التشكيك في قدرة السعودية “كدولة” على إدارة حدث إسلامي جامع كموسم الحج ليس أمرًا جديدًا، ربما لا نبالغ إذا قلنا أنه ربما يعد نهجًا متكررًا. عدة أحداث سجلها التاريخ تعود أبرزها لفترة الثمانينيات، تؤكد على محاولات إيران إحداث أعمال عنف بالتحديد في موسم الحج، ومع تزايد المخاطر الأمنية في المنطقة، تخشى المملكة من محاولات إيران والحوثيين لفعل ما ينغص عليها إدارتها للحج، إذ أكدت إيران عقب حادثة سقوط الرافعة على موقفها السابق بعدم أحقية السعودية بالقيام على موسم الحج.

كيف انتهزت إيران حادثة الرافعة للنيل من السعودية؟

“السعوديون لا يملكون الكفاءة لإدارة شؤون الحج، ويجب سلبهم إياها ومنحها للجنة منبثقة من البلدان الإسلامية كمنظمة التعاون الإسلامي، وتقديم الخدمات للحجاج”، هكذا عقب عضو لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى الإسلامي الإيراني باقر حسيني على حادثة سقوط الرافعة التي أدت إلى وفاة 111 حاج قبل أيام، حسيني لم يكتفِ بما سبق في حديثه لـ “وكالة أنباء فارس” الإيرانية بل وصف الحكومة السعودية بأنها “لا يهمها سوى تحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية، ولا تولي أي اهتمام بالشؤون العقيدية والمعنوية، بل إنها تريد ممارسة الاستغلال وتحقيق منافعها الخاصة” وتابع حسيني قائلًا أنه “بالنظر إلى شن السعودية هجومًا على اليمن فقد فقدت الكفاءة اللازمة في إدارة شؤون موسم الحج وأن من يطلق على نفسه لقب خادم الحرمين الشريفين يمارس العدوان على المسلمين، لذلك يفتقد للصلاحية اللازمة في إدارة شؤون موسم الحج ما ينبغي للبلدان الإسلامية أن تتصدى لهذه الممارسات”.

لم يكن التصريح السابق وحيدًا من قبل الإيرانيين على حادثة سقوط الرافعة، فالمرجع الديني آية الله مكارم شيرازي اتهم السعودية بالعجز في إدارة الحرمين الشريفين، وقال: “أي عقل سليم لا يقبل أن ترفع فوق المسجد الحرام وفي مثل هذه الأيام حيث يحضر ملايين الحجاج، رافعات عملاقة لكي تؤدي عاصفة إلى سقوطها وتسفر عن سقوط المئات ما بين قتيل وجريح”.

أما النائب في مجلس الشورى الإيراني منصور حقيقت بورق فصرح قائلًا: “إن حادثة مكة دليل على عدم كفاءة وجدارة السلطات السعودية في إدارة شعيرة الحج العظيمة”.

وأدت وسائل الإعلام الإيرانية أيضًا دورًا في الهجوم على السعودية، ونشرت صحيفة “كيهان العربي” الإيرانية تقريرًا بعنوان “ينشرون الموت حتى في بيت الله الحرام”، وقالت الصحيفة: “إن السعودية غير مؤهلة لإدارة هذا المكان العظيم قبلة المسلمين، وإن المتسبب بالحادث هو إهمال السلطات وعدم أهليتها”.

واستنكرت الصحيفة كون “هذه الرافعة التي هي الأكبر من نوعها منصوبة قبل شهر رمضان بلا عمل”، وقالت: “ولو كان المشرفون على إدارة الحرم يتحلون ببعد النظر وأخذ الحيطة لأبعدوا هذه الرافعات قبل حلول موسم الحج درءًا لأي خطر محتمل، فكيف وهم يعلمون علم اليقين أن مكة المكرمة تتعرض باستمرار للعواصف والأمطار الغزيرة ولم يحركوا ساكنًا”.

هل يشكل الحوثيون تهديدًا على موسم الحج؟

حوثيون تم تداول صورهم على شبكات التواصل

هدد الحوثيون بشكل واضح ومتكرر السعودية بالرد على ضرباتها في “عاصفة الحزم” في موسم الحج، واحدة من أبرز تلك التهديدات كانت عقب حادث مسجد طوارئ عسير، وبذلك يكون قد دخل على السلطات السعودية طرف غير إيراني يهدد موسم الحج.

وتأكيدًا على هذا الموقف قامت مجموعة من الحوثيين بالتجول بلباس الإحرام في العاصمة اليمنية صنعاء تنديدًا بما أسموه منع السعودية لهم من الحج – نفت السعودية ذلك – وهدد هؤلاء السعودية بأداء فريضة الحج بالقوة.

أما الحوثي محمد المقالح، فقد كتب في السابع من شهر أغسطس الماضي، عبر صفحته على موقع “فيسبوك”، أنه “في موسم الحج سيكون هناك أمورًا لم يشهد لها التاريخ مثيلًا، دقوا يا رجال الله قبل الموسم ليتتوج نصركم يوم الوقوف على جبل عرفة”. واتخذ ذات الموقف الصحفي والقيادي في جماعة الحوثي، عبد الكريم الخيواني، إذ قال: “إن الحوثيين سوف يطوفون حول الكعبة في الحج القادم”.

وأضاف الخيواني: إن السعودية لن تتفادى حسابات منجميها بأن يطوف أنصار الله في الكعبة الحج القادم.

ما هي أهم الأحداث التي ارتكبها الحجيج الإيرانيون في مكة؟

أحداث مكة 1987

سجل في 31 يوليو 1987 حادثة تاريخية، فقد قام الحجاج الإيرانيون أثناء موسم الحج بمظاهرات أعلنوا أنها للتنديد بجرائم الولايات المتحدة الأمريكية، فما لبث أن قام الحجاج الإيرانيون بقطع الطرقات متجهين إلى الحرم المكي رافعين شعارات الثورة الإيرانية مما دفع رجال الأمن السعوديين إلى التصدي لهم، مما أدى إلى مقتل 402 شخصًا (275 من الإيرانيين، 85 من السعوديين، 45 حاجًا من بلدان أخرى).

وإثر هذا الحادث قاطعت إيران مواسم الحج في الفترة ما بين1990 و1998، قبل أن تعود وفودها إلى أداء الحج.

حادثة الحرم المكي الثانية

في عام 1987، أقدم16 حاجًا كويتيًا على تنفيذ تفجيران، مستخدمين متفجرات من نوع حربي تي إن تي، حيث قاموا بزرعها وتفجيرها، وأكدت السلطات السعودية أن هؤلاء تلقوا تعليمات من قبل محمد باقر المهدي وبالتنسيق مع دبلوماسيين إيرانيين في السفارة الإيرانية.

كان الانفجار الأول في أحد الطرق المؤدية للحرم المكي والآخر فوق الجسر المجاور للحرم المكي، ونتج عن ذلك وفاة شخص واحد وإصابة ستة عشر آخرين، وتم إعدام المتهمين في الحادي والعشرين من سبتمبر عام 1989، واستنكر المرشد العام للثورة الإسلامية في إيران على خامنئي إعدام من سماهم “الحجاج الأبرياء” متهمًا السعودية “بتعمد ارتكاب الجرائم في صفوف المسلمين”.

حادثة نفق المعيصم

تعد حادثة نفق المعيصم هي الأشد خطورة من بين الحوادث التي وقفت وراءها إيران، إذا قام حجاج كويتيون منتمون لما يعرف بـ “حزب الله الحجاز”، وبالتنسيق مع جهات إيرانية، باستخدام غازات سامة لقتل آلاف الحجاج في نفق المعيصم سنة 1989، وقامت السعودية بإعدام المتهمين بالحادثة بعد أيام معدودة، واحتجت إيران على هذا الإعدام.

ما هي مراسم «البراءة من المشركين» التي يصر الإيرانيون على إقامتها في الحج؟

يسعى الحجيج الإيرانيون إلى إقامة ما يسمونه مراسم “البراءة من المشركين”، هذه المراسم عند رجل الدين وقائد الثورة الإيرانية الخميني واجب وفرض، وهي “من أركان فريضة الحج التوحيدية، وواجباتها السياسية التي بدونها لا يكون الحج صحيحًا”.

ويُذكر أن مراسم “البراءة من المشركين”، التي كانت قد بدأت في عهد قائد الثورة الإيرانية الخميني، تأتي حسب الخبراء لإثبات قوة الثورة، في مناسبة يجتمع فيها مئات الآلاف من المسلمين حول العالم.

وتصدت السعودية باستمرار إلى أية طقوس مخالفة لفريضة الحج، إذ اعتبر المفتي العام للمملكة، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ “البراءة من المشركين” بدعة لا أصل لها في الإسلام، فرد عليه خطيب جامع طهران، الإيراني أحمد خاتمي وقال: “إن أصل “البراءة في المشركين” موجود في القرآن”.

أبرز مواقف إيران السياسية والدينية من موسم الحج

ما زالت تصريحات رجل الدين الإيراني محمد علي موحدي كرماني تصدح، عندما قال قبل عامين أن الحج وبيت الله الحرام “أسيران بيد الوهابيين”، بل اتهم كرماني السعودية بأنها لا تسمح للمسلمين بتأدية مناسك الحج كما ينبغي، مضيفًا: “إن كانت الكعبة قائمة فإن الدين سيكون قائمًا، وسيصبح الناس قائمين ببركة الحج ويقفون على أقدامهم ويستقلون ويتخذون قراراتهم بأنفسهم وينالون العزة، وكل هذا يحصل ببركة هذا التجمع العظيم الذي يتشكل في أطراف الكعبة”.

وانتهزت إيران قبيل موسم الحج هذا، حادثة تحرش بشابين إيرانيين في مطار جدة الدولي، حيث طالب ممثل المرشد الإيراني لشؤون الحج والزيارة “قاضي عسكر”، بأهمية عزل الحج عن العلاقات السياسية السعودية – الإيرانية، وقال في حديثه لوكالة “ارنا” الإيرانية: “هناك ضرورة لتيقظ الحجاج إزاء مؤامرات الأعداء الهادفة إلى بثّ الفرقة بينهم”.

بل سمحت الحكومة الإيرانية، لشاعر مشهور يدعى مصطفى بادكوبه ئي، بنشر قصيدة بعنوان “اترك الحج”: “اترك هذا الجهل والكسل، ولا تدعم الشيخ السعودي، إن الله ليس في كعبة العرب”، متابعًا: “طلب الرّب ليس اللعب مع الله، طَهِّر قلبك لترى الحق، وانضم إلى الحق بكل وجودك”. وأضاف: “هل سلب الشيخ (السعودي) عزتك؟ هل اقتادك إلى قصر جهله؟”.

وعبّر الشاعر الإيراني في قصيدته عن أمله في أن يصدر (الفقهاء) في إيران فتوى بتحريم الحج، قائلًا في قصيدته: “ماذا لو الفقيه الصادق والشجاع ينادي من أعماق قلبه، ويُحرِّم الحج، وينفخ روح المناعة في وجودنا”.

عرض التعليقات
تحميل المزيد