اعتبر الكاتب والمحلل السياسي ماهان أبيدن في مقال له بموقع ميدل إيست أي نُشر في التاسع عشر من شهر يونية الجاري، أن التقدم الكاسح لمن وصفهم بالسنة المتشددين في شمال و وسط العراق قد أصاب المجتمع الدولي بحالة من القلق حيال مستقبل الدولة العراقية والظهور المتنامي للنظام الإسلامي الراديكالي في معاقل العرب السنة بالعراق.

و أضاف الكاتب بأن الوضع يبدو أكثر تشابكًا وتعقيدًا بالنسبة لدول الجوار بشكل عام و بالنسبة لإيران بشكل خاص باعتبارها أحد العناصر الأكثر تأثيرًا ونفوذًا في العراق، مشيرًا إلى أن حركة التمرد الاخيرة في العراق تحمل في طياتها العديد من الدلالات و المؤشرات التي تبعث على القلق بالنسبة لطهران، فمن جهة نجد أن التحالف الذي قاد حركة التمرد ضم العديد من القبائل العربية السنية والبعثيين السابقين بالإضافة إلى مجموعات من المتطرفين الذين انضووا جميعاً تحت راية تنظيم الدولة الإسلامية في العراق و بلاد الشام و المعروف اختصاراً باسم “داعش” وهو التحالف الذي يتخذ من إيران عدواً له ولن يتردد أبداً في نقل المواجهات على الجبهة الإيرانية إذا أتيحت الفرصة، و من جهة أخرى فإن حالة الضعف التي انتابت الحكومة العراقية في تعاطيها مع الهجمات المسلحة ربما تفسح المجال واسعاً أمام إيران كما يقول الكاتب لتعزيز و تعميق نفوذها في العراق و انتزاع تنازلات حيوية من الزعماء العراقيين في مقابل الدعم العسكرى الإيراني الحاسم.

غير أن الكاتب و بالرغم مما أورده من فرص لتعزيز النفوذ الإيراني في العراق، أشار في ذات الوقت إلى أن التحدي الأكبر الذي يواجه الموقف الإيراني لإدارة الأزمة في العراق يكمن في وجوب تعاونها مع الولايات المتحدة الأمريكية لمواجهة التحدي الإرهابي واسع النطاق و غير المسبوق في العراق وهو ما اعتبره الكاتب حتى على المستوى الأدنى منه بمثابة الوقوع في الفخ الذي قد يفضي ليس فقط إلى تقليل النفوذ الإيراني في العراق فحسب بل سيؤثر سلباً على الموقف الإستراتيجي الإيراني في المنطقة.

كما أشار الكاتب إلى أنه و بالرغم من حالة التهويل والمبالغة التي تنتهجها وسائل الإعلام الغربية بشأن التهديد الإرهابي للمتمردين، إلا أنه لا يمكن لأحد أن ينكر خطورة الأوضاع التي باتت تحيا في ظلها الدولة العراقية خاصة مع سيطرة المتمردين على مساحات واسعة من الأراضي في المناطق السنية في غرب وشمال غرب العراق و هو ما يشكل بدورة تهديداً أمنياً مباشراً على إيران في ظل الرغبة المعلنة من المتمردين بشن هجمات عسكرية في الداخل الإيراني.

وبالرغم من أن الكاتب أرجع السبب فيما يسميه البعض “الثورة” من المتعاطفين مع السنة في العراق لسوء الإدارة وعدم الكفاءة من قبل نورى المالكي رئيس الوزراء العراقي الذي أسهمت حملات القمع التي انتهجها في إفساح المجال واسعاً لنمو الجماعات المتطرفة، إلا أنه أكد على أنه لا يمكن تحميل كافة الأخطاء على المالكي في إشارة إلى النخب العربية السنية التي لا تزال تحلم باستعادة السيادة المفقودة.

ونوه الكاتب إلى أن إيران لديها مصالح مباشرة لمساعدة ودعم الحكومة العراقية في مجابهة العدوان من قبل المتطرفين و تقويض سيطرتهم على مساحات واسعة من المناطق السنية و هو ما يدفع السلطات الإيرانية نحو تحقيق أقصى استفادة من جميع اللاعبين الرئيسيين في الداخل العراقي و بصفة خاصة الأكراد الذين استغلوا بدورهم حالة الانعدام الأمني لتأمين مكاسبهم الإقليمية حتي و لو على الدولة العراقية.

وبحسب الكاتب أيضاً، فإن هناك ثمة دلالات على أن إيران قد تدخلت بالفعل في العراق في إشارة إلي كتيبة القدس الإيرانية بقيادة الجنرال قاسم سليماني و التي تضم عدداً من القوات الخاصة و قوات مكافحة التمرد التي تمثل الحد المسموح به لإيران التي و إن بدت متحفظة في إشراك عدد أكبر من القوات لدعم الدفاعات العراقية نظراً للمزاج الطائفي الملتهب في العراق، إلا أنها قد تغير من حساباتها حيال هذا التدخل إذا ما تصاعدت التهديدات حول العاصمة العراقية بغداد حالها في ذلك حال المدن المقدسة مثل النجف وكربلاء.

و كما هو الحال في سوريا، كشفت الأزمة الأخيرة في العراق عن تلاشي النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط و عجزها التام عن تغيير الواقع على الأرض بالتزامن مع المساعي الإيرانيه لدفع الولايات المتحدة نحو الانسحاب الكامل من منطقة الشرق الأوسط و هو ما يفسر الإحجام الإيراني الكامل عن استدعاء التدخل العسكري الأمريكي في العراق خشية أن يؤجج هذا التدخل نيران الحرب الأهلية وفق ما ذكر الكاتب.

و رغم توقعات الكاتب بأن تسعى إيران في تعاطيها مع الأزمة العراقية إلى انتزاع العراق بعيداً عن النفوذ العسكرى الأمريكي، إلا أنه حذر من مغبة تلك الإستراتيجية التي قد تدفع بالعراق قدماً نحو مزيد من الانجرار في الشأن العراقي و ما يصاحب ذلك من مواجهة مكلفة و طويلة الأمد مع الحركات المتمردة على غرار الجهود الإيرانية في سوريا و بالتالي استنزاف المزيد من الموارد الإيرانية على الجبهتين السورية و العراقية، الأمر الذي يتماهى مع الرغبات الأمريكية و الإسرائيلية.

 

 

 

 

 
 

 

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد