«لمدة تزيد على ثلاثة عقود كانت هناك توقعات واسعة الانتشار بأنه يتحتم على الدولة الإيرانية أن تذعن لنوع ما من منطق العولمة، وأن عليها القبول بمقولة أن مصالحها الخاصة تتطلب التسليم الكامل بالهدف الثوري الداعي للاستقلال الاقتصادي». *أواليلي بساران، صاحبة كتاب «الثورة الإسلامية والاقتصاد».

في الاجتماع السنوي للبنك الدولي في واشنطون بالشهر الجاري، التقى وزير الشؤون المالية والاقتصادية الإيراني، «علي طيب نيا»، مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي «كريستين لاغارد»، وفي الواقع كان اللقاء وديًا للغاية، لم يحمل أي ملمح من ملامح التوتر التي شابت العلاقة بين إيران والصندوق، طوال السنوات الطويلة الماضية.

أشادت لاغارد في هذا اللقاء بالنجاحات التي اعتبرت أن إيران قد حققتها في السيطرة على معدل التضخم، وفيما يخص مواجهتها لتداعيات هبوط أسعار النفط.

وعلى هامش نفس الاجتماع بواشنطون، التقى نيا بمساعد رئيس البنك الدولي، «كايل بيترز»، الذي وعد الوزير الإيراني، بإعادة النظر في خارطة الطريق حول التعاون مع إيران بأقصى سرعة، وبداية التخطيط لمنحها تسهيلات مالية، مؤكدًا أن هناك علاقة جديدة متينة في طور التشكل بين إيران وبين البنك، بعد عودة العلاقات بينهما منذ ستة أشهر فقط.

الأهم أن بيترز قد أعلن عن أمله الكبير في إسراع الاتفاق حول التعاون بين إيران والبنك، لينتقل من مجرد المشورة والمساعدات الفنية، ويصل إلى منح إيران قروضًا كبيرة لتنفيذ المشاريع التي تنوي تنفيذها لتطوير بنيتها التحتية. بالطبع تأتي أهمية هذا التصريح لبيترز وخطورته، إذا تذكرنا ما وجهه العديد من المراقبين والمفكرين، خلال النصف الثاني من القرن المنصرم، من اتهامات وانتقادات لتجارب التعاون مع البنك والصندوق الدوليين، ومنهم المفكر الاقتصادي ميشيل تشوسودوفيسكي في كتابه »عولمة الفقر»، حين قال »إن برنامج صندوق النقد الدولي قد يترك البلد في بعض الأحيان فقيرًا كما كان من قبل، لكن مع مديونية أكبر وصفوة حاكمة أكثر ثراءً».

وجدير بالذكر هنا، معرفة أنه لا يملك حق »الفيتو» في صندوق النقد الدولي أحد غير الولايات المتحدة الأمريكية، وأما بخصوص البنك الدولي، فإن قروضه ترتبط بشروط تطبيق سياسات الإصلاح الهيكلي، أو ما يسمى بالتكيف، وهي سياسات تفضي إلى خفض الإنفاق العام، والخصخصة، وتخفيض التعريفة الجمركية التي تحمي الصناعات المحلية، وتتبنى كلتا المؤسستين في الواقع السياسات النيوليبراللية إلى أبعد مدى.

وخلال عام 2016، كان البنك الدولي قد أصدر تقريرًا عن إيران، يمكن الإطلاع على نسخته الإنجليزية من هنا، توقع فيه أن يشهد الاقتصاد الإيراني معدل نمو يصل إلى 4.5% هذا العام، وكان التقرير بالنسبة للبعض بمثابة إشادة من البنك الدولي بالاقتصاد الإيراني، تنبئ عن تحول كبير قد تشهده العلاقة بين الطرفين في الفترة المقبلة.

ويرى الباحث في الشؤون الإيرانية تامر بدوي، الذي تواصلت »ساسة بوست» معه، أن التقرير لم يشد بسياسات الحكومة الإيرانية الاقتصادية بشكل مباشر، وإنما وصف إيران بكونها reform-oriented»»، أي مائلة للإصلاح (سياسات الإصلاح الاقتصادي بحسب تصور البنك الدولي لها)، وأكد بدوي أن تقرير البنك الدولي يرى قدرة إيران على جني ثمار الاتفاق النووي خلال العامين القادمين، في صورة تحسن للنمو الاقتصادي، لكن هذا في نظر البنك لا يزال يعتمد على تحسين مناخ الاستثمار والتجارة، وأنه بحسب ما ورد في التقرير، لا زالت هناك مشاكل في القطاع المصرفي، تتمثل في الفجوة الكبيرة بين نسب الفوائد على الإيداع وعلى الإقراض، وأن هذا يؤثر على جذب الاستثمارات.

على جانب آخر لقى التقرير الأخير لصندوق النقد الدولي عن الاقتصاد الإيراني، قبولًا واسعًا من عديد المسؤولين الإيرانيين، ويرى وزير الشؤون الاقتصادية والمالية الإيراني، علي طيب نيا، أن تقرير الصندوق قد حمل توجهًا إيجابيًا تجاه الاقتصاد الإيراني، وأشاد بنجاح الإجراءات الاقتصادية للحكومة الإيرانية.

وقد صرح طيب نيا، بأنه تاريخيًا، تعتبر إيران من مؤسسي البنك الدولي، لذا فهو يتوقع »التزام البنك الدولي بتعهداته إزاء طهران، ليس على صعيد الإسراع في مجال التعاون الجديد فقط، وإنما في مجال التعويض عن الخسائر الناجمة عن قطع العلاقات على مدى الأعوام الماضية».

وعلى الجانب الآخر، وبالتزامن مع اجتماع واشنطون، كان قد أُعلن عن أن الصادرات الألمانية إلى إيران قد زادت في النصف الأول من العام 2016 بنسبة 15%، ووصلت إلى 1.13 مليار يورو.

كما أن وزير الاقتصاد الألماني، سيجمار جابريال قد صرح بوضوح سابقًا في يوليو (تموز) من عام 2015، وقال إن الاقتصاد الألماني يمكنه أن يشارك بقوة في تحديث إيران، وأن من مصلحة بلاده دعم سياسة الحكومة الإيرانية، وتدعيم سياسة الانفتاح التي بدأت في انتهاجها طهران.

وقد بدأ رواد قطاع الأعمال في ألمانيا، وهي الدولة الغربية الأكبر تأثيرًا في الاتحاد الأوروبي، والتي تسعى دائمًا لأسواق جديدة لتصريف بضائعها، في الحديث عن وجود فرص مربحة للغاية في إيران، متمثلة في تلبية التطلعات الإيرانية لتحديث البنية الصناعية، بالأخص في قطاع النفط، وقد سال لعاب العديد من الشركات الألمانية المتخصصة في الهندسة، والكيميائيات، وقطع السيارات، والأدوية، والسكك الحديدية، منذ ذلك الحين، من أجل إبرام العقود مع إيران، التي تظهر بمظهر المستعدة للانفتاح على العالم وعلى الاقتصاد العالمي.

وكان رئيس غرفتي التجارة والصناعة بألمانيا، إيرك شفيتزر، قد صرح في أكتوبر (تشرين الأول) بأن إيران دولة مهمة للغاية بالنسبة للاقتصاد الألماني، وبأن السوق الإيراني هو سوق مستقبلي ذو إمكانيات كبيرة، وأعرب الرجل صراحًة عن أن هدف الاقتصاد الألماني، هو مضاعفة حجم الصادرات السنوية إلى إيران خلال الثلاثة أعوام القادمة، التي يبلغ حجمها الآن مليارين ونصف المليار يورو، متوقعًا أن يصل حجم تلك الصادرات إلى إيران، خلال الخمسة أعوام المقبلة، ما يناهز عشرة مليارات يورو.

على جانب آخر، كانت السويد هي الأخرى، التي تحاول لعب دور الوساطة بين إيران ومنظمات إقتصادية دولية أخرى، قد صرحت بأنها تعمل حاليًا على تجهيز مكتب تجاري لها بطهران، وأنها تعمل بجد على تمتين علاقتها بإيران، التي كانت أكبر شريك تجاري لها في الماضي، بأقصى سرعة.

الاقتصاد المقاوم

«ينبغي لإيران أن تصفي خلافاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا؛ من أجل فتح الباب أمام منافسة بناءة من كافة البلدان على الاستثمار الموجه للداخل، وخاصًة في صناعات النفط والغاز، التي تعد قاطرة البلاد للنمو» *المفكر الاقتصادي الإيراني الليبرالي نصري غُربان.

في أعقاب مقابلاته مع ممثلي المؤسسات الاقتصادية الدولية، أكد طيب نيا، أن بلاده قد شرعت في الإصلاحات الهيكلية والأساسية، التي ترحب بها تلك المؤسسات، لكن هذا يتم في إطار سياسات الاقتصاد المقاوم، باعتبارها خارطة طريق الاقتصاد الإيراني.

ربما ستندهش عزيزي القارئ؛ إذا عرفت أن المشروبات الغازية الأمريكية الشهيرة حول العام، محظورة في إيران منذ تسعينات القرن الماضي، ولم تعد الولايات المتحدة للموافقة على تصدير هذه المشروبات لها، إلا مع بداية اتخاذ إيران للخطوات الانفتاحية على العالم، التي اتخذتها في العامين الماضيين.

في الواقع اقتصاد المقاومة، هو الشعار الذي رفعته إيران لمواجهة ما تسميه »الهيمنة الأمريكية»، عبر فرض حظر على استيراد البضائع والسلع الأمريكية؛ وهو ما يعني الكفاح من أجل تعزيز الإنتاج القومي وتطويره، والاستغناء عن سلع الدول المعادية.

يرتكز اقتصاد المقاومة الإيراني في فلسفته، على الاعتماد على الذات والقدرات المحلية، بدلًا من الاعتماد على الموارد الخارجية، وتأمين المواد الأساسية والاستراتيجية، وتقليص تبعية الاقتصاد للنفط، والارتباط بالاقتصاد الدولي، دون التبعية له، بحيث تكون بنية الاقتصاد قادرة على تحمل الهزات العنيفة، الناتجة عن التمسك وعدم التفريط في الأسس الفلسفية والدينية للجمهورية.

وقد حذر المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، مع رفع العقوبات الغربية المفروضة على طهران، من الواردات الجامحة، والاستهلاكية المفرطة.

على الجانب الآخر فإن حكومة روجاني تشجع للغاية في تصريحاتها وخطواتها على الاستثمار الأجنبي في بلادها، بالأخص في قطاعات النفط والغاز والبنية التحتية والبتروكيماويات، وتشجع الاعتماد على فلسفة السوق الحر، وفتح باب المنافسة بين القطاع الخاص والحكومي، والشركات الأجنبية أيضًا.

هل نقول وداعًا لاقتصاد المقاومة؟

على خلفية التطورات الحالية، يقول الباحث المتخصص في الشؤون الإيرانية «تامر بدوي»، لـ»ساسة بوست» »أعتقد أنه سيتم المزج بين سياسات الانفتاح الاقتصادي، وسياسات الاقتصاد المقاوم، وستكون هناك نقطة توازن ما بين الطرفين، وسياساتهم سيضمنها المرشد الأعلى للثورة الإسلامية. المرشد متحكم في كل شيء، لكنه لا يتحكم في كل شيء بنفس الوقت. المرشد وفريقه مؤمنون بالقتصاد المقاوم، لكن مع هامش من اللبرلة الاقتصادية، يستطيع أن يعطي دفعة للاقتصاد الإيراني، وهناك في نفس الوقت تيار روحاني، الذي يضغط من ناحيته للمزيد من التحرير الاقتصادي. وما بين ذلك وذاك، تلعب جماعات الضغط أدوارها».

عرض التعليقات
تحميل المزيد