فى وقت متأخر من يوم الخميس 14 نوفمبر (تشرين الثاني)، وبشكل مباغت أعلن التلفزيون الحكومي الإيراني قرارًا كارثيًا بالنسبة لقطاع عريض من الشعب الإيراني؛ فقد قررت الحكومة زيادة أسعار الوقود ثلاثة أضعاف سعره السابق، وكأن الإيرانيين ينقصهم مصيبة أخرى تضاف إلى قائمة مصائبهم الاقتصادية.

خطة أسعار الوقود الجديدة تنص على أن لكل سيارة 60 لترًا شهريًا ضمن كوبونات مدعومة من الحكومة، يكون سعر كل لتر فى تلك الكوبونات 1500 تومان، وإذا تخطى استخدام السيارة تلك الكوبونات يكون سعر اللتر 3 آلاف تومان، أي ثلاثة أضعاف السعر المعتاد.

قرار يراه بعض الاقتصاديين داخل إيران شرًا لا بد عنه، لكن التوقيت لم يكن مناسبًا. اعتقدت الحكومة أن الأمطار والثلوج والجو قارس البرودة الذي تمر به إيران تلك الأيام سيعوق الناس من النزول إلى الشوارع للاحتجاج، لكنها كانت مخطئة، فبعد ظهر يوم الجمعة 15 نوفمبر (تشرين الثاني)، كان عشرات الآلاف من الإيرانيين متواجدين في مظاهرات إيران على هذا القرار.

الحكومة: «زيادة الأسعار ستفيد الفقراء» والفقراء: «ستزيدنا فقرًا»

مع بداية مظاهرات إيران، دافعت الحكومة عن قرارها بأن رفع أسعار البنزين يعود على الفقراء بالمنفعة، فرد الفقراء على الحكومة في الشوارع بأن قرارها سيزيدهم فقرًا.

دافع الرئيس حسن روحاني عن قرار إدارته، قائلًا: إن الأموال الناتجة عن زيادة الأسعار سيتم تقديمهم إلى 60 مليون إيراني في شكل إعانات حكومية، لكن في حقيقة الأمر، الحكومة تريد سد عجز ميزانيتها المتضررة بفعل العقوبات الأمريكية من جيوب الشعب، غير مقدرة أن ارتفاع سعر الوقود سيزيد أسعار باقي السلع الأساسية؛ مما يزيد من التضخم وانهيار القدرة الشرائية التي هي بالأساس على حافة الهاوية.

يدخنون الأرجيلة ويلعبون الورق.. كيف تأثرت مظاهرات إيران بالعراق ولبنان؟

خلال يوم الجمعة كانت مظاهرات إيران محصورة فى عدد قليل من المدن إلى حد ما، إلا أنها اشتعلت بسرعة كبيرة، ففي مدينة الأحواز عاصمة مقاطعة خوزستان ذات الاغلبية السنية، خرج الآلاف من المتظاهرين للاحتجاج، وسرعان ما اشتبكوا مع قوات الأمن.

حاول المتظاهرون بالأحواز في مظاهرات إيران، والمتأثرون بالمظاهرات في العراق، حيث قام المتظاهرون العراقيون بإشعال النيران في عدد من المباني الحكومية، والمقرات الحزبية، وأشعلوا النيران في محطات الوقود، ونجحوا في إحراق واحدة، قبل أن تتصدى لهم قوات مكافحة الشغب بكل ما أوتيت من قوة.

في مدينة بهبهان بنفس المحافظة، قرر المتظاهرون إحراق البنوك الحكومية في المدينة، ونجحوا أيضًا في إحراق بنك واحدًا، وسط اشتباكات عنيفة مع قوات الأمن أسفرت عن وقوع قتيل.

توسعت رقعة المظاهرات لتصل إلى مدينة مشهد ثاني أكبر مدينة إيرانية، والتي خرجت منها المظاهرات الأخيرة في نهاية عام 2017. تداول مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي باللغة الفارسية مقاطع مصورة للمظاهرات؛ مما شجع الناس في أصفهان، شيراز، يزد، إلى النزول للاحتجاج.

وبحلول يوم السبت قام المحتجون بقطع الطرق الرئيسة في العاصمة الإيرانية طهران، ولكن في العاصمة فضل الإيرانيون الطريقة اللبنانية، فانتشروا في الطرقات، وهم يدخنون النرجيلة، ويلعبون الورق.

استمرت المظاهرات خلال يومي الجمعة والسبت، وتمسك المحتجون بتواجدهم في الشوارع، بالرغم من برودة الجو، واستخدام قوات الأمن للغاز المسيل للدموع، وفي بعض الأحيان الذخيرة الحية.

بل أكسبوا الأمر حرارة ودفئًا بإشعال النيران في عدد من محطات الوقود وسيارات الشرطة.

حاولت الحكومة الايرانية استخدام الأساليب القديمة والمتبعة في أغلب بلدان الشرق الأوسط، فقامت بتعطيل خدمة الإنترنت والاتصالات بشكل كامل في المدن الأكثر اشتعالًا مثل الأحواز سيرجان، بهبهان، بينما في باقي المدن أبطأت الوصول إلى الإنترنت.

لكن قبل انقطاع الإنترنت بشكل كامل عن الجمهورية الإسلامية، تواصلنا بصعوبة شديدة مع صحافي إيراني فضل عدم الكشف عن هويته، ليروي لنا جزءًا مما يحدث.

يقول الصحافي الإيراني لـ«ساسة بوست»: «لقد أعطت المظاهرات العراقية دافعًا قويًا للإيرانيين للاحتجاج، توقع الجميع خارج إيران أن يحتج الناس بعد خروج ترامب من الاتفاق النووي، وقرر الشعب وقتها التحلي ببعض الصبر، لكن حماسة المظاهرات في العراق ولبنان قد شجعت الناس على النزول إلى الشوارع».

يبدو أن الحكومة الإيرانية قلقت من امتداد المظاهرات من العراق إلى إيران، فطلبت من الحكومة العراقية إغلاق المعابر الحدودية بين البلدين، ومنعت إصدار تأشيرات للإيرانيين للسفر إلى العراق.

من الذي اتخذ قرار رفع الأسعار ولماذا؟

على عكس ما جرت العادة في مثل تلك الأمور، لم يعلم البرلمان الإيراني بقرار رفع أسعار الوقود إلا بعد إصداره، كان من اتخذ القرار للجنة الاقتصادية التي أنشأها المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي باسم «لجنة اقتصاد الحرب»، بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية على طهران.

تلك اللجنة مكونة من رؤساء الفروع الثلاثة للسلطة التنفيذية (الرئيس حسن روحاني، رئيس البرلمان علي لاريجاني، ورئيس القضاء إبراهيم رئيسي)، وبالطبع المرشد الأعلى هو المشرف العام على تلك اللجنة.

يعتمد الاقتصاد الإيرانى بشكل أساسى على عائدات الصادرات النفطية التي تغطي من 40 إلى 60% من ميزانية الحكومة، ولكن بتوقف تلك الصادرات بسبب العقوبات الاقتصادية، أصبحت الميزانية تعاني من عجز، وأمام الحكومة ملايين من موظفي القطاع العام، والمتقاعدين يحتاجون إلى رواتبهم.

بحسابات سريعة وبسيطة قدرها خبراء الاقتصاد داخل إيران، ومن الممكن أن تكون هي الدافع وراء قرار الحكومة، فالناتج الإجمالي من زيادة أسعار الوقود يقدر بحوالى 2.5 مليار دولار سنويًا، ستعين تلك المليارات الحكومة على سد جزء بسيط من العجز فى الميزانية، لكنه بحسب الخبراء أيضًا لن يكفي كافة إنفاقات الحكومة.

كانت آخر زيادة في أسعار الوقود في عام 2014، وترددت الحكومة في رفع الأسعار مرة أخرى في عام 2017 بعد المظاهرات التي عمت البلاد وقتها، فتراجعت عن الأمر، لتفجره في تلك الأيام التي لا يعلم الإيرانيون كيف يتدبرون أساسيات الحياة.

وبحسب بعض الخبراء الاقتصاديين داخل إيران، فالقرار كان حتميًا، وطالما نادى به الاقتصاديون، لكن التوقيت غير موفق، فالبلاد تعاني من نسب تضخم تصل إلى 40%.

فزاعة «مجاهدي خلق».. السلطة ليست على قلب رجل واحد

كان من أوائل من انتقدوا قرار الحكومة برفع أسعار الوقود رجل الدين البارز، وأحد أهم المرجعيات الدينية في إيران، آية الله العظمى الصافى كلبايكاني، والذي طلب من الحكومة سرعة التراجع عن قرارها قبل فوات الأوان.

من جانبهم انتقد عدد من نواب البرلمان الإيراني، من التيارين الإصلاحي والمحافظ القرار، فقالت النائبة الإصلاحية بروانه سلحشورى في تغريدة لها على موقع «تويتر»، أنها تلقت شكاوى عديدة من الناس بسبب القرار، وانتقدت اتخاذ اللجنة الثلاثية القرار دون استشارة البرلمان، وسخرت من الأمر بأنه من الأفضل إغلاق البرلمان.

تحمس نواب البرلمان فى البداية، وأعلنوا عن اجتماع طارئ صباح يوم الاحد، لاتخاذ قرارًا مهمًا بشأن الأحداث الأخيرة، لكن بزيارة سريعة من علي شمخاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، شارحًا لهم الموقف واستغلال جماعة «مجاهدي خلق» (جماعة معارضة منشقة)، لموقف مظاهرات إيران، هدأت الأمور في البرلمان، ولم يسمع الإيرانيون له صوتًا إلى الآن.

حتى الساعات الاولى من صباح يوم الأحد، اعتقد البعض داخل إيران أن المؤسسة السياسية سوف تتعظ من المظاهرات في العراق، وتخشى تكرارها داخل الجمهورية الإسلامية، ومن الممكن أن تعيد النظر مرة أخرى في قرارها.

لكن خرج المرشد الأعلى للبلاد علي خامنئي ليحسم الجدل ويعلن تأييده للقرار قائلًا: «أدرك تمامًا أن البعض قلق من هذا القرار، لكن لابد عنه»، وكما جرت العادة في مثل تلك الأحداث اتهم المرشد الأعلى عناصر أجنبية ومحلية باستغلال الظرف الراهن، ووصف المتظاهرون الذين قاموا بتعطيل حركة المرور في مظاهرات إيران بأنهم «قاطعو طرق».

«القبلة إلى اليسار كثيرًا»..كيف اجتمع الإسلام وماركس؟

الأخ الأكبر يقتلك.. تهديدات السلطة لم تعطل مظاهرات إيران

بعيدًا عما يحدث داخل المؤسسات الحكومية، وتصريحات المسؤولين، استمر الإيرانيون في التظاهر، وإشعال النيران في البنوك والمباني الحكومية، فلجات قوات مكافحة الشغب إلى استخدام العنف السريع، وقادت الشرطة حملة اعتقالات، فتم اعتقال 40 شخصًا.

وأصدرت وزارة الاستخبارات الإيرانية بيانًا تحذر فيه من أنه تم التعرف على كل من قطع الطريق، أو شارك في إحراق منشأة حكومية، وجارى اتخاذ الإجراءات لاعتقالهم، فلجأ بعض المتظاهرين إلى تخريب كاميرات المراقبة في الشوارع، ومنعًا لانتشار المظاهرات، وفي محاولة للتعتيم عليها، وبالرغم من مناداة الرئيس روحاني طوال حملاته الانتخابية بضرورة عدم تقييد حرية الإيرانيين في الوصول إلى المعلومات واستخدام الإنترنت، حجبت الحكومة خدمة الإنترنت عن كامل البلاد.

ليس هذا فحسب، فقد أعاقت الحكومة الوصول إلى المواقع والوكالات الإخبارية الإيرانية، سواء حكومية أو لا من الخارج، فلا نستطيع الحصول أو التأكد من أي معلومات عن المظاهرات، أو أعداد القتلى والمصابين منذ نهاية يوم السبت إلى الآن.

«للناس الحق في الاحتجاج، لكن هذا يختلف عن أعمال الشغب، لا يمكننا ترك انعدام الأمن في البلاد من خلال أعمال الشغب»، هكذا علق الرئيس حسن روحاني في أول رد له منذ اندلاع الاحتجاجات.

في مظاهرات إيران الأخيرة طالب المحتجون بمطالب اقتصادية، وطالبوا من الحكومة المساعدة في محاولتهم للنجاة تحت وطاة عقوبات خانقة واقتصاد شبه منهار، بالطبع لدى البعض مطالب سياسية، لكن إلى الآن المطالب الاقتصادية لها النصيب الأكبر.

لا يستطيع أحد داخل او خارج إيران الجزم بمستقبل تلك المظاهرات، لكن من المؤكد أن الجمهورية الإسلامية تجيد قمع الاحتجاجات، والدليل على ذلك ما حدث في عام 2009 عقب الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها، وفي عام 2017 المظاهرات التي خرجت احتجاجًا على الأوضاع الاقتصادية السيئة وانتهت بقمعها سريعًا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد