أحمد الدباغ 17
أحمد الدباغ 17

2,238

بعد طول انتظار وشد وجذب، واتفاقات ما فوق الطاولة وتحتها، انتخب البرلمان العراقي في جلسة سرية محمد الحلبوسي رئيسًا للبرلمان العراقي السبت 15 أيلول (تشرين الثاني)؛ لتغلق الحلقة الأولى من ثلاث حلقات مفضيةً إلى تشكيل الحكومة القادمة في العراق، الأسطر التالية تقرأ في حيثيات انتخاب الحلبوسي، وسبب عدم دخول الكتل السنية بمرشح واحد، وتأثير الدول الإقليمية في ذلك.

الرئيس الأصغر سنًا .. من هو محمد الحلبوسي؟

يعد رئيس البرلمان الجديد أصغر رئيس برلمان في العراق منذ عام 2003، وهو محمد ريكان حديد علي الحلبوسي من مواليد 1981 من محافظة الأنبار شرق العراق، حصل على شهادتي البكالوريوس والماجستير من الجامعة المستنصرية في بغداد متخصصًا بالهندسة المدنية، عمل الحلبوسي في القطاع الخاص في السنوات التي سبقت دخوله إلى عالم السياسة؛ إذ كان عام 2014 هو أول ظهور سياسي للحلبوسي بفوزه بمقعد في البرلمان العراقي عن محافظة الأنبار في الانتخابات التي جرت عام 2014، واستمر في منصبه البرلماني حتى عام 2017، عندما اختاره مجلس محافظة الأنبار محافظًا بعد استعادة المحافظة من سيطرة «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»؛ ليترك بذلك مقعده البرلماني، رشح الحلبوسي بعد ذلك في الانتخابات الأخيرة التي جرت في أيار (مايو) الماضي، وفاز بمقعد برلماني؛ ليتولى بعد ذلك الحلبوسي رئاسة البرلمان العراقي في 15 أيلول (سبتمبر) الجاري.

يقول الصحافي العراقي محمد خضر في حديثه لـ«ـساسة بوست»: «إن انتخاب الحلبوسي رئيسا للبرلمان كان مفاجأة للعراقيين؛ حيث إن اسمه لم يكن مطروحًا في بادىء الأمر ضمن المرشحين، إلا أن الاتفاقات السياسية أوصلته للمنصب»، وأضاف خضر أن الحلبوسي يعد أصغر رئيس للبرلمان في العراق على الإطلاق، وبانتخابه خرج المنصب من قبضة الشخصيات السياسية التي كانت تتولاه منذ عام 2003، بحسبه.

الهيمنة الاقتصادية على العراق.. طريق إيران الممهد لتجنب عقوبات ترامب

صفقات سياسية وإقليمية أوصلته للمنصب

انتخب الحلبوسي رئيسًا لمجلس النواب العراقي بعد حصوله على 169 صوتًا في البرلمان العراقي من مجموع 298 نائبًا حضروا جلسة التصويت في البرلمان الذي يبلغ عدد مقاعده 329 مقعدًا، فيما حصل منافسه وزير الدفاع الأسبق خالد العبيدي على 85 صوتًا وأسامة النجيفي على 19 صوتًا.

يؤكد المحلل السياسي محمد العبيدي في حديثه لـ«ساسة بوست» أن الطريقة التي جرت بها طريقة انتخاب الحلبوسي رئيسًا للبرلمان تعد سابقة منذ عام 2003؛ إذ إن العرف السياسي المعمول به في العراق ينص على أن يكون منصب رئيس البرلمان من حصة المكون السني، فيما تكون حصة الأكراد رئاسة الجمهورية، بينما يكون منصب رئاسة مجلس الوزراء من حصة المكون الشيعي.

ويوضح العبيدي أن انتخاب رئيس مجلس النواب في الدورات السابقة للبرلمان كان يتم عن طريق تسمية مرشح وحيد عن السنة لتولي هذا المنصب من خلال مفاوضات تسبق جلسة التصويت على اختياره، مشيرًا إلى أن الخلافات بين الكتل السنية في البرلمان، إضافة إلى ميول نواب سنة آخرين للمحور الإيراني، أدت إلى ترشيح تسعة نواب لتولي المنصب، إلا أن المنافسة انحصرت في النهاية بين ثلاثة مرشحين، هم كل من: محمد الحلبوسي الذي انتخب رئيسًا للبرلمان ووزير الدفاع السابق المرشح عن كتلة النصر خالد العبيدي ونائب رئيس الجمهورية أسامة النجيفي، بحسبه.

إيران تنتصر وأمريكا تخسر مجددًا

رغم الضغوط الأمريكية التي يمارسها البيت الأبيض والرئيس الأمريكي دونالد ترامب على النظام الإيراني من أجل حصر نفوذه في منطقة الشرق الأوسط، جاء انتخاب الحلبوسي رئيسًا للبرلمان العراقي ليسلط مزيدًا من الضوء على النفوذ الإيراني الكبير في العراق، يقول الخبير الأمني والاستراتيجي هشام الهاشمي: «إن إيران تمكنت من حصد نقطتين لصالحها بانتخاب الحلبوسي رئيسًا للبرلمان، فيما خسرت الولايات المتحدة ثلاث نقاط»، وبحسب الهاشمي فإن إيران تمكنت – ومن خلال قائد «فيلق القدس الإيراني» قاسم سليماني – من توحيد البيت الشيعي من خلال توحيد مواقف كل من الصدر والعامري، فضلًا عن إيفاء طهران للوعود التي قطعتها للنواب السنة الذين انضموا لكتل تدعمها طهران.

ويضيف الهاشمي أن الولايات المتحدة متمثلة بمبعوثها إلى العراق بريت ماكغورك خسرت من خلال فشلها في تقسيم الشيعة، وخسرت كذلك في الوعود التي قطعتها للنواب السنة، والتي كانت تنص على جعلهم أكثر تأثيرًا في السياسة العراقية، وأخيرًا فشل تهديدات واشنطن للنواب السنة الذين انضموا للمعسكر الإيراني، بحسب الهاشمي.

وفي هذا الصدد، يقول أستاذ العلوم السياسية محمد عزيز: «إن إيران استطاعت – ومن خلال نفوذها – أن تنهي جولة انتخاب رئيس البرلمان لصالحها، واستطاعت كذلك تشتيت البيت السني المشتت أصلًا، وإنهاء دوره السياسي كقوة فاعلة في مجلس النواب»، بحسبه.

عزيز أوضح أن إيران ومن خلال كتلة البناء التي يتزعمها هادي العامري ونوري المالكي، استطاعت تقسيم الكتل السنية وكسب العديد من النواب الذين انضموا فعلًا للمحور الإيراني، ونتيجة لذلك فإن إيران استطاعت في سابقة هي الأولى منذ عام 2003 أن ينتخب البرلمان العراقي رئيسًا من بين أكثر من مرشح سني للمنصب، ويكون من محورها؛ ما شتت أصوات النواب السنة، وأنهى دورهم السياسي لأربع سنوات قادمة، بحسب عزيز.

في السياق ذاته، اعتبر السياسي العراقي وعضو تحالف القوى الوطنية، محمد عبد الله، أن تقديم الحلبوسي الولاء لزعيم تحالف البناء هادي العامري مسألة طبيعية في ظل الدعم الكبير الذي حصده الحلبوسي من تحالف البناء في الظفر بمنصب رئاسة مجلس النواب، لافتًا إلى أن جميع المعطيات تشير إلى مزيد من التقارب بين العراق وإيران في المرحلة المقبلة، بحسبه.

العراق الحزين.. كيف شكلت المآسي شخصية العراقيين عبر مئات السنين؟

الولايات المتحدة .. فشل مركب في العراق

نجحت طهران ورغم معارضة الولايات المتحدة، في أن يتولى أحد حلفائها منصب رئاسة البرلمان المحسوب على السنة، يقول الصحافي العراقي أنس مرشد في حديثه لـ«ساسة بوست»: إن الولايات المتحدة وبعد أن كان لها الدور الأكبر في استعادة الحكومة العراقية للمحافظات التي كانت تقبع تحت سيطرة (داعش)، لم تفشل في زعزعة النفوذ الإيراني فحسب، بل فشلت في الحفاظ على الحالة السياسية التي كانت قائمة في البلاد منذ 15 عامًا.

فبعد أن كان رئيس مجلس النواب خلال الدورات السابقة – بحسب مرشد – يسبب بعض «الصداع» لطهران، بات المنصب الذي يحسب على السنة في صالح إيران، وأشار مرشد إلى أن انحياز الحلبوسي لإيران ظهر جليًا في أول اتصال هاتفي رسمي بينه وبين رئيس مجلس النواب الإيراني علي لاريجاني، والذي أكد خلاله الحلبوسي على أن العقوبات الأمريكية على طهران غير منصفة، وأن العراق سيدعم إيران ولو كان ضد الولايات المتحدة، بحسب مرشد.

Embed from Getty Images

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

مرشد أوضح أن الميول الايرانية لدى الحلبوسي باتت جلية وواضحة للعيان كذلك من خلال عدم رفضه تصريحات النائب عن حزب الفضيلة عمار طعمة في الجلسة الأخيرة للبرلمان، والتي وصف فيها ربط العاصمة بغداد بخلفاء العهد العباسي في عهد كل من هارون الرشيد والمأمون بـ«وصمة العار» الأمر الذي لم يرفضه الحلبوسي، بل أكد لطعمة أن وجهة نظره مقبولة، بحسب مرشد.

من جانبه يرى المحلل العسكري حسن العبيدي في حيثه لـ «ساسة بوست» أنه وبانتخاب الحلبوسي رئيسا للبرلمان باتت إيران في فسحة سياسية جديدة في العراق، إذ إن رئيس البرلمان لديه صلاحية تأجيل الجلسات البرلمانية ورفعها، فضلًا عن إمكانيته في طرح مشاريع قوانين جديدة، قد يكون من بينها الدعوة إلى مغادرة القوات الأمريكية بعد تراجع نفوذ (داعش) في البلاد، مشيرًا إلى أن التواجد العسكري الكبير للولايات المتحدة لا يكفيها لمعادلة النفوذ السياسي لها مع طهران التي بات نفوذها العسكري يمتد من مدينة تلعفر شمالا، وحتى الفاو جنوبا، بحسبه.

تركيا  تغادر لعبة العراق مبكرًا

ليست الولايات المتحدة وحدها من خسر الجولة لصالح إيران؛ فتركيا هي الأخرى خسرت سياسيا بانتخاب الحلبوسي رئيسًا للبرلمان العراقي، وفي هذا الصدد يقول أستاذ العلاقات الدولية في جامعة بيان الدكتور علي بشار: إن إيران فازت بثلاثية نظيفة على تركيا؛ إذ يشير أغوان في مقال مطول نشره على صفحته الشخصية أن إيران انتصرت على تركيا بـ«هاترك» سجله العامري في مرمى الأتراك وحسم عملية انتخاب الحلبوسي رئيسًا للبرلمان.

بشار أوضح أن إيران ستلعب كل المباريات، ومن الواضح أيضًا أن الآخرين سيلعبون مباراة واحدة، أو مباراة ونصف بأفضل الأحوال بما فيهم الولايات المتحدة، مضيفًا أن تركيا بذلك تودع بطولة العراق لتشكيل الحكومة وبيع المناصب مبكرًا على اعتبار أن منصب رئاسة البرلمان – بحسب ما يقول عنه الأتراك – إنه من حصتهم؛ كونهم سنة والمنصب للسنة، بحسب بشار.

تحليلات كثيرة يتداولها المحللون العراقيون حول سبب انشقاق الكتل السنية قبيل جلسة انتخاب رئيس البرلمان، ومنها أن الخلاف القطري السعودي انعكس على تشتت البيت السني؛ إذ يشير الصحافي العراقي احمد في حديثه لـ«ساسة بوست» إلى أن الخلاف السعودي القطري ودعم كل من هاتين الدولتين لشخصية معينة انعكس سلبًا على تشتت البيت السني، ذلك أن قطر حليفة تركيا كانت تدعم أسامة النجيفي لتولي المنصب، بينما دعمت السعودية زعيم المشروع العربي خميس الخنجر لتولي إحدى قيادات المشروع للمنصب، وعندما لم يتفق الطرفان على مرشح وسط انسحب الخنجر من كتلة المحور الوطني التي كانت تضم الرجلين؛ ما أدى الى تفرق النواب السنة بين أكثر من جهة، بحسب واجد.

فيديو يشرح لك: لماذا تتكرر احتجاجات العراقيين؟