يرى الكثير من أهالي محافظة درعا أن الأيام القادمة ستشهد حربًا بأوامر دولية تقودها بقايا فصائل المعارضة المسلحة في المحافظة، والتي عقدت تسوية برعاية روسية مع النظام السوري في أغسطس (آب) عام 2018، ومليشيات إيران بذراعها الأساسي حزب الله اللبناني وبعض المليشيات الأخرى التي ساندة قوات الأسد في إحكام سيطرتها على جنوب سوريا، فإعادة تحليق طائرات الاستطلاع في أجواء المنطقة مع قطع التيار الكهربائي عن منازل المدنيين، تزامن مع استهداف عدد من قادة فصائل المعارضة الفاعلين على الأرض، بعد توارد الأنباء عن اجتماع دولي يخص إبعاد إيران من الجنوب، يشي بالنسبة للبعض بقرب حرب تبعد إيران من جنوبي سوريا.

إيران تفتعل حربًا

بعد تخريج مركز تابع لـ«الدفاع الوطني» في محافظة السويداء جنوبي سوريا، والذي يصنفه النظام كإحدى المليشيات الرديفة للقوات النظامية، في شهر أغسطس الماضي، دورة عسكرية تضم أكثر من 600 مقاتل من شبان الريف الجنوبي الغربي في المحافظة ذات الغالبية من طائفة «الموحدين الدروز»، إذ أفادت عدة مصادر من «الدفاع الوطني» لمواقع إعلامية أن عملية التسليح للمقاتلين الجدد تمت عبر حزب الله اللبناني، إذ قاموا بتسليح عناصرها ودفع رواتبهم، وإنشاء معسكرات تدريب خاصة لهم داخل سوريا وفي إيران، في محاولة لخلق مليشيا شبيهة بـ«الحرس الثوري الإيراني» أو «الحشد الشعبي» العراقي.

وأشار أحد القياديين في «الوطني» حسب حديثه لموقع «الحل نت»، أنهم بحاجة للدعم العسكري والمادي، وكل فريق يبحث عن دعم وحماية ومال للاستمرار، وهذا أمر طبيعي في ظل الحرب، وأنهم لا مشكلة لديهم بتلقي الدعم من «حزب الله»، أو أي طرف آخر، أما بالنسبة للحديث عن قيام الحزب بنشر التشيّع، وضح أن هذه الشائعات لا أساس لها من الصحة، ولا يمكن أن تؤثر على أهالي المحافظة، فالمهم لديهم أن يفشلوا مخططات الفيلق الخامس، الذي يهدف إلى السيطرة على أراضيهم، بحسبه.

وعلى إثر ذلك وفي نهاية سبتمبر (أيلول) 2020، بدأ «الدفاع الوطني» هجوما على منطقة بصرى الشام شرقي محافظة درعا المحاذية لمحافظة السويداء، وهي ذاتها تعتبر مركزا لعناصر لـ«الفيلق الخامس» المدعوم من روسيا، وأسفرت الاشتباكات التي استمرت لأيام عن عشرات القتلى والجرحى بين الطرفين، وهنا يرى وليد الزعبي أحد المقاتلين في صفوف الفيلق الخامس أثناء حديثه لـ«ساسة بوست» «أن إيران عرفت كيف تؤجج الصراع بين الطرفين من خلال ضخ تعبوي للخلافات بين أبناء المحافظتين الجارتين، درعا والسويداء، التي تعود إلى فترات سابقة، سببها عمليات الخطف المتبادل التي تنفذها عصابات مسلحة من المحافظتين، العمليات التي غالبا ما تكون بدوافع مالية – المال مقابل إطلاق سراح المختطف – وتجنيد وتسليح المواطنين الذين لا حول لهم ولا قوة، سوى العمل ضمن فصيل يدر عليهم الرواتب».

دولي

منذ 8 شهور
الحرب السرية في سوريا.. حين تسعى روسيا والنظام إلى تشكيل جيش يحارب إيران

هذه الحادثة أخرجت قائد الفيلق الخامس أحمد العودة في تسجيل مصور، قائلًا: إن حزب الله اللبناني وراء حدوث الصراعات الأخيرة التي وقعت بين المحافظتين، ودعا المجموعات المقاتلة في السويداء لعدم تنفيذ أجندات الحزب وأذرعه الأمنية.

وقبل يومين بدأت قوات النظام السوري مدعومة بمليشيات إيرانية وحزب الله من دون سابق إنذار، هجومًا على مواقع المقاتلين السابقين في المعارضة السورية بمدينة درعا، والذين عقدوا تسوية – مصالحة برعاية روسية – مع النظام السوري، إبان سيطرته على المنطقة، وأسفر الهجوم عن عدد من القتلى والجرحى بين الطرفين؛ ما استدعى قيام عدد من المقاتلين في مناطق مختلفة شمالي المحافظة بالهجوم على حواجز قوات الأسد للضغط على القوى المهاجمة بوقف الحرب.

وفي السياق ذاته شوهد لأول مرة في الفترة ذاتها، وهي المرة الأولى منذ انتهاء العمليات العسكرية في الجنوب، تحليق لطائرات الاستطلاع الروسية شرقي المحافظة، بعد اندلاع الاشتباكات بين الطرفين، وهي دلالة بالنسبة للبعض على أن روسيا صحت على أمر لم تعلم عنه شيئًا، وأن إيران الحليف الإستراتيجي لها ربما يخطط بعيدًا عنها وأنها قد تكون غير راضية عن حصتها في المنطقة.

الاغتيالات.. ربما يكون سيف إيران البتار

افتعال القتال والحرب وتجنيد المقاتلين ربما لم يكن سلاح إيران الوحيد في المنطقة، فمنذ اتفاق التسوية الروسي مع النظام، لم يمر شهر دون حدوث عملية اغتيال في المنطقة لعناصر وقادة سابقين في قوات المعارضة السورية، ولكن الفترة الأخيرة شهدت تصاعدًا عاليًا في عمليات الاغتيال، وهو ما جعل أبرز القادة المعارضين يخرج في تسجيل مصور ليعلن فيه التهديد بعودة القتال المسلح، لكن تهديده سرعان ما ساهم بقتله.

استشعار الخطر هو ما أخرج أدهم الأكراد، قائد فوج المدفعية والصواريخ في المعارضة المسلحة سابقًا، وعضو لجنة التفاوض في مدينة درعا فيما بعد، عن صمته، ليبث رسالة تهديد علنية لحكومة النظام، تحدث فيها عن إمكانية عودة الاحتجاجات السلمية للمحافظة، واحتمال رجوعه للقيام بعمليات عسكرية ضد قوات الأسد، من باب الدفاع عن النفس، وإثر تهديداته تم اغتيال «الأكراد» وبرفقتة أربع من القياديين العسكريين بصفوف المعارضة السورية في الرابع عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2020، داخل بلدة موثبين بالريف الشمالي لمحافظة درعا معقل المليشيات الإيرانية، عقب عودته من دمشق، حيث حضر اجتماعًا مع ممثلين عن حكومة النظام وممثلين عن روسيا، لتسليم جثامين القتلى من أبناء المحافظة، الذين قتلوا في المعارك مع القوات النظامية.

ويرى محمد سرميني «مدير مركز جسور للدراسات» أن لإيران مصلحة كبيرة في التخلص من أدهم الأكراد الذي كان ومجموعاته يضغطون بناء على وعود وضمانات روسيا لمنع وإعاقة التجنيد المستمر لتحقيق النفوذ الإيراني جنوب سوريا، واتفق مع «المرصد السوري» في إمكانية ضلوع روسيا في عملية الاغتيال أيضًا، إذ قال عبر حسابه في موقع «تويتر»: «إن روسيا لم تعد راضية عن مجاهرة أدهم الأكراد بمواقفه وشعاراته المناهضة لنظام الأسد وممارسته».

ولكن من جهته حمّل «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية»، نظام الأسد وحزب الله مسؤولية اغتيال الأكراد، إذ قال في بيانه «إن نظام الأسد وأجهزته الأمنية ومليشيات حزب الله الإرهابي، يتحملون المسؤولية المباشرة عن عملية الاغتيال هذه وعن جميع ما سبقها من عمليات» _ بحسب وصفه.

محافظة درعا، خلال الفترة السابقة سجّلت اغتيالات لعدد من الشخصيات المعارضة أبرزهم قادة للجان المركزية التي أنشأتها روسيا عقب التسوية، كان الهدف منها محاورة النظام ونقل طلبات المدنيين والعسكريين الذي عاشوا في مناطق خارج عن سيطرة الأسد، ففي أكتوبر 2020، قتل عضو لجنة المفاوضات في مدينة جاسم محمد الجلم، والذي كان يعمل قاضيا سابقًا في «محكمة دار العدل» التابعة للمعارضة، فضلًا عن اغتيال العاملين في مكتب الارتباط الروسي، ومنهم شادي السرحان، وياسين الصلخدي في مدينة طفس، إضافة لبشير الفراج ونائل الوادي في بلدة انخل.

دولي

منذ 8 شهور
الحرب السرية في سوريا.. حين تسعى روسيا والنظام إلى تشكيل جيش يحارب إيران

ويوضح عضو مكتب «توثيق الشهداء في مدينة درعا» عمر الحريري لـ«ساسة بوست» «أنه منذ سيطرت قوات النظام على محافظة درعا في 2018، وثق قسم الجنايات والجرائم في المكتب 76 عملية ومحاولة اغتيال طالت قياديين سابقين في فصائل المعارضة في محافظة درعا»، ووفقًا للحريري، فقد أدت هذه المحاولات لمقتل 42 قياديًا سابقًا في فصائل المعارضة في عمليات تمت بإطلاق النار المباشر أو تفجير العبوات الناسفة أو الإعدام الميداني بعد الخطف.

وأفاد الحريري «أن شهر أكتوبر 2020 شهد ارتفاعًا حادًا في عمليات ومحاولات الاغتيال في محافظة درعا، فأعداد القتلى الذين وثقهم المكتب وصل إلى 25 شخص في صفوف فصائل المعارضة سابقًا، حيث تمت 27 عملية اغتيال من خلال إطلاق النار المباشر واستخدام العبوات الناسفة وست عمليات من خلال الإعدام الميداني بعد الخطف، منها 35 عملية، ومحاولة اغتيال وقعت في ريف درعا، وتسعة مثلها في المدينة»، وهنا يعتقد الزعبي «أن إيران وحزب الله متهمون بهذه العمليات لأنهم منتشرون في الأرياف على شكل مجموعات أكثر من المدن».

وبشكل كلي ووفقًا لإحصائيات «المرصد السوري»، فقد بلغت أعداد الهجمات ومحاولات الاغتيال في درعا بأشكال وأساليب عدة عبر تفجير عبوات وألغام وآليات مفخخة وإطلاق نار نفذتها خلايا مسلحة خلال الفترة الممتدة من يونيو (حزيران) 2019 حتى اليوم، 748 هجمة واغتيال، فيما وصل عدد الذين قتلوا إثر تلك المحاولات خلال الفترة ذاتها إلى 494، وهم: 138 مدنيًا بينهم 12 مواطنة، و15 طفل، إضافة إلى 217 من قوات النظام والمسلحين الموالين لها والمتعاونين مع قوات الأمن، و93 من مقاتلي الفصائل ممن أجروا تسويات وباتوا في صفوف أجهزة النظام الأمنية من بينهم قادة سابقين، و23 من المليشيات السورية التابعة لـ«حزب الله» اللبناني والقوات الإيرانية، بالإضافة إلى 22 من «الفيلق الخامس».

عودة الحشد الدولي ضد إيران

يبدو أن القلق الأردني من الدعم الإيراني في الجنوب بات يظهر جليا، وباعتبار أن الأردن كان أحد اللاعبين على مدار سنوات في جنوب سوريا، فهو يملك شبكة كبيرة من مصادر المعلومات بحسب ما يوضّح الناشط الحاج علي لموقع «نبأ»، إذا ساهم ذلك في نسخ صورة الواقع ومتغيّراته في المنطقة لصالحه ويمكن حصر الملفات ذات الأولوية في جمع المعلومات بالانتشار الإيراني وعمليات التهريب عبر الحدود، ولمعرفة أدق التفاصيل يتطلّب ذلك أحيانًا تجنيد أفراد لصالح المخابرات الأردنية بطريقة غير مباشرة لاختراق بعض المجموعات والجماعات، على حدِّ قوله.

تصريحات وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي في أكتوبر 2020، بمطالبة الأردن بخروج جميع القوى الأجنبية من سوريا وتحذيره من محاولات «العصابات الإرهابية» إعادة بناء قدراتها ووجودها في الجنوب، خلال استقباله في مقر وزارة الخارجية وشؤون المغتربين المبعوث الخاص للرئيس الروسي لشؤون التسوية السورية ألكساندر لافرينتيف، ترافق مع أنباء حول اجتماع عقد الأردن لاجتماعات مع قادة الفصائل المعارضة بقيادة الفيلق الخامس.

وتعود للذاكرة جملة رئيس النظام السوري بشار الأسد التي قالها في 2013 عقب لقائه مناصرين له من دولة الأردن، أن «درعا مشكلة أردنية»، فيبدو أن الأردن أدرك ذلك، وبدأ بإعداد خطة لإعادة التموضع في المنطقة الحدودية داخل الأراضي السورية من خلال قادة الفصائل السابقين لتشكيل درعًا متقدمًا من عناصر الفيلق الخامس لحماية المنطقة عمومًا والشريط الحدودي خاصةً من ميليشيات إيران وحزب الله، فالزعبي يؤكد لـ«ساسة بوست» ما قاله «تلفزيون سوريا» المعارض لنظام الأسد، والذي يبث من تركيا، عن دخول القياديين في الفيلق الخامس أحمد العودة والعقيد الطيار نسيم أبو عرة، وعددًا من الضباط والقياديين السابقين في الجيش الحر، بالإضافة إلى نحو 20 عنصرًا من اللواء، إلى الأراضي الأردنية بداية نوفمبر (تشرين الثاني) 2020.

ورجحت المصادر التي تحدثت لـ «تلفزيون سوريا»، أن يكون الهدف من العملية يتمحور حول تشكيل مجموعات تعمل على إزالة حواجز النظام وميليشيات موالية له من «الحرس الثوري الإيراني» و«حزب الله»، وإبعادها من المنطقة الجنوبية المحاذية للحدود الأردنية من الجانب السوري على الطريق المتجه نحو دمشق، إضافة لمقترح من السفارة البريطانية في عمان لتشكيل غرفة عمليات في جنوب سوريا تكون هي السلطة العسكرية بالمنطقة كما حدث سابقًا في غرفة «الموك»، والهدف هنا زيادة الدعم المادي للفيلق الخامس، والحد من انتشار عناصر «الفرقة الرابعة» المنتشرين في درعا بقيادة غياث دلّة المقرب من إيران.

وتزامنت هذه الأحداث، مع ظهور جديد لرصد التحركات الإيرانية، حيث صرح عدد من الناشطين في محافظة درعا لـ«ساسة بوست»، بتلقيهم عدة رسائل من أرقام جديدة تحت مسمى مراكز أبحاث، ويقول عبد اللطيف الزامل الذي كان يعمل مصورًا في بلدة كناكر «تلقيت عرض عمل من رقم يحمل رمزًا أمريكيًا، ويبدو أنه رقم تم شراؤه عن طريق الإنترنت كما يفعل بعض الناشطين، حيث طلب مني رصد مواقع انتشار المليشيات الإيرانية، إضافة إلى العناصر المنضمين لهم من أبناء المنطقة مقابل مبلغ مادي شهري، وأن هذا العمل سيكون هو محور المرحلة القادمة».

عربي

منذ شهرين
الفيلق الخامس.. هل تخلق روسيا حاكمًا جديدًا في سوريا بجوار الأسد؟

كلام «الزامل» يؤكده تصريح الحاج علي لموقع «نبأ»، أن ضباط وعناصر المخابرات الأردنية لم يقطعوا علاقتهم بالقياديين السابقين في فصائل الجيش الحر والناشطين المتعاونين والأفراد المعتمدين لجمع المعلومات واتجه التنسيق فيما بينهم لمراقبة المنطقة أمنيًا والبحث في نشاط الميليشيات المرتبطة بإيران ومناطق انتشارها ومواقعها المستحدثة، إضافة إلى المجموعات التي يتم تجنيدها من أبناء المنطقة لصالحها، ويتم إرسال المعلومات بأدق التفاصيل بما فيها أسماء المنتمين وأعدادهم.

جميع الإشارات والأحداث تنبأ بأن جنوب سوريا سيشهد ربما محاولة طرد لإيران وميلشياتها، فحتى الأمس نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية عن مسؤولون بالبنتاجون أنهم لا يستبعدون شن ترامب عمليات ضد إيران أو خصوم آخرين في أيامه الأخيرة بالسلطة، ويدعم ذلك حديث «المرصد السوري» عن تصاعد الصراع الروسي – الإيراني على قدم وساق في عموم الجنوب السوري، حيث تواصل روسيا محاولتها لتقوية نفوذ الفيلق الخامس المدعوم من قبلها، في إطار سعيها لفض الشراكة مع الإيرانيين وكسب السيطرة المطلقة على درعا.

بدورها تواصل إيران عمليات التجنيد لصالحها مقابل السخاء المادي واللعب على الوتر الديني والمذهبي عبر استمرار عمليات التشيُّع، وبلغ تعداد المتطوعين في صفوف الإيرانيين والمليشيات الموالية لها في الجنوب السوري أكثر من 7900، فضلًا عن الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد شقيق رأس النظام السوري، والتي تعرف بولائها لإيران وهي رأس الحرب في الصراع مع الفيلق الخامس، بينما النظام السوري يكتفي بدور اللاعب الثانوي فهو مسيطر بشكل صوري فقط.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد