“من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل، ومن يسيطر على الحاضر، يسيطر على الماضي”، من رواية 1984 لجورج أوريل.

1- بروين

“بروين اعتصامي” شاعرة إيرانية مشهورة و”محبوبة” لدى الكثير من المسؤولين في الجمهورية الإسلامية. حتى إن غلام علي حداد عادل رئيس مركز الثقافة واللغة الفارسية في إيران، ألف كتابًا عنها، وتولى بنفسه التسويق له. بل إن الأمر يتجاوز حداد عادل ليصل أحيانًا للإمام الأكبر، آية الله العظمى خامنئي بنفسه يردد شعر بروين أمام المسؤولين في زيارة لمنكوبي الزلزال الذي ضرب إحدى المحافظات منذ عامين.

“نعمة كل ما تصيبني به من بلاء..

منّة كل ما تكتبه عليّ من شقاء..

تحيطُ عبدك الضعيف بالظلام..

ليبصرَ ما في وجهك من ضياء..”

يسأل الإمام “هل تعرفون الشاعر؟”

ينفي الجميع، فيوضح الإمام: “إنها بروين، البعض يحاول إخفاء بروين، يقللون منها كي يرفعوا “فروغ”.. كيف يصفون بروين بشاعرة العدس والفاصولياء؟”

النظام راضٍ عن بروين إذًا، لهذا سيعتاد الطلبة رؤية صورتها “المحجبة” في الكتب المدرسية، سيطالَبون بحفظ قصائدها وسيكتبون عنها مواضيع مادة التعبير. سيتذكر الإعلام الرسمي تواريخ ميلادها ووفاتها والمحطات المهمة في حياتها، وسيكلف نفسه عناء إنتاج أفلام تسجيلية عنها. كما أن أشعارها – تلك التي تحمل نبرة دينية منها- ستتردد في الكثير من المناسبات والحفلات الرسمية.

بروين اعتصامي

2- المواطن الصالح

يشعر نظام الجمهورية الإسلامية بحاجة شديدة لوضع نماذج صالحة للمواطنين في كل المجالات على ما يبدو. ثمة إصرار على إظهار “أولئك الذين وقع عليهم الاختيار” بشكل مكثف في أزمنة وأمكنة مختلفة. المواطن الصالح المثالي هو شخص ناجح لا يلتزم بالإطار الذي تحدده الجمهورية الإسلامية لسلوكه وحياته فحسب، بل هو مؤمن بها مدافع عنها و”ينتمي لها”. يقع الاختيار على بروين فيما يتعلق بنموذج المرأة محبة الشعر والفن والأدب، والتي تمثل في نفس الوقت القيم الدينية التي يجب أن يمثلها المواطن الصالح. في الحقيقة ليس من المهم ما كانت تعتقده بروين حقًّا، المهم هو ما يجب أن يعتقد الناس أن بروين كانت تعتقده. ستنتشر صور بروين بالحجاب، ستنتشر أشعار بروين ومقولات بروين وسيتردد أنها كانت “مِنّا”، مواطنة صالحة كما ينبغي للمواطن أن يكون.

يقول السيد سركوهي الناقد الأدبي: “بروين شاعرة كبيرة متميزة للغاية. لكنها لا تتحدث كثيرًا كامرأة، قالت معظم شعرها كما لو كان الشاعر رجلاً”، إضافة إلى ذلك فإن قصيدتها عن العدس والفاصولياء وارتداءها للحجاب في بعض الصور يجعلها مرشحة قوية للعب ذاك النموذج المثالي للمرأة التي يؤمن آية الله بـ “دورها المقدس” في المنزل والمطبخ.

3- الإنترنت يحيي الماضي!

“إذا قبلَ الناسُ الأكذوبة، وإذا كانت كل السجلات تحكي القصة نفسها، فإن الأكذوبة تدخل التاريخ وتصبح حقيقة”، من رواية 1984 لجورج أوريل.

من حسن حظ النظام أن بروين لا تمتلك تسجيلات صوتية ولا فيديوهات يَظهر فيها ماضيها الحقيقي، لا ذاك الذي يُراد له أن يكون ماضيها، لكن هل سيظل ماضي بروين مختفيًّا للأبد؟ كان الاستبداد أسهل كثيرًا فيما مضى، لكن على الأنظمة الشمولية أن تتعامل مع كابوس مخيف جدًّا هذه الأيام.. الإنترنت!

“إن أحداث الماضي ليست بذات وجود موضوعي لأنها لا تعيش إلا بين صفحات السجلات المكتوبة وفي ذاكرة الإنسان، فالماضي هو ما تتفق عليه كل من السجلات والذاكرات. فإذا تمت السيطرة على كل من السجلات والعقول، فأين الماضي إذًا؟” من رواية 1984 لجورج أوريل.

ولدت بروين في أسرة أدبية ثقافية، درست في مدرسة أمريكية، وعندما أمر الشاه رضا بهلوي بخلع الحجاب دافعت في قصيدة طويلة عن قراره باعتباره منقذ المرأة الإيرانية من أيام السجن والظلام. صورتها بلا حجاب بجوار محمد رضا شاه انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي أخيرًا، مهددة احتكار الدولة لماضي بروين كما أرادته أن يكون! تجاهل الإنترنت الرسمي الأمر تمامًا في البداية، لكن من ذا الذي يستطيع أن يواجه سطوة شبكات التواصل الاجتماعي حين تقرر أن تفضح سرًّا؟ لم تجد المواقع الرسمية إذًا بدًّا من التفاعل بشكل آخر، فانتقدت بشدة التساهل الحكومي والدراسة غير الدقيقة للحقائق التاريخية، مما جعل بروين نموذجًا للمرأة المسلمة المثالية، بينما هي دافعت بشدة عن خلع الحجاب. لكن شبكات التواصل تابعت نشر مزيد من شعرها الذي يراد له أن يختفي للأبد.

4- فروغ

“فروغ فرخزاد” شاعرة إيرانية كبيرة موهوبة للغاية ولها شهرتها العالمية، حصلت على العديد من الجوائز كشاعرة ومخرجة. عرفت منذ صغرها بجرأتها المصحوبة بالبلاغة الساحرة والخيال الواسع. عاشت حياتها امرأة عصرية متمردة ثائرة سياسيًّا واجتماعيًّا مؤمنة بالحرية والمساواة. حاربت من أجل الحصول على حضانة ابنها الذي كان يعيش مع طليقها مذ كان عمره عامًا واحدًا. انتقدت القوانين التي رأت فيها إجحافًا للنساء و”قالت معظم شعرها كامرأة”، بل “إنك لا تستطيع أن تقرأ لفروغ إلا وشعرت أن الكاتب أنثى”. ربما هذه أسباب تكفي لتنال غضب النظام وتجاهله. لن يرى الطلبة صور فروغ في كتبهم المدرسية إذًا، ولن يحفظوا قصائدها، ولن يكتبوا عنها مواضيع تعبير. لن يتذكرها الإعلام الرسمي، ولن يتردد شعرها في المناسبات الرسمية، بل إن اسمها وهي إحدى أشهر الشعراء الإيرانيين المعاصرين وأغزرهم إنتاجًا أدبيًّا وفنيًّا تم حذفه من كتاب شعراء إيران والعالم الذي نُشرت طبعته الأخيرة عام 2010.

“استمرار حكم الأقلية لا يستلزم أن يكون ماديًّا، فالارستقراطيات الوراثية كانت دائمًا قصيرة العمر، بينما بقيت منظمات رعوية مثل الكنيسة الكاثوليكية مثلاً لمئات أو آلاف السنين. إن جوهر حكم القلة ليس وراثة الابن لأبيه، وإنما هو استمرارية رؤية معينة للعالم وأسلوب معين للحياة”، من رواية 1984 لجورج أوريل.

صور فروغ لا تشبه صورة المرأة الإيرانية حين تكون مثالية في الحجاب، ومعظم قصائد فروغ لا تشبه القصائد التي يرضى عنها النظام. إذًا ماضي فروغ عصي على التزوير كما يبدو! وشبكات التواصل الاجتماعي لا تتوقف عن نشر صورها وأشعارها بشكل متزايد لدرجة تستفز الجمهورية الإسلامية التي “تحب كثيرًا إظهار المشاهير أصحاب الشعبية على أنهم منها” كما يقول الناقد الأدبي “سركوهي”. تلجأ الدولة هذه المرة للشيء الآخر الذي تملك وحدها حق احتكاره: قداسة السماء! يتحدث الإمام عن فروغ أخيرًا مرتين ليعلن في الأولى أن “خاتمة أعمالها كانت حسنة” وفي الثانية أن: “ليس لي رأي سلبي في فروغ، أظنها لم تكن سيئة جدًّا في آخر أيامها بإذن الله”.

فروغ فرخزاد

يقول سركوهي: “نشرت فروغ في أيامها الأخيرة أشعارًا ذات طابع اجتماعي شعبي، واستخدمت فيها إشارات وكلمات دينية روحانية. يحاول النظام أن ينشر هذه الأشعار ويستنتج منها أن فروغ كانت لها ميول دينية، أو أنها تابت في آخر أيامها. تتجاهل الدولة أن فروغ لم تكن إلا شاعرة تصور مجتمعها الذي كان على وشك الانفجار”.

5- مزار كبير.. وحجر قبر متواضع!

(5) مزار كبير.. وحجر قبر متواضع!

بروين وفروغ شاعرتان موهوبتان إذًا، توفيت كل منهما شابة يافعة. رحلت فروغ في عامها الثاني والثلاثين إثر حادثة سير، ورحلت بروين في عاملها الخامس والثلاثين بعد معاناة مع المرض. لكن الأولى حصلت على مزار كبير ترعاه الدولة، والأخرى لم تنل إلا حجر قبر متواضع – كما تظهر الصورة في أعلى المقال-! فرُبَّ حياة بالغة القصر تترك خلفها إزعاجًا طويل الأمد للأنظمة! لكن أيهما هي الأكثر حظًّا يا ترى؟؟ تلك التي انتشرت صورها وأشعارها في كل مكان، لكن أريد لها أن تكون رمزًا لأفكار ربما لم تؤمن بها تمامًا في حياتها؟ أم تلك التي احتفظت بماضيها كما عاشته حقًّا بينما تجاهلتها الكتب الدراسية وحوائط الشوارع ومكبرات الإعلام؟

ربما ليس من الممكن الإجابة عن هذه الأسئلة. وربما على الجمهورية الإسلامية أن تحزن حقًّا لأنها لم تعد تستطيع اختطاف تاريخ الراحلين وتزويره بنفس الإحكام كما اعتادت أن تفعل. فالانترنت الآن يضع ماضي من رحلوا أمام محبيهم ليعرفوا عنهم حقيقة ما كانوه وما عاشوا من أجله، وربما أرادوا أن يموتوا من أجله. سواء آمن متصفحو الإنترنت بكل ما آمن به أولئك الذين رحلوا عنا أو لم يؤمنوا، سواء أحبوه أو لم يفعلوا، تبقى الإنترنت هي الشبكة التي حفظت لكل راحل حقه في أن تحيي ذكراه ذاك الماضي الذي عاشه حقًّا، لا ذاك الذي أريد له أن يحمله ليكون نموذجًا للمواطن الذي يراه النظام مثاليًّا.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد