في مايو (أيار) 2018، وبعد انسحاب ترامب من الصفقة النووية؛ كان الاقتصاد الإيراني شبه منهار تقريبًا. فالعملة الوطنية فقدت أكثر من نصف قيمتها أمام الدولار الأمريكي، وارتفعت نسبة الركود والتضخم، وانخفضت القدرة الشرائية للمواطنين إلى أدنى مستوياتها، خاصة بعدما واصلت العقوبات الأمريكية حرمان إيران من تصدير نفطها التي تعتمد عليه بشكل أساسي في الميزانية الحكومية.

لكن على الرغم التداعيات الاقتصادية لإيران بسبب العقوبات؛ فإن صادراتها من السلع والخدمات إلى العراق بلغت 9 مليارات دولار العام الماضي، ويبدو أن الحكومة الإيرانية لن تبرح حتى تحقق غاياتها دون النظر إلى عواقبها على الشعوب الأخرى. التقرير التالي يتطرق إلى كيف ساهمت السلع والبضائع الإيرانية في إغراق الإنتاج المحلي العراقي

العراق.. ثاني أكبر وجهة للصادرات غير النفطية الإيرانية!

كان العراق – وما زال – بأهميته كأحد الدول المحاذية لإيران من الجهة الغربية، يحدث دورًا مهمًّا في الصادرات غير النفطية لإيران، ولا سيما أثناء العقوبات المفروضة على البلاد، إذ أمسى العراق في عام 2019 ثاني أكبر وجهة للصادرات غير النفطية الإيرانية. ويُقدر حجم المبادلة التجارية بين الدولتين في العام الماضي مع احتساب صادرات الخدمات الفنية والهندسية والسياحة والكهرباء والغاز، بنحو 13 مليار دولار، ويأمل كل من العراق وإيران أن يصل حجم الصادرات إلى 20 مليار دولار بحلول عام 2021.

تبين الإحصاءات الاقتصادية أن الصادرات الإيرانية إلى هذا البلد المجاور قد تزايدت باستمرارية على مدى السنوات العشر الماضية، إذ بلغت صادرات إيران غير النفطية إلى العراق في عام 2008 حوالي 7.2 مليار دولار، ووصلت في عام 2019 إلى حوالي 9 مليارات دولار، وشكلت الصادرات الإيرانية إلى العراق من حيث القيمة في عام 2008 حوالي 15% من إجمالي صادرات إيران، بينما ذهب 22% من إجمالي الصادرات الإيرانية خلال العام الماضي، إلى العراق.

 تعدد حاجات العراقيين من مختلف السلع، كانت محل اهتمام المصدرين الإيرانيين، فغالبية السلع التي يتم تصديرها إلى العراق في الوقت الحاضر، هي منتجات غذائية مثل معجون الطماطم، والحلويات، والشوكولاتة، والفستق، ومنتجات الألبان، والمنتجات الزراعية، والمنتجات الحيوانية والبحرية والمنتجات البلاستيكية، ومنتجات الفولاذ والبناء، وكذلك المنتجات الصحية.

ويعتمد العراق بشكل كبير على الاستيراد، خاصة مع تفاقم الأزمة المالية والاقتصادية التي تعيشها البلاد لا سيما مع انتشار وباء كورونا. وقد أبدت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، جينين هينيس بلاسخارت، قلقها من انكماش الاقتصاد العراقي بنسبة بلغت 10% في عام 2020، وذلك خلال إحاطة قدمتها أمام مجلس الأمن حول العراق، مشيرة إلى وجود «أزمات مختلفة مترابطة سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا وصحيًا تقيد عمل الحكومة».

الأسواق العراقية تغرق بالمنتجات الإيرانية ولا عزاء للتاجر العراقي!

يعزي الفلاحين والمزارعين في شمال العراق ركود تجارتهم وفقدان بعض منها إلى عدم التزام معابر كردستان بقرارات الحكومة العراقية فيما يتعلق بمنع استيراد سلع معينة من إيران، وعدم تحكم حكومتي بغداد وأربيل في ضبط عمليات التهريب على الحدود البرية مع إيران، التي تبلغ أكثر من 1300 كيلومتر، بدءًا من ديالى شرقًا مرورًا بإقليم كردستان العراق شمالًا وحتى البصرة جنوبًا.

فالمنتجات الإيرانية الغذائية والصناعية تغزو الأسواق والمحلات العراقية بشكل لافت، فقد دخلت إيران بعد عام 2003 الأسواق العراقية بقوة، وعملت على تصدير كل منتجاتها، خاصة أنها أقل كلفة من غيرها من المنتجات التي تدخل الأسواق العراقية.

وبالرغم من منع الحكومة العراقية استيراد 29 منتجًا زراعيًا وحيوانيًا إيرانيًا، تشمل مجموعة من الخضار والفواكه، ومنتجات مثل الدجاج والأسماك والعسل، فإنه وبحسب عضو مجلس إدارة الغرفة التجارية الإيرانية – العراقية المشتركة، حميد حسيني، فإن «قرار المنع لا يسري في جمارك إقليم كردستان، حيث بلغت الحصة التصديرية 22% في السوق العراقية».

يقول مسؤول مشاريع تربية الأسماك في مدينة السليمانية، ياسين أحمد، لـ«ساسة بوست» إن النظام الإيراني: «عمل على إغراق الأسواق بالأسماك الإيرانية بطرق غير شرعية بالرغم من قرار منع استيرادها من قبل وزارة الزراعة العراقية، وهو ما أثر في إنتاج الأسماك المحلية وسببت خسائر كبيرة لأصحاب مشاريع زراعة الأسماك فضلًا عن نفوقها».

أما مربو الماشية في إقليم كردستان، فقد حذروا من خطورة انقراض وتدمير قطاع تربية الحيوانات في الإقليم نتيجة تهريب الماشية الإيرانية نظرًا لانخفاض أسعارها، فيشير بختيار صالح الذي يعمل منذ 21 سنة في سوق المواشي أن «المواشي تأتي من إيران وسوريا وهندستان بسبب انخفاض العملات في هذه الدول، فماشيتنا ليس لها سوق الآن بسببها، فالخروف المهرب يصل لـ4 آلاف دينار عراقي للكيلوجرام الواحد من اللحم، وصافي لحمه 8 آلاف للقصاب، وهو سعر يبحث عنه القصاب دائمًا لرخصة عن المحلي فلهذا أسواق ماشيتنا تتجه إلى الصفر ويضطر المزارعون للتخلي عن تربية المواشي».

وانفلات المعابر يُمهّد الطريق لإيران

مع ارتفاع الصادرات الإيرانية خلال العام الماضي بنسبة 7% كما صرح المدير العام لمنظمة ترويج التجارة الإيرانية (TPO) للدول العربية والأفريقية، فرزاد بيلتان، لوكالة «إرنا» الإيرانية، إذ بلغت الصادرات الإيرانية إلى العراق خلال الأشهر التسعة الماضية من مارس (آذار) إلى ديسمبر (كانون الأول) 2020 نحو 5.9 مليار دولار؛ فإن إيران تعتمد أيضًا على المواد المهربة في تصريف بضائعها للهروب من المنع الحكومي.

وتجاهر إيران أن 23.6% من سوق الاستيراد في العراق مملوكة لها، وأن العراق أصبح في الآونة الأخيرة سوق التصدير الإيراني الرئيسي، حتى أن صادرات إيران إلى العراق، تجاوزت في بعض أشهر عام 2020، تجاوزت صادرات إيران إلى الصين!

على جانب آخر، تتعرض السوق العراقية بشكل دوري لضربات موجعة، جراء تصاعد عمليات تهريب البضائع عبر الحدود الإيرانية، وتتضمن هذه البضائع مواد غذائية وأدوية وأقمشة وأجهزة كهربائية.

وحسب أحد أعضاء اتحاد اقتصادي كردستان لـ«ساسة بوست»، فإن السليمانية وديالى وواسط والبصرة تعتبر أكثر مدن العراق عرضة لعمليات التهريب بسبب المناطق الواسعة المفتوحة بين البلدين، وكذلك الجبال التي تعتبر مشكلة من ناحية السيطرة عليها، كما قدر علي الياسري عضو غرفة تجارة بغداد في حديثه لموقع لـ«العربي الجديد»، ما يتكبده العراق جراء التهريب من إيران بنحو 10 ملايين دولار شهريًا، مشيرًا إلى أن الدولة والتجار والمواطنين يخسرون.

وتختلف عمليات التهريب حسب البضائع والأشخاص، فذكرت شركة الأبحاث التجارية «Navanti»، أن هنالك تهريبًا عبر أشخاص يدعون باسم «الكولبر» وهي كلمة كردية مكونة من جزئين وتعني «كول» بمعني الظهر و«بر» بمعنى الحامل أي معناه باللغة العربية العامية «العتالون»، ومهمتهم القيام برحلات عبور الحدود وحمل بضائع قد يصل وزنها إلى 75 كليو جرامًا عبر سلسلة جبال «زاكروس» من إقليم كردستان العراق أو المناطق الكردية في تركيا إلى إيران.

منطقة الشرق

منذ سنة واحدة
هل تعلن إيران انهيار اقتصادها قريبًا؟

أما المنافذ الأخرى التي يعتمد عليها التجار الإيرانيون فهي المعابر الشرعية بين العراق وإيران بتسهيل من ميليشيات تسيطر على هذه المعابر حسب وصف موقع «المونيتور». وتقوم هذه المليشيا بتسهيل عبور البضائع والتحايل على الضرائب الحكومية عبر ثلاث معابر «حاج عمران في محافظة أربيل، وبارفيزخان في منطقة إدارة كرميان، وبشماخ في محافظة السليمانية».

ففي سبتمبر (أيلول) 2020، أعلنت وزارة المالية في إقليم كردستان عن اكتشاف شبكة قامت بتهريب بضائع بقيمة مئات الملايين من الدنانير الى إقليم كردستان عبر معبر «بارفيزخان» على الحدود الإيرانية وألحقت أضرارًا بالمالية العامة.

لكن الأمور حتى هذا الوقت لم تؤخذ على محمل الجد من الجهات الحكومية العراقية، بالرغم من تحذير سابق في أغسطس (آب) 2016 وإقرار بتسبب السلع الإيرانية في خسائر كبيرة على المنتج الوطني العراقي وجعله يتراجع حتى أصبح لا يشكل سوى 6% من مجمل السلع والمنتجات الموجودة في السوق العراقية، حسب ما صرحت عضو لجنة الاقتصاد في مجلس النواب النائب نجيبة نجيب لموقع «رصيف 22»، التي لوحت إلى أن غياب الرقابة على الحدود وانشغال الدولة بالوضع الأمني كان فرصة للتجار الإيرانيين كي يضعوا قدمهم بشكل كبير في السوق العراقية.

الأراضي العراقية ممر إيران الآمن لنقل الأموال المهربة بالعملات الصعبة

فرضت الولايات المتحدة أول عقوبة على إيران في نوفمبر (تشرين الثاني) 1979، وتلتها عقوبات على عدة أعوام كان آخرها إصدار وزارة الخارجية الأمريكية بيانًا في سبتمبر (أيلول) 2020، أعلنت فيه من جانب واحد أن عقوبات الأمم المتحدة على إيران دخلت مجددًا حيز التنفيذ محذرة من عواقب عدم الالتزام بها.

حاولت إيران الهروب من آثار العقوبات عبر تصدير النفط والغاز الطبيعي اللذين يمثلان 82% من عائدات صادرات البلاد عبر شركائها كالصين التي تستحوذ على 21% من إجمالي الصادرات والهند التي استوردت بما يبلغ 3.2 مليار دولار في عام 2019، وتركيا التي تستورد بحوالي 3 مليارات دولار أي بنسبة 9% من إجمالي صادرات إيران، وكوريا الجنوبية بحوالي 2.1 مليار دولار، واليابان بحوالي 1.2 مليار دولار.

لكن إيران استغلت وضع العراق الحرج والتخبط السياسي الداخلي فيه، واستخدمت الأراضي العراقية ممرًا لنقل الأموال المهربة بالعملات الصعبة فيما يسمى بصفقات البورصة، أو مبيعات البنك المركزي العراقي للعملات الصعبة، التي كانت تستنزف ما متوسطه 350 مليون دولار إلى 600 مليون يوميًا في مبيعات المزادات للعملات الصعبة المستنزفة من البنك المركزي العراقي.

وفي بداية هذا العام، باشرت إيران ذلك من بوابة الديون المتراكمة على الحكومة العراقية بسبب شراء الكهرباء والغاز منها، في خطوات لتوفير مصاريف لقاح فيروس كورونا، والذي لا يمكن لإيران شراءه إلا بالعملة الصعبة، فاستطاعت تأمين شراء اللقاح بأموال الحكومة الإيرانية من مبيعات الغاز الطبيعي إلى العراق الذي استثنته الإدارة الأمريكية مؤخرًا من العقوبات وتجده إيران ممرها الآمن، فالأموال لا يمكنها تحويلها بسبب العقوبات الأمريكية على المصارف الإيرانية.

انشغال العراق بأحواله الداخلية وتوغل إيران فيه عبر أذرعها أسهم في انتكاسة لسوق العمل العراقي، إذ يوضح عضو غرفة تجارة وصناعة السليمانية لـ «ساسة بوست»، أن «أكثر من 6 آلاف من المصانع والمعامل توقفت عن العمل بسبب السلع الإيرانية الرخيصة اللي تدخل عبر المنافذ، وحوالي 7 آلاف معمل أو مصنع، تعرضوا للإفلاس وانتهى عملهم تقريبًا»، وعزا ذلك لعدم تفعيل قانون حماية الإنتاج الوطني والإنتاج الإقليمي لمنع وصول فائدة العملات الصعبة لإيران عبر تصريف موادها في أسواق البلاد!

اقتصاد الناس

منذ 7 شهور
«فورين بوليسي»: انهيار الاقتصاد العراقي.. أول أزمات بايدن في السياسة الخارجية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد