1,579

عندما خرجت في نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، مظاهرات حاشدة تندد بالأوضاع الاقتصادية المتردية في إيران، كانت أبرز اللافتات المرفوعة، تشير إلى التواجد الإيراني الكبير في الخارج، بينما تُهمل احتياجات الشعب الإيراني، لكن ما لم يدركه المتظاهرون حينها؛ أن أحد هذه الدول التي تستحوذ على هذا الاهتمام، قد تصبح أحد أبرز الموارد الاقتصادية للبلاد، وطريقًا ممهدًا يمكن من خلاله تجنب آثار العقوبات الاقتصادية التي ستفرضها الولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترة المقبلة.

نتحدث هنا عن العراق؛ التي تقع تحت وطأة الهيمنة الإيرانية بحسب «نيويورك تايمز»، هذه الهيمنة التي لم تقف عند الوضع السياسي والعسكري، وإنما امتدت نحو الوضع الاقتصادي، إذ تعاظمت مؤخرًا الفوائد الاقتصادية التي تجنيها طهران من بغداد، وذلك من خلال معظم القطاعات تقريبًا. الأمر الذي يجعل من العراق وسيلة إيران الناجعة، لتجنب العقوبات الاقتصادية، التي من المتوقع أن يبدأ العمل بها في بداية أغسطس (آب) القادم.

نستعرض خلال هذا التقرير بعض مظاهر هذا التوغل الاقتصادي الإيراني داخل العراق.

النفط.. شراكة تدر المليارات على طهران

في 10 يونيو (حزيران) الماضي، أعلنت شركة النفط الوطنية الإيرانية، أن عائدات طهران من الحقول النفطية المشتركة مع العراق (ما يعرف بغرب نهر كارون)، بلغت خلال العامين الماضيين خمسة مليارات دولار سنويًا، وأفادت وزارة النفط الإيرانية أن الإنتاج من هذه الحقول، بلغ 300 ألف برميل يوميًا، مما يشكل عائدًا سنويًا يقدر بخمس مليارات دولار؛ وهذه الحقول تحوي مخزونًا كبيرًا من النفط الخام الخفيف القريب من سطح الأرض، واحتياطيًا يصل إلى أكثر من 95 مليار برميل.

في حين أن الفائدة التي تعود على إيران لا تقتصر على الخمسة مليار دولار فقط، ولكن هناك اتفاقًا عراقيًّا إيرانيًّا لمبادلة النفط الخام، وهو ما قال عنه وزير النفط العراقي، جبار اللعيبي مؤخرًا، إن العقوبات الأمريكية على إيران لن تؤثر على هذا الاتفاق الذي تم العام الماضي، ويقوم على شحن النفط الخام من حقول كركوك في الشمال إلى إيران، لاستخدامه في مصافيها، على أن تسلم إيران بعد ذلك كمية مماثلة من النفط في مرافئ العراق الجنوبية، وبحسب اللعيبي فإن الخام الذي يجري شحنه لإيران يسدد ثمن الكهرباء، التي يحصل عليها العراق مقايضة للنفط.

أسواق العراق.. احتكار إيراني

بالنظر إلى حجم التجارة بين العراق وإيران منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى العام 2017، نجد أن هناك قفزة كبيرة في التجارة، ففي الوقت الذي بلغ فيه حجم التبادل التجاري بين البلدين عام 1975 نحو 200 مليون دولار، أصبحنا نتحدث الآن عن أرقام قد تصل إلى 20 و25 مليار دولار في السنوات المقبلة، وذلك بحسب رئيس غرفة تجارة طهران يحيى آل إسحاق، ويمكن اعتبار العراق الشريك التجاري الأول لإيران، لكن في نمط غير متكافئ، إذ تميل كفة هذه الشراكة لصالح طهران.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، كشف إبراهيم رضا زاده، المستشار الإيراني التجاري بالعراق، عن أن الصادرات غير النفطية التي تصدرها بلاده للعراق، بلغت قيمتها 6.2 مليار دولار، منها 2.2 مليار دولار في صورة منتجات زراعية ومواد غذائية، مؤكدًا أن صادرات بلادة إلى العراق زادت منذ العام 2005 بمقدار 17 مرة.

المصدر: مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية

وفي الوقت الذي تذهب فيه أكثر من 70% من صادرات إيران إلى الصين والعراق والإمارات العربية المتحدة وأفغانستان والهند وتركيا، يستحوذ السوق العراقي على النسبة الأكبر من المنتجات الإيرانية غير النفطية، علاوة على أن العراق بها أكبر عدد من الوكالات الإيرانية، ويتم تبادل أكبر نسبة سيّاح بينهما، وتمثل المنتجات الإيرانية أيضًا نسبة 90% من إجمالي واردات العراق.

فيما تشير التوقعات إلى أن فرص توسع المنتجات الإيرانية بالسوق العراقية كبير، خاصة في ظل الزيادة المستمرة في واردات العراق، وتعتمد معظم قطاعات الاقتصاد العراقي على الصادرات الإيرانية التي تتنوع بين قطاع الطاقة (غاز طبيعي وكهرباء)، وسلع غير نفطية (سيارات، ومواد غذائية، ومستلزمات منزلية، وأعمال يدوية)، بالإضافة إلى خدمات فنية وهندسية في قطاعات الطاقة، والإسكان، والصحة، والنقل).

تفاديًا للعقوبات.. العراق واجهة إيران للتعامل مع العالم

بحسب تحقيق «نيويورك تايمز» فكل المنتجات الإيرانية تقريبًا تتواجد في السوق العراقي، بدءًا من المواد الغذائية مثل الحليب والزبادي واللحوم والدجاج، وحتى مواد البناء من الأسمنت والطوب، ناهيك عن أن المواد المخدرة التي يتم تهريبها إلى دخل البلاد يتم جلبها على الأرجح من إيران، وفي ظل عودة العقوبات الأمريكية التي من المنتظر أن تفرض على إيران مع مطلع أغسطس القادم، سيكون العراق أبرز المنافذ التي يلجأ إليها التجار الإيرانيون.

الهيمنة الاقتصادية الإيرانية وصلت كذلك إلى القطاع المصرفي، إذ سمحت العراق لإيران وحدها، من بين دول العالم أجمع، بإنشاء بنك ذي ملكية إيرانية أجنبية بنسبة 100%، بينما يجب أن يكون رأس مال البنوك الأخرى عراقيًا أو شريكًا عراقيًا على الأقل، وهذه أحد الطرق التي تستعملها إيران لتجنب العقوبات الأمريكية التي تسببت في معاناة كبيرة للجهاز المصرفي الإيراني.

وفي ظل تصاعد نبرة الرئيس الأمريكي من حيث فرض المزيد من العقوبات على طهران، باتت فرص إيران في العمل مع الغرب محدودة إلى حدٍ كبير، الأمر الذي يجعل من دول الجوار، المتنفس الوحيد للبلاد، لتجنب الآثار السلبية للعقوبات، وأبرز هذه الدول بالطبع العراق، والتي من المتوقع أن تعمل إيران على زيادة كمية الصادرات إليها، من أجل تعويض ما ستفقده من الأسواق الأخرى، علاوة على استخدامها واجهة لتعاملاتها الخارجية سواء من خلال الجهاز المصرفي أو عبر التجار العراقيين.

هل يتضرر العراق من الهيمنة الإيرانية؟

يعاني الاقتصاد العراقي منذ فترة طويلة بسبب التوغل الإيراني الكبير فيه، إذ اختفت بالفعل الكثير من الصناعات الصغيرة، ناهيك عن أن الصناعة المحلية لم تعد موجودة تقريبًا وسط الإغراق الكبير من منتجات «صنع في إيران»، وهو ما يبرر زيادة واردات العراق في ظل غياب تام للصناعة المحلية، الأمر الذي يتسبب في رفع نسب البطالة في العراق، إذ تأتي البلاد في مقدمة دول الشرق الأوسط من حيث نسب البطالة، والتي تصل إلى نحو 59% من حجم قوة العمل، فيما تقدر نسبة النساء العاطلات بنحو 85% من قوة عمل النساء في العراق.

وتشير تقارير إلى أن نسبة العراقيين في القطاع المالي كذلك أصبحت أقلية، إذ تمتلك إيران نحو 11 مصرفًا يعملون في العراق بشكل مستقل، فيما اشترت مصارف إيرانية حصة ستة مصارف عراقية أخرى، ويبلغ إجمالي المبالغ الخاصة بالإيرانيين في تلك المصارف أكثر من 70 مليار دولار، وفق تقديرات صدرت في 2015، ومن المعلوم أن القطاع المالي هو العمود الفقري للاقتصاد، ومع هذا السطو الإيراني فإن نسبة سيطرة إيران في الواقع الاقتصادي كبيرة جدًا.