراع طهران الذي تمسكه طالبان!

دائمًا ما كانت العلاقة بين إيران وطالبان تتسم بالعداء الطائفي العميق، وأثر هذا العداء بالطبع على أقلية الهزارة الأفغانية الشيعية، التي عانت من القمع والقتل على يد مقاتلي طالبان، لذلك فبعد وصول طالبان إلى الحكم مرة أخرى هناك الكثير من التخوفات الإيرانية بشأن تجدد هذا العداء القديم، حتى مع تعهدات قادة طالبان بحماية الأقلية الشيعية الأفغانية.

يقول السفير الإيراني السابق لدي أفغانستان، فدا حسين مالكي لـ«ساسة بوست»: «لا يمكن الوثوق بطالبان فيما يخص باحترام الطائفة الشيعية الأفغانية، وهذا الأمر يهدد مصداقية وأمن إيران القومي، فإيران لديها العديد من الحلفاء الشيعة الأفغان الذين هم جزء أساسي من محور المقاومة، وتريد إيران الحفاظ على هذه العلاقات الوثيقة معهم، لكنها في الوقت نفسه لا يمكن أن تضمن تصرفات طالبان تجاههم، فإذا خالفت وعودها وألحقت الضرر بهم، ستكون كارثة للأمن القومي الإيراني».

ليست فقط الأقلية الشيعية التي تهم إيران، وإن كانت هذه القضية مهمة للغاية للجمهورية الإسلامية التي تعتبر نفسها حامية الشيعة المسلمين في العالم بأسره، تخشى طهران في حالة تعرض علاقتها بطالبان إلى الخطر، من قدرة الأخيرة على زعزعة الأمن الداخلي الإيراني.

كذلك فإن محافظة سيستان وبلوشستان، والتي تعتبر أكبر المحافظات التي تسكنها الأقلية السنية الإيرانية، تشترك في الحدود مع أفغانستان، ويتضامن سكانها السنة مع الأيديولوجية الخاصة لطالبان في كثير من الأحيان، فعلى سبيل المثال، كان أول المهنئين استيلاء طالبان على الحكم، الزعيم السني الإيراني الشهير مولوي عبد الحميد.

Embed from Getty Images

لذلك تخشى إيران من أن أي عداء بينها وبين طالبان، من الممكن أن يستخدم من قبل جماعة طالبان للتأثير على الحركات الانفصالية السنية داخل الجمهورية الإسلامية؛ مما يؤدي إلى زعزعة الأمن الداخلي الإيراني.

يقول المسؤول الأمني السابق في المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، في حديثه لـ«ساسة بوست»: «كانت مسالة، السنة في إيران والجماعات الانفصالية، من أهم الأمور المطروحة في اجتماعات المسؤولين الإيرانيين بقادة جماعة طالبان، الذين وعدوا بعدم المساس بهذه القضية، ولا استغلالها مهما حدث، لكن هذه الوعود لا يمكن الوثوق بها».

5. بنجشير.. «لقد جرى خداعكم أيها السادة»

بعد المعارك التي دارت بين قوات المقاومة المناهضة لطالبان بقيادة أحمد مسعود وطالبان في بنجشير، وتجدر الإشارة هنا إلى أن قوات المقاومة في بنجشير تتمتع بعلاقات جيدة مع طهران منذ أيام شاه مسعود، والتحالف الشمالي المناهض لطالبان في التسعينات، والذي دعمته إيران بشدة لمحاربة جماعة طالبان في ذلك الوقت؛ حذر قائد قوة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني، العميد جنرال إسماعيل قاآني، والذي تربطه أيضًا علاقات وثيقة بقوات المعارضة في بنجشير، من خطر اندلاع حرب أهلية في أفغانستان.

هذا التحذير جاء في جلسة برلمانية مغلقة الأسبوع الماضي، أطلع فيها قاآني النواب الإيرانيين على تطورات الأمور في أفغانستان، يقول النائب البرلماني الذي حضر هذه الجلسة، أحمد علي رضا لـ«ساسة بوست»: «قال القائد إسماعيل قاآني إن الأمور غير مبشرة بالمرة في أفغانستان، وأن إيران لن تقف مكتوفة الأيدي أمام ما يحدث، خاصة بعد التدخل الباكستاني في معركة بنجشير».

Embed from Getty Images

أحمد مسعود 

وبحسب النائب البرلماني أحمد علي رضا، فإن قائد قوة القدس أخبر البرلماني الإيراني بحقيقة تدخل الطيران الباكستاني في معركة بنجشير، فيقول «أكد السيد قاآني الأخبار المنتشرة عن هذا الأمر، قائلًا إن إيران لن توافق أبدًا على التدخل الأجنبي، وخاصة الباكستاني في أفغانستان، لكنه في الوقت نفسه استبعد الحل العسكري من جانب إيران».

النبرة المتعاطفة مع أعضاء جبهة المقاومة الوطنية في بنجشير، في معركتهم غير المتكافئة مع جماعة طالبان، لم تتوقف عند عموم الشعب الإيراني الذي يملك مشاعر عاطفية قوية تجاه المقاومة، ويكنون الاحترام للراحل شاه مسعود فقط، بل في حديثه للصحافيين وصف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، سعيد خطيب زاده أعضاء جبهة المقاومة الوطنية الذين قتلوا بأنهم «شهداء»، مدينًا هجمات جماعة طالبان وحصارها لبنجشير.

كذلك شنت وسائل الإعلام الإيرانية خاصة الإصلاحية منها حملة ضد جماعة طالبان بعد معارك بنجشير، فعلى سبيل المثال لا الحصر كتبت صحيفة «آرمان ملي» في افتتاحية يوم 7 سبتمبر (أيلول) الحالي: «لقد جرى خداعكم أيها السادة»، منتقدة الأصوليين الإيرانيين الذين رحبوا بطالبان، ولم ينتقدوا ما فعلته في الأهالي المحاصرين في وادي بنجشير.

وأخيرا.. هل يتغير موقف طهران تجاه طالبان؟

بعد أن قامت جماعة طالبان بتشكيل الحكومة الجديدة الخاصة بها، التي غاب عنها كافة الأطياف، والأعراق، والأقليات الأفغانية، وبعد ما حدث في بنجشير، واستمرار حصار مقاتلي طالبان للوادي، وقطع الإمدادات عن الاهالى هناك، بذات النبرة الإيرانية المتصالحة مع طالبان في التغيير قليلًا.

فقد صرح سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، الجنرال علي شمخاني، الذي كان من أول المرحبين بالانسحاب الأمريكي وانتصار طالبان: «تجاهل الحاجة إلى حكومة شاملة، التدخل الأجنبي، واستخدام الوسائل العسكرية، بدلًا من الحوار لتلبية مطالب الجماعات العرقية والمجموعات الاجتماعية، هو الشغل الشاغل لأصدقاء أفغانستان».

كما تبنى وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبداللهيان موقف الجنرال شمخاني نفسه، رافضًا الاستحواذ على السلطة من قبل طالبان بالتدخل الأجنبي، في إشارة ضمنية إلى تلاقي طالبان المساعدة العسكرية الباكستانية في معركتها ببنجشير.

التطورات الأخيرة في أفغانستان، وإصرار طالبان على تشكيل حكومة قاصرة على أعضاء الجماعة فقط، بالرغم من إلحاح الجمهورية الإسلامية لتشكيل حكومة متعددة الأعراق والأطياف، دفع المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني بإجراء اجتماع طارئ، صباح يوم 12 سبتمبر 2021، يقول مصدر مقرب من المجلس الأعلى للامن القومي، لـ«ساسة بوست»، شريطة عدم الكشف عن هويته «المسؤولون الإيرانيون قلقون للغاية من التطورات في أفغانستان، وبوادر عدم الثقة في طالبان بدأت في الظهور بينهما، اجتمع القادة الأمنيون لبحث سبل التوسط بين طالبان والمقاومة في بنجشير، وأيضًا للاجتماع بقادة طالبان لمناقشة أمر الحكومة بالتدخل الباكستاني».

وبحسب المصدر المقرب من المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، فإن الخيار العسكري غير مطروح الآن، فيقول «بحث القادة الأمنيون الإيرانيون كافة الخيارات بما فيها الخيار العسكري، نعم إنه غير مطروح في الوقت الحالي، لكنه قيد البحث أيضًا».

طوال السنوات والأشهر القليلة الماضية، حاولت الجمهورية الإسلامية اتخاذ موقف حذر تجاه التطورات في أفغانستان، ودرست جميع الاحتمالات للحصول على ضمانات أمنية من قادة طالبان، لعدم التأثير على الأمن القومي الإيراني، وحتى مع تغيير نبرتها تجاه طالبان في الأيام الأخيرة، فإنها مازالت تحافظ على عدم العداء مع الجماعة، وتتجنب أي تورط مسلح لأنها تدرك تمامًا العواقب السلبية المحتملة لهذا التحول.

يقول فدا حسين مالكي، السفير الإيراني السابق لدى أفغانستان، «لا أحد يريد الحرب، ولا أحد يريد التورط في نزاع مسلح، لكن دائمًا أكررها: لا يمكن الوثوق في طالبان، وأعلم أن القيادة الإيرانية لا تثق في طالبان».

المصادر

تحميل المزيد