في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة الإيرانية للترويج بشأن الأغراض السلمية لبرنامجها النووي الذي يخضع لمفاوضات لا تنتهي مع القوى الغربية, وتأكيدها المتواصل على أن نشاطاتها النووية في مفاعل نطنز لا تتعدى تصنيع الوقود لمحطة بوشهر للطاقة في البلاد, ينتاب العديد من القادة الغربيين الكثير من القلق إزاء ما يحدث في نطنز، واحتمالية أن تكون النشاطات النووية به مقدمة لامتلاك مشروع للأسلحة النووية في إيران. ويمتد هذا القلق ليشمل بعض السياسيين الأكثر تطرفًا في إسرائيل خاصة في ظل المخاوف من أن تتحول التهديدات اللفظية, التي شنها الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد بحق إسرائيل في الوجود, إلى تهديدات نووية, وهو ما يدفعهم نحو المطالبة بتدمير المواقع النووية في طهران.

وكانت صحيفة الإندبندنت البريطانية قد رصدت في مقال لها بعض المحاولات الأمريكية والإسرائيلية السابقة لاستهداف المحطات النووية في إيران. ففي عام 2010, تم استهداف مفاعل نطنز بفيروس “ستكسنت” على الأرجح من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل بهدف تعطيل العديد من أجهزة الطرد المركزية في المفاعل, الذي يعد أحد أكبر المفاعلات النووية في إيران, والذي يحتوي على قرابة ستة عشر ألفًا من أجهزة الطرد المركزي. هذا بالإضافة إلى إسقاط الحرس الثوري الإيراني لطائرة إسرائيلية بدون طيار قبل شهرين فقط بالقرب من مفاعل نطنز.

وأضافت الإندبندنت بأنه وبعد سنوات من فرض القوى الغربية لعقوبات اقتصادية بحق طهران لكبح طموحاتها النووية, تقترب المحادثات بين إيران وممثلي مجموعة 5+1, التي تضم الدول الخمسة الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وهي: الولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا، وروسيا، والصين، بالإضافة إلى ألمانيا, تقترب من نهايتها في ظل مواقف متباينة لطرفي التفاوض. فمن جانبها, تسعى إيران إلى الحصول على موافقة القوى الغربية على امتلاكها للآلاف من أجهزة الطرد المركزي في مفاعل نطنز وغيره من المفاعلات التي تمكنها من إنتاج اليورانيوم المخصب الذي يمكن استخدامه للحصول على الوقود النووي. على الجانب الآخر, تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى تحجيم قدرة إيران في امتلاك أجهزة الطرد المركزي إلى القدر الذي تظل فيه عاجزة عن إنتاج اليورانيوم المخصب اللازم لصناعة السلاح النووي. وكانت ويندي شيرمان, وكيلة وزارة الخارجية الأمريكية للشئون السياسية, قد أكدت في تصريحات لها على ضرورة أن تحظى بنود الاتفاق بقبول كافة الأطراف سواء الإيرانية أو الغربية.

ومع اقتراب الموعد النهائي لتوقيع اتفاق بين الجانبين في الرابع والعشرين من شهر نوفمبر الجاري, فإن الإيرانيين يأملون في التوصل إلى صفقة مع الغرب تسمح لهم بالبدء في إعادة بناء الاقتصاد الإيراني خاصة بعد حالة العزلة التي ما زالوا يعانون منها جراء العقوبات الاقتصادية.

ونقلت الإندبندنت عن أحد العاملين في مجال السياحة في إيران قوله بأن الحكومة في طهران لا تنتهج نهجًا خاطئًا فيما يتعلق ببرنامجها النووي. وتابع قائلاً: “إننا لسنا بحاجة إلى الأسلحة النووية, كما أن مساحة إيران الشاسعة والتي تمتد لأكثر من مليون كيلو متر مربع تحول دون أن تتعرض للغزو”. وأضاف بأن إيران ليست لديها التكنولوجيا الجيدة الكافية التي تمكنها من صناعة القنبلة النووية, وأن حاجة البلاد فقط تكمن في الطاقة اللازمة لمستقبل البلاد.

وحول ما إذا كانت إيران تمتلك مواد نووية غير معلن عنها, نقلت صحيفة الإندبندنت عن مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية المعنيين بمراقبة الأنشطة النووية في مفاعل نطنز وغيره من المواقع النووية في الجمهورية الإسلامية, نقلت عنهم قولهم بأنهم ليسوا في وضع يمكنهم من تقديم ضمانات موثوقة تنفي وجود أية مواد نووية غير معلن عنها في إيران.

وبحسب ما ذكره الدكتور مايكل أكسورثي, رئيس قسم إيران في وزارة الخارجية البريطانية ومؤلف كتاب “إيران الثورية”, فإن إيران كان يحدوها الرغبة في امتلاك برنامج للسلاح النووي حتى عام 2003, بيد أن الدوافع تبدلت لديها على المدى القصير إلى الترويج على قدرتها على امتلاك القنبلة النووية بدلاً من تصنيعها، وهو ما من شأنه أن يكون عامل ردع لإسرائيل وغيرها من المنافسين.

ونوهت الصحيفة كذلك إلى أن المصالح الإيرانية والغربية المشتركة في الشرق الأوسط والمتعلقة بمواجهة تنظيم داعش السني, وكذا الرغبة المشتركة في تحقيق الاستقرار في العراق وأفغانستان قد تشكل نقاطًا يمكن الاستناد عليها للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني, خاصة مع انتخاب الرئيس الإيراني حسن روحاني باعتباره شخصية معتدلة نسبيًّا من جهة, ولقيادته فريق التفاوض الإيراني من قبل من جهة أخرى.

وكان جاك سترو, وزير الخارجية البريطاني السابق, قد حث في مقال له القوى الغربية على المجازفة بعقد اتفاق مع إيران بشأن برنامجها النووي. وشدد على أن الفشل في التوصل إلى صفقة مع طهران لن يفضي فقط إلى بقاء الوضع الراهن كما هو, بل وسيسهم أيضًا في تعزيز مواقف القوى التي تعارض أي تقارب مع المجتمع الدولي في طهران.

وتابع سترو قائلاً:” كانت المفاوضات مع إيران والتي عقدت في 2005 قد شهدت انهيارًا نظرًا لتصلب مواقف الفريق المتشدد في الإدارة الأمريكية مدفوعًا من الحكومة الإسرائيلية حينها. وفي الوقت الذي كانت فيه إيران تمتلك 200 جهاز طرد مركزي في عام 2005, بلغ عدد ما تمتلكه في عام 2013 19,000 جهاز طرد مركزي بالتزامن مع انتخاب الرئيس روحاني، وذلك بالرغم من تشديد العقوبات عليها”.

وبالرغم من التفاؤل الذي انتاب البعض من تحسن العلاقات البريطانية الإيرانية خاصة في أعقاب الاجتماع الذي عقده دايفيد كاميرون, رئيس الوزراء البريطاني, مع الرئيس الإيراني خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك مؤخرًا, إلا أن مشاعر التفاؤل سرعان ما تحولت إلى مشاعر غضب لدى بعض الإيرانيين إزاء ادعاءات بحق طهران تتعلق بدعم المنظمات الإرهابية كان قد أطلقها كاميرون خلال خطابه في الأمم المتحدة بعد ساعات فقط من لقائه بروحاني. غير أن ذلك لم يحل دون التأكيد على أن العلاقات بين الجانبين شهدت تحسنًا ملحوظًا منذ اقتحام السفارة البريطانية في طهران في عام 2011, ناهيك عن أن المضي قدمًا في تعزيز الثقة بين إيران والقوى الغربية مرهون بدرجة كبيرة بما يمكن أن يتم التوصل إليه بحلول الرابع والعشرين من نوفمبر.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد