أن تكون صحفيًّا في إيران هو الحجيم، لكن هناك ما هو أسوأ من الجحيم ، أن تكون مراسلًا لإحدى الوكالات الإخبارية العالمية، حينها تنتظر الاعتقال في أي وقت. *هكذا يروي «نيما» الصحفي الإيراني لـ«ساسة بوست» صعوبة أن تكون صحفيًّا أو مراسلًا أجنبيًّا في إيران.

«إعلام العدو»

بدأت الحرب على المراسلين الأجانب في إيران منذ عام 2009، إذ كان لمراسل هيئة الإذاعة البريطانية دور كبير في نقل الأحداث والمظاهرات التي اندلعت عقب إعلان فوز أحمدي نجاد بفترة رئاسية ثانية.

في العام الماضي كتب رئيس تحرير إحدى الصحف الإيرانية المحسوبة على الحرس الثوري مقالًا يصف فيه وسائل الإعلام الغربية بأنها «وسائل إعلام العدو»، وأضاف أن أي شخص سواء كان إيرانيًا أو مراسلًا أجنبيًا يغطي الأحداث في إيران ويتعامل مع تلك المنصات الإعلامية، فهو جاسوس ولا بد أن يعاقب بأقصى عقوبة.

برر رئيس التحرير غضبه من وسائل الإعلام الأجنبية بأن إيران ما زالت في حرب «ناعمة» مع الغرب، ولا بد أن يحترس النظام والشعب الإيراني من هؤلاء المراسلين، فهم مجرد جواسيس وأداة في يد الغرب لتشويه سمعة الجمهورية الإسلامية.

علي صحفي إيراني بإحدى وكالات الأخبار الإيرانية الرسمية يؤكد الرأي السابق، ويرى أن المراسلين الأجانب ما هم إلا مجموعة من الجواسيس، فيقول لـ«ساسة بوست»: «لا يريدون سوى تخريب إيران، استطاعوا أن يزيدوا الأمور سوءًا في عام 2009، وأرادوا أن يفعلوا نفس الفعل في المظاهرات الأخيرة، لكن النظام الإيراني كان قد كشف ألاعيبهم، ومنعهم من دخول إيران».

الحرب على «بي بي سي»

في أغسطس (آب) عام 2017 أعلن القضاء الإيراني تجميد أصول وممتلكات 150 موظفًا (سابقين وحاليين) من العاملين في هيئة الإذاعة البريطانية-الخدمة الفارسية، وأنهم ممنوعون من إجراء أي تعاملات مالية داخل إيران.

وبررت السلطات الإيرانية قرار القضاء بأن «بي بي سي» بثت أخبارًا مغلوطة عن إيران، وجميع الصحفيين الإيرانيين العاملين في تلك الهيئة بمثابة أعداء للجمهورية الإسلامية الإيرانية، منذ عام 2009 والنظام الإيراني يكن العداء لجميع وسائل الإعلام الغربية وبالأخص «بي بي سي-الخدمة الفارسية» التي تبثها هيئة الإذاعة البريطانية.

Embed from Getty Images

مظاهرات إيرانية معارضة لـ«بي بي سي-الخدمة الفارسية»

وفي عام 2010 قامت السلطات الإيرانية بحجب القناة التلفزيونية لـ«بي بي سي فارسي»، والموقع الخاص بالقناة من إيران، وبالرغم من كل ذلك ما زالت المحطة تحظى بشعبية كبيرة داخل إيران بحسب قول أمير عظيمي مدير الخدمة الإخبارية باللغة الفارسية في القناة.

نظرية المؤامرة

لم يكتفِ النظام الإيراني بحملات تشويه الإعلام الغربي، والتضييق على عمل المراسلين داخل إيران ولكن ذهب إلى ما هو أبعد، بدأ في اعتقالهم وتبنَّى «نظرية المؤامرة» فيما يخصّ عملهم داخل البلاد. ففي عام 2015 اعتقل الأمن الإيراني جيسون رضائيان مراسل جريدة «واشنطن بوست» في إيران، رضائيان إيراني يحمل الجنسية الأمريكية ويعمل مراسلًا للجريدة في إيران منذ عدة سنوات.

يقول رامين الصحفي الإيراني لـ«ساسة بوست»: «وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي كانت قد قامت بإخطار رضائيان قبل اعتقاله بأن يغير من تقاريره التي يقوم بنشرها عن الأوضاع داخل إيران، وحينما لم يعرهم انتباهًا قاموا باعتقاله».

ظل رضائيان بالسجن مدة 18 شهرًا وتم اتهامه من قبل القضاء الإيراني بتهمة التآمر ضد النظام الإيراني ونشر أخبار كاذبة، وتم الإفراج عنه مع ثلاثة صحفيين أمريكين في صفقة لتبادل السجناء بين إيران والولايات المتحدة بعد الاتفاق النووي. مما جعل البعض في إيران يستنتج أن الأمن الإيراني اعتقل رضائيان لاستخدامه في الضغط على الولايات المتحدة في أثناء المباحثات بخصوص الاتفاق النووي.

لم يتوقف الأمر عند رضائيان فقط، ففي نوفمبر(تشرين الثاني) عام 2016 ألقت السلطات الإيرانية القبض على الصحفية الإيرانية-البريطانية نازانين زغارى والتي تعمل لدى مؤسسة «رويترز» الإخبارية، بتهمة التخابر مع الغرب ضد إيران وتم الحكم عليها بخمس سنوات، كانت نازانين في زيارة إلى إيران ضمن برنامج تدريبي للصحفيين الإيرانيين، لكن نفت أسرتها هذا الأمر عندما اتهمها القضاء الإيراني بتهمة جديدة في عام 2017 وهي التآمر لقلب نظام الحكم، وقالت أسرتها إن نازانين ذهبت إلى إيران لزيارة عائلتها فقط.

التهديد بالقتل

لا يضطهد النظام الإيراني فقط المراسلين الأجانب، بل امتد الأمر ليشمل أيضًا الصحفيين الإيرانيين العاملين بوسائل الإعلام المعارضة. تعمل سيما (اسم مستعار) صحفية في الموقع الإخباري «راديو فردا» المعارض والذي يبث من خارج إيران، تقول سيما لـ«ساسة بوست»، «تلقيت العديد من التهديدات بالقتل لكوني صحفية معارضة للنظام، لكن لم تكن تلك المشكلة، فالمشكلة الأكبر هي أن عائلتي ما زالت في طهران ووصلتهم أيضًا تهديدات بالقتل».

سيما ليست الصحفية المعارضة الوحيدة التي تتلقى تهديدات بالقتل، فأغلب الصحفيين الإيرانيين العاملين في وكالات ومواقع اخبارية معارضة يتلقون نفس التهديدات، لكن الذي يؤرق هؤلاء الصحفيين أن أكثرهم عائلاتهم هم الذين يعتبرون تحت التهديد.

تقوم وزارة الاستخبارات الإيرانية باستدعاء أسر الصحفيين الإيرانيين العاملين سواء في وكالات إيرانية معارضة أو وكالات إخبارية غربية، واستجواب أهالي هؤلاء الصحفيين. وتتم تلك العملية بشكل دوري كل فترة، بجانب أن هؤلاء الصحفيين ممنوعون من دخول إيران لرؤية ذويهم، وحتى إن حاولت عائلاتهم السفر لزيارتهم يتم رفض الأمر من قبل وزارة الاستخبارات.

ميرزا (وهو اسم مستعار لصحفي إيراني يعمل في موقع إخباري معارض يقول لـ«ساسة بوست»، «تلقيت تهديدًا بقتل والدتي، لست شجاعًا بالقدر الكافي لتحمل ذلك الأمر فتركت عملي خوفًا على والدتي».

وزارة الثقافة: «نحن نساعد المراسلين الأجانب»

على الجانب الآخر كانت وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي (الجهة المعنية بإصدار تصريحات المراسلين) قد أصدرت بيانًا في عام 2016، تقول فيه إنها تقدم كافة التسهيلات في استخراج التصاريح الخاصة بالعمل الصحفي داخل إيران للمراسلين الأجانب، وتسهل أيضًا افتتاح مكاتب الوكالات الأجنبية الراغبة بالتواجد داخل إيران.

وبخصوص هذا الأمر يقول مرتضى علي رضا المسئول عن تصاريح المراسلين داخل وزارة الثقافة لـ«ساسة بوست»: «إننا نرحب بالمراسلين الأجانب وغير صحيح أمر أننا نعرقل وجودهم داخل الجمهورية الإيرانية، فكل مراسل تتوافر فيه المعايير المطلوبة، يحصل على تصريح في غضون أسبوع». وإن لم يوضح علي رضا ما هي تلك المعايير التي يجب أن تتوافر في المراسل الأجنبي الراغب في تغطية الأحداث في إيران.

يوجد في إيران حوالي 141 من وسائل الإعلام الدولية، أغلبها وكالات ذات توجه شيعي مثل المنار، وقناة بلادي، والفرات وقناة القدس، والميادين. كما أن لدى جريدة السفير اللبنانية وجريدة الاتحاد الإماراتية مكاتب في طهران.

وتكثر في إيران كذلك مكاتب لوسائل إعلام يابانية وصينية مثل قناة CCTV ووكالة شينخوا، وكالة كيودو اليابانية بجانب وكالة إيتار تاس الروسية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد