«سياستنا محسوبة وواضحة تجاه واشنطن، لن تتغير بناء على من يدخل أو يغادر البيت الأبيض»، بهذه الكلمات كسر الزعيم الأعلى الإيراني، آية الله خامنئي، صمته طوال الاشهر القليلة الماضية بشأن الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2020.

وفي كلمته المتلفزة بمناسبة ذكرى الاستيلاء على السفارة الأمريكية بطهران عام 1979، وما تلاها من أزمة الرهائن الأمريكيين لمدة 444 يومًا، والتي انتهت بقطع كل العلاقات بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، قال خامنئي: «تحدث بعض الناس في إيران أنه إذا تم انتخاب هذا أو ذاك، نعم قد تحدث أحداث معينة، لكنها لا تهمنا».

الموقف الرسمي الإيراني.. لا مبال

التقط الرئيس الإيراني حسن روحاني تصريحات الزعيم الأعلى، ودار في مداره، قائلًا يوم الأربعاء الماضي، في اجتماع مع وزرائه «من ستنتخبه أمريكا ليكون رئيسها، لا يهم طهران».

اختار روحاني نفس الحديث اللامبالي الذي غطى أغلب التصريحات الرسمية الإيرانية، ولطالما أكد القادة الإيرانيون على أن اختيار الرئيس الأمريكي المقبل شأن سياسي داخلي أمريكي.

يقول النائب البرلماني الأصولي على خضريان، في حديث خاص لـ«ساسة بوست»: «نعم، لا يهمنا من سيكون رئيس أمريكا، سواء كان ترامب أو بايدن، فالأمر واحد، لدينا إستراتيجيتنا الخاصة والمدروسة بعناية للتعامل مع الولايات المتحدة بغض النظر عمن سيفوز».

لم يكتف الحرس الثوري الإيراني بإظهار عدم اهتمامه بالانتخابات الأمريكية وفقط، بل دعا الشعب الإيراني لعدم الاكتراث بها أيضًا، وأصدر بيانًا يوم الأربعاء الماضي جاء فيه «أن الولايات المتحدة تحمل العداء تجاه إيران منذ أكثر من 60 عامًا»، في إشارة إلى الانقلاب المدعوم من الولايات المتحدة في 1953 على محمد مصدق، رئيس الوزراء الإيراني الذي عمل على تأميم النفط الإيراني ما دفع بريطانيا والولايات المتحدة للعمل للانقلاب عليه، ويتابع البيان: «وما إذا كان الرئيس ديموقراطيًا أو جمهوريًا، لن يكن هناك تغيير في الغطرسة والعدائية الأمريكية».

وتناول البيان أيضًا اهتمام البعض داخل إيران بالانتخابات، وتمني الكثيرين فوز بايدن لحل مشكلات إيران الداخلية، وأكد البيان على أن القضايا الداخلية لن يحلها سوى الإيرانيين أنفسهم.

على الصعيد الشعبي.. الإيرانيون مهتمون بالانتخابات الأمريكية

وبالرغم من التأكيد الرسمي من السلطات الإيرانية على تجاهلها للانتخابات الأمريكية، إلا أن للشعب الإيراني رأيًا آخر.

لا يمكن تجاهل أن التطورات في السياسية الداخلية والخارجية للولايات المتحدة تهم الشعب الإيراني والنظام أيضًا، ولكن لهذه الانتخابات أهمية خاصة للرأي العام في إيران.

فمن خلال نظرة سريعة على مواقع التواصل الاجتماعي الناطقة باللغة الفارسية، ستجد أن الإيرانيين يتابعون الانتخابات الأمريكية منذ البداية، وتدور نقاشات حامية على مجموعات في تطبيق «تيليجرام» وعلى منصة «تويتر».

Embed from Getty Images

مواطن إيراني يتابع أخبار الانتخابات، من طهران العاصمة الإيرانية

ووفقًا لاستطلاع رأي أجرته وكالة استطلاعات الطلبة الإيرانية، وهي مؤسسة مختصة بهذا الأمر، فإن ثلاثة أرباع الإيرانيين (أي 75%) يتابعون أخبار الانتخابات الرئاسية الأمريكية عن كثب.

وفي استطلاع رأي آخر أجرته نفس المؤسسة، فإن 46.1٪ من الإيرانيين، على الرغم من متابعتهم للانتخابات فإنهم لا يبدون اهتمامًا بنتيجة الانتخابات، ومن سيفوز فيها.

ومن اهتمام الإيرانيين بالانتخابات الأمريكية تابعوا الجدل الحاصل في أمريكا حول والتضارب في أخبار النتائج الأولية للانتخابات، وأخذوا يقارنون بين انتخابات أمريكا والانتخابات في إيران.

تقول فرشته حسيني، صحافية إيرانية، تعمل بإحدى وكالات الأخبار بطهران، في محادثة مع «ساسة بوست»: «من السهل ملاحظة اهتمام الشباب الإيراني بالانتخابات الأمريكية، ومن أمنيات قطاع كبير منهم فوز جو بايدن، مؤملين أربع سنوات أقل حدة من السابقة» في ظل رئاسة ترامب وملاسناته المستمرة لإيران وتنفيذ إدارته لحملة ضغط قصوى على الاقتصاد الإيراني.

ترى فرشته، وهي صحافية مختصة بالشؤون السياسية، أنه في حال فوز بايدن بالرئاسة فهذا لا يعني أن الحياة ستصبح وردية في إيران، وتقول: «بايدن بالتاكيد أفضل من ترامب، وأنا شخصيًا أتمنى فوزه، لكن هناك العديد من التعقيدات في مستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية، المسؤول عنها ترامب، وأعتقد أن بايدن لن يتمكن من حلها بسهولة».

تغطية مكثفة من الصحافة الإيرانية

أولت وسائل الإعلام الإيرانية اهتمامًا كبيرًا للانتخابات الأمريكية، وتصدّرت قصصه صفحات الإعلام الإيراني منذ شهور.

وعلى سبيل المثال، تخصص وكالة أنباء «تسنيم»، المحسوبة على الحرس الثوري الإيراني، صفحة منفصلة على موقعها الإلكتروني لمتابعة فرز الأصوات، والنتائج الأولية للانتخابات الأمريكية، وركزت أيضًا على الخلاف بين المرشحين بشأن أعداد التصويت، بلهجة شامتة أحيانًا.

أما صحيفة «كيهان» الأصولية، المحسوبة على مكتب مرشد الجمهورية آية الله علي خامنئي، فاختارت تصريحات خامنئي في عنوانها الرئيس: «الوضع في أمريكا مذهل». كتعبير عن حالة التخبط في إعلان النتائج الأولية للانتخابات الأمريكية، وإعلان كلا المرشحين فوزهما بالانتخابات.

جريدة كيهان الإيرانية - الانتخابات الأمريكية

الصفحة الأولى من جريدة كيهان، مع تصريح المرشد الأعلى لإيران: الوضع في أمريكا مذهل

تذكر الصحيفة في مقالتها الافتتاحية أن المرشحين الأمريكيين يستخدمان إيران لكسب أصوات الأمريكيين، وأكدت على أن المشاكل الداخلية في إيران غير مرهونة بالانتخابات الرئاسية، وهذا ما أكد عليه أيضا آية الله علي خامنئي في خطابه المتلفز.

وانتقدت الصحيفة الأصولية «خراسان» انتقادًا حادًا الانتخابات الأمريكية، واصفة إياها بـ«الفضيحة الانتخابية»، في تحليل لمشهد ما بعد إعلان النتائج واحتمالية لجوء مؤيدي ترامب إلى استخدام العنف إذا يُنتخب مرة ثانية.

وبشكل عام اهتمت وسائل الإعلام الإيرانية الأصولية بالخلافات الحالية المثارة حول الانتخابات الأمريكية، وتوقعت مزيدًا من العنف بعد إعلان النتائج النهائية، وفي نفس الوقت، اتخذت مسار التأكيد على أن سياسة الجمهورية الإسلامية في إيران واضحة، ولن تتغير بتغير صاحب البيت الأبيض الجديد.

وأما وسائل الإعلام المحسوبة على التيار الإصلاحي فاتخذت مسارًا ثانيًا في تغطيتها للانتخابات، مركزةً على تصريحات الرئيس حسن روحاني الذي ترك الباب مفتوحًا قليلًا بشأن إعادة التفاوض مع الولايات المتحدة، عندما قال: «بغض النظر عمن سيفوز في الانتخابات الأمريكية، فإننا نريد الاحترام، ورفع العقوبات، وعودة الولايات المتحدة إلى الاتفاقيات الدولية متعددة الأطراف».

جريدة خراسان الإيرانية - الانتخابات الأمريكية

صحيفة خراسان الأصولية الإيرانية، وافتتاحيتها بعنوان: فضيحة انتخابية

ولم تخف الصحف الإصلاحية ترحيبها بفوز المرشح الديمقراطي جو بايدن، فقد لوحت صحيفة «آرمان ملي»، إلى انخفاض الأسعار المحتمل مع فوز بايدن، وارتفاعها في حالة إعادة انتخاب دونالد ترامب، بينما أكدت صحيفة «ابتكار»، على تصريحات الرئيس روحاني، بأن الذى يهم طهران هو أسلوب الإدارة الأمريكية، وليس الأشخاص.

أيًا كانت التوجهات بين وسائل الإعلام المختلفة داخل إيران، فقد أظهر الجميع اهتمامًا واسعًا بهذه الانتخابات أكثر من سابقاتها.

وبعيدًا عن هذا النقاش، السؤال الهام الآن ماذا سيكون شكل العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران؟ وأي مستقبل للاتفاق النووي الذي يقف اليوم على حافة الهاوية؟

«لا للمفاوضات مع ترامب» وربما نفاوض بايدن

في الأيام القليلة الماضية، ووسط تجمع لمؤيديه في فلوريدا قال الرئيس الأمريكي ترامب «أن إيران ستكون أول دولة تتصل به بعد إعادة انتخابه؛ لأن الإيرانيين يتشوقون لصفقة جديدة». في إشارة إلى عدم قدرتهم على تحمل الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد.

وكما أشار ترامب مرارًا وتكرارًا، إلى أنه قادر على عقد صفقة جديدة مع إيران بعد إعادة انتخابه في غضون أربعة أسابيع فقط، ولكن هذه التصريحات تعكس خلفية ترامب البعيدة عن السياسة الخارجية والشؤون الدبلوماسية لا أكثر، فالاتفاق النووي الذي انسحب منه بـ«جرة قلم»، كان نتاج 13 عامًا من المفاوضات الدبلوماسية بني إيران والقوى الدولية المختلفة بما فيها أمريكا.

وفي ذلك المسار تنازلت طهران عن الكثير من طموحاتها النووية لإبرام الاتفاق، كما أنها حافظت على التزامها بكافة بنوده حتى العام الماضي، وبشهادة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وطوال العاميين الماضيين، طلب الرئيس دونالد ترامب من القادة الإيرانيين التفاوض وأرسل لهم رقم مكتبه بالبيت الأبيض ليتحدثوا معه، لكن رفضت إيران التفاوض في كل مرة دون تنفيذ شروطها المسبقة بعودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي أولًا، ورفع العقوبات المفروضة على إيران.

وبالطبع لا يمكن تجاهل أثر العقوبات المفروضة على غيران، فمثلًا انكمش اقتصادها في 2020 بنسبة 7% عمّا كان عليه في 2019، وانخفضت قيمة عملتها المحلية، وفقدت 70٪ من قيمتها أمام الدولار الأمريكي، ففي عام 2017 كان الدولار الأمريكي الواحد يساوي 4 آلاف تومان، وبعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي في عام 2018، أصبح يساوي 30 ألف تومان، وأحيانًا وصل إلى 60 ألف تومان.

يري السياسي الإيراني الأصولي البارز، علي أكبر رائفي بور، في حديثه لـ«ساسة بوست»، أن المفاوضات مع إدارة ترامب إذا تم اعادة انتخابه غير واردة بالنسبة للمرشد الأعلى للجمهورية، ويقول: «ترامب شخص لا يحترم القانون، ولا يلتزم بالاتفاقيات التي شاركت بها بلاده، حاول جر إيران إلى المواجهة العسكرية المباشرة أكثر من مرة، فكيف لنا أن نتفاوض معه ونثق به».

التزم المرشد طوال السنوات الأربع الماضية التي قضاها ترامب في الرئاسة بسياسة: «لا للحرب، لا للتفاوض»، لكن هل سيتغير الأمر إذا فاز بايدن برئاسة الولايات المتحدة؟

يجيب السيد رائفي بور: «لا نؤمن كثيرًا بقدرة بايدن على حل أزمة الثقة بينه وبين بلاده، المؤسسة السياسية الإيرانية ترى أنها قدمت حزمة من التنازلات في عام 2015 – في إشارة إلى الاتفاق النووي – ولا يمكن تقديم المزيد، والرجل يريد العودة المشروطة إلى الصفقة النووية، ونحن لا نوافق».

لكن هناك من يرى أن هناك فرصة للتفاوض بين الولايات المتحدة وإيران في حال فاز بايدن، الذي أعلن أنه على أتم استعداد للعودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، إذا عادت طهران إلى الامتثال الكامل، لكنه أكد على أن العودة الأمريكية ستكون بمثابة «انطلاقة لمحادثات جديدة».

في هذا الصدد، يقول عباس عبدي، السياسي الإيراني الإصلاحي لـ«ساسة بوست» أن «التفاوض مع بايدن سيكون أسهل بكثير، على الأقل الرجل لم يشارك في الحرب الاقتصادية ضد إيران، ولم يشارك في قتل الجنرال قاسم سليماني، وهذان سببان لحماية كرامة القادة الإيرانيين، وهذه نقطة هامة في أمر قبول فكرة المفاوضات».

تفاؤل جواد ظريف وأمنيات روحاني

في مقابلة مع وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، قال إنه لا مجال للمفاوضات مع الولايات المتحدة وخاصة إدارة ترامب إذا أعيد انتخابه، يبدو هذا الكلام متشائمًا بصدور عن كبير دبلوماسيي إيران، الذي خاض معركة طويلة من المفاوضات مع الولايات المتحدة وقوى أخرى قبل التوصل للاتفاق النووي عام 2015.

ولكن في نفس الوقت، أظهر بعض التفاؤل في حالة فوز المرشح الديمقراطي بايدن، قائلًا: إن تصريحاته واعدة بشأن إيران، خاصة وأنهم على معرفة ببعضهم البعض، إذ كان بايدن نائبًا للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما.

ومقابل التفاؤل المتواضع لوزير الخارجية الإيراني، فلدى الرئيس الإيراني حسن روحاني أمنيات يريد تحقيقها قبل انتهاء فترة ولايته الثانية، فهو على دراية بالمشاكل المالية الكبيرة للبلاد، ويريد أي نافذة أمل لإنهاء هذا الوضع الاقتصادي المأساوي الذي لم يتوقعه عند توليه رئاسة البلاد عام 2013.

Embed from Getty Images

الرئيس الإيراني حسن روحاني (يمين)، ووزير خارجيته جواد ظريف

مصدر قريب من دائرة الرئيس حسن روحاني، تحدّث مع «ساسة بوست» مفضلًا عدم الكشف عن هويته، وقال: «يريد روحاني فتح طريق للتواصل مع الولايات المتحدة، قبل الانتخابات الرئاسية الإيرانية، فقد ألمح لآية الله علي خامنئي بهذا الأمر مرارًا وتكرارًا، لكن الوقت ليس في صالحه».

ويحاول التيار الأصولي سد كل الطرق أمام روحاني الذي لم يخف رغبته في التفاوض مرة ثانية مع الولايات المتحدة، فقد بدأ البرلمان الإيراني الحادي عشر، والذي يسيطر عليه المحافظون، في العمل على تشريع يلزم الحكومة برفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 20٪، وهو ما يتجاوز عتبة 3.63٪ المنصوص عليها في خطة العمل الشاملة المشتركة.

وفي حديثه لـ«ساسة بوست»، يقول المتحدث باسم لجنة الأمن والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، أبو الفضل عموئي، «حتى لو فاز بايدن، وحتى لو عاد إلى الاتفاق النووي مرة أخرى، فستكون شروطنا أصعب من ذي قبل، ولا تنازل عن تخصيب اليورانيوم بالقدر الذى تراه طهران مناسبًا لها».

لجأ المحافظون إلى هذا التشريع لأنه من المتوقع أن تعرض إدارة بايدن المزيد من القيود على أنشطة إيران النووية أكثر مما تتطلبه الصفقة الاصلية، ومن ناحية أخرى إذا اعيد انتخاب ترامب من المرجح أن تقدم إدارته القليل من الحوافز والكثير من الضغوط على إيران لتقديم تنازلات تتخطى المنصوص عليها في الاتفاق النووي الأصلي.

يقول السيد عموئي «نعلم نوايا كلا المرشحين، لا مزيد من التنازلات النووية، قدم روحاني وظريف الكثير والكثير من التنازلات ولم نصل إلى مكسب في النهاية».

اغتيال سليماني.. الإيرانيون في صف واحد

لإيران نظام سياسي شديد التعقيد، وبداخله معسكرات سياسية ومؤسسات مختلفة، تحاول كل منها التأثير على شكل السياسة الخارجية الإيرانية وعلى تعريف ما المصلحة الوطنية لإيران، والافتراض بأن المرشد الإيراني خامنئي هو صانع القرار الوحيد في الجمهورية؛ لأن الكلمة العليا في النظام السياسي له افتراضٌ بعيد عن الدقة.

وبعد اغتيال الولايات المتحدة للجنرال قاسم سليماني، قائد قوة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني في مطلع 2020، بضربة من طائرة بدون طيار بالقرب من مطار بغداد الدولي، شهدت الساحة السياسية الداخلية في إيران اتحادًا لم يسبق له مثيل منذ ما يقارب الأربعين عامًا.

كان الحرس الثوري الإيراني، دائمًا ما يرى أن السياسيين الإصلاحيين والدبلوماسيين قدموا التنازلات للولايات المتحدة من أجل الحصول على مزايا الاتفاق النووي، لكن بعد اغتيال قاسم سليماني، وإطلاق الولايات المتحدة لحزمة عقوبات لا إنسانية عرقلت حرب إيران مع وباء «كوفيد-19»، وجدت الأطياف السياسية المختلفة في إيران، أن توحيد جهود الساسة والدبلوماسيين بالاعتماد على قوة الحرس الثوري، من الممكن أن تساعدهم في مقاومة ما وصفه الرئيس الإيراني بالحرب الاقتصادية التي تشنها الولايات المتحدة على البلاد.

ولذا نجد وزير الخارجية ظريف الذي كان متمسكًا بالمفاوضات والدبلوماسية لآخر لحظة، يطالب الولايات المتحدة بتعويضات مالية على أثر ما تسببت به العقوبات الأمريكية، رافضًا التفاوض مع إدارة ترامب بشكل قاطع.

هذه الوحدة، وهذا التناغم إلى حد ما، سيجعل من الصعب على بايدن أو ترامب، إغراء الجمهورية الإسلامية للقدوم لطاولة المفاوضات للحصول على امتيازات قليلة مقابل المخاطرة باستقرار أمنها الداخلي واقتصادها مرة ثانية.

إسرائيل على باب إيران

في حملته أشار جو بايدن إلى ضرورة تغيير سلوك إيران الإقليمي، والحد من التوترات التي تسببت بها في المنطقة، وأنه سيعمل مع حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين لمناقشة هذا الأمر، وأنه يسعى للوصول لحل بشأن البرنامج الصاروخي الإيراني.

كل هذه الأمور لا تعني شيئًا للمسؤولين الإيرانيين، فبين ليل وضحاها وجدت طهران إسرائيل عدوها اللدود على حدودها الجنوبية بفضل اتفاقيات التطبيع بين الإمارات العربية المتحدة والبحرين مع إسرائيل، والحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة يرحب بهذا التطبيع بالطبع؛ ما يعني دعم بايدن أيضًا لإسرائيل في هذه الاتفاقيات.

لذا سيكون من الصعوبة بمكان إقناع طهران بالتنازل عن وكلائها في المنطقة، أو برنامجها الصاروخي، بل إنها تسعى لتوسيع تحالفاتها الإقليمية لمواجهة خطر إسرائيل.

يرى السيد رائفي بور، أن عمليات التطبيع العربية مع إسرائيل، ستكون نقطة فاصلة وهامة في مستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية، بغض النظر عمن سيفوز في الانتخابات الرئاسية، فيقول لـ«ساسة بوست»: «إسرائيل تحاول الحصول على موطئ قدم في العمق الإستراتيجي لإيران، بجانب أن المملكة العربية السعودية لديها تطلعات نووية وصاروخية آخذة في النمو، وفي حال فوز ترامب أو بايدن، فإن هذه المساعي ستسمر، وهذه عوامل مهمة في التعامل الإيراني مع الولايات المتحدة».

إيران وخصوم أمريكا: موسكو وبكين

لعلاقة إيران بخصوم أمريكا مثل روسيا والصين أهمية وأثر على العلاقات الأمريكية الإيرانية؛ إذ تعمل طهران منذ فترة على تقوية روابطها الاقتصادية والأمنية مع موسكو وبكين.

فهناك اتفاقية بين إيران والصين لمدة 25 عامًا، لم توقع بعد، ولكن في حال تمّت ستضخ الاستثمارات الصينية الدماء في عروق الاقتصاد الإيراني المنهار.

من جانب آخر تمسك طهران ببطاقة التعامل مع الصين وموسكو للمستقبل في حال فاز ترامب، وستسرع طهران في توقيع اتفاقية التعاون الشامل مع الصين حينها، وستعمل على إتمام صفقات السلاح المفترضة مع روسيا.

Embed from Getty Images
الرئيس الإيراني حسن روحاني (يمين) مع نظيره الصيني شي جين بينج 

أما إذا تم انتخاب بايدن، فستكون أيضًا العلاقات الثنائية مع بكين وموسكو بطاقة مثمرة في المفاوضات، بين الإدارة الأمريكية والإيرانية.

تقول الصحافية الإيرانية فرشته حسيني لـ«ساسة بوست»:«بكين وطهران لديهم عداء مع ترامب، إذا أعيد انتخابه ستكون الاتفاقية بينهما رد فعل سريع ضد سياسات ترامب تجاه كلا البلدين»، وتضيف أن إيران «ستخرج من عزلتها الاقتصادية التي فرضتها عليه إستراتيجية الضغط الأقصى لإدارة ترامب، أما إذا فاز بايدن، فالتعاون الإيراني مع روسيا والصين سيكون نقطة قوة في المفاوضات مع واشنطن، لأنها ستتفاوض من منطلق بدون الخوف من الحصار الاقتصادي».

سيناريو قديم.. من جورج بوش الابن إلى باراك أوباما

منذ أن أعلنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979 سياسة معاداة الولايات المتحدة والغرب، وصلت واشنطن وطهران في كثير من الأحيان إلى حافة الحرب، وفي أحيان أخرى هدوء العلاقات.

ولكن مازالت السمة الغالبة على العلاقات الأمريكية الإيرانية هي حالة «لا حرب، لا سلام».

وتذكرنا الانتخابات الرئاسية الأمريكية الحالية، وانعكاسها على السياسية الخارجية الإيرانية، بفترة ولاية الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، عندما أطلق على كلٍ من إيران والعراق وكوريا الشمالية مصطلح «محور الشر»، وساهمت سياساته الخارجية تجاه طهران بصعود الرئيس السابق المتشدد محمود أحمدي نجاد، الذي كان يرى أن توسيع البرنامج النووي الإيراني أحد أهم نقاط قوة الجمهورية الإسلامية في مواجهة الولايات المتحدة والغرب.

دولي

منذ شهرين
طوق نجاة محتمل.. هل يُصلح بايدن ما أفسدته سياسة ترامب مع إيران؟

كانت رئاسة جورج بوش متشابهة إلى حد ما مع السنوات الأربع لدونالد ترامب في البيت الأبيض، فقد فرضت الولايات المتحدة عام 2006 عقوبات اقتصادية صارمة تجاه إيران، حاول المسئولين في إدارة بوش الضغط بتوجيه ضربة عسكرية لإيران؛ مما زاد من التوترات بين البلدين، لكن لم يحدث هذا الأمر في النهاية.

ثم جاءت الانفراجة بانتخاب الرئيس باراك أوباما عام 2008، هذه الانتخابات التي تابعها الإيرانيون عن كثب مثلما يحدث هذه الأيام، فكان أوباما هو الأمل في إنهاء السياسية الخارجية الأمريكية المتشددة تجاه طهران.

لكن حينها كان أحمدي نجاد في الحكم؛ مما تسبب في تصاعد التوتر بين البلدين.

وقبل انتهاء فترة ولاية باراك أوباما الثانية بعامين، صعد لرئاسة إيران الرئيس المعتدل حسن روحاني، والذي بدأ المحادثات السرية مع واشنطن قبل انتخابه بأشهر بواسطة دولة عمان، للتوصل إلى الاتفاق النووي ورفع العقوبات الاقتصادية.

وفي عام 2013 جرت مكالمة هاتفية تاريخية بين أوباما وروحاني الأولى من نوعها في العلاقات بين البلدين، ولتصبح تلك المكالمة هي نقطة الانطلاق لبدء المفاوضات النووية العلنية.

لا يمكن تكرار هذا السيناريو حتى إذا فاز جو بايدن برئاسة الولايات المتحدة، ففي حالة انتخابه، سيتولى إدارة الولايات المتحدة ببداية عام 2021 وستكون إيران على مسافة أشهر قليلة من اختيار رئيس جديد، والذي من المتوقع أن يأتي من داخل المعسكر الأصولي، أو أن يكون عسكريًا، وفي كلتا الحالتين ستكون المفاوضات مع إدارة بايدن وعرةً جدًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد