تشارك إيران للمرة الخامسة في تاريخها في كأس العالم لكرة القدم بروسيا؛ بصورة تختلف كثيرًا عن المرّات السابقة؛ لأسباب لها علاقة

بتأزّم موقفها السياسي، بعدما نقضت أمريكا الاتفاق النووي الإيراني، وأصدرت أوامرها إلى الشركات الأمريكية بمقاطعة إيران، تزامنًا مع مساعي بعض الدول الخليجية لتأليب العالم على إيران، وقطع علاقاتها معها.

 

وسط كل هذه التفاعلات الخارجية؛ تمرّ إيران داخليًّا بتغييرات سياسية كُبرى، وحضور واسع لتيار المحافظين الذي نجح في فرض سطوته على البلاد، فضلاً عن الأزمات الاقتصادية. كُل هذه الوقائع انعكست على المنتخب الإيراني لكرة القدم؛ ليجد نفسه مأزومًا أمام كم المشاكل التي شكّلت عقبة كبيرة أمام إتمام إعداده فنيًّا كما ينبغي للمُشاركة في هذه الدورة من كأس العالم.

 

 

تركي آل الشيخ ليس الأول.. الأندية المصرية ورحلة عقود من البحث عن «شوال الرز»

إيران.. مُمثل آسيا المُشرّف في كأس العالم دومًا

للمرة الخامسة في تاريخها؛ تتأهل جمهورية إيران الإسلامية لنهائيات كأس العالم 2018 بعد فوزها على منتخب أوزبكستان بهدفين دون رد، دون أي هزيمة خلال هذا الدور من التصفيات، بعدما حققت الفوز في ست مباريات والتعادل في اثنتين. لم يكن هذا الصعود طفرةً للمنتخب الإيراني؛ فهو الفريق المصنف من جانب الفيفا بوصفه واحدًا من أقوى المنتخبات الآسيوية في كرة القدم، وحفلت مُشاركاته السابقة في كأس العالم بتألق لافت، وحضور مُميز أمام كُبرى منتخبات العالم.

Embed from Getty Images

جماهير إيرانية في إحدى المباريات المؤهلة لكأس العالم

 

ويُوجز تاريخ مُشاركة إيران في كأس العالم بالنظر إلى الأرقام التي حققها؛ إذ لعب منتخبها الوطني 12 مباراة، فاز مرة واحدة، وتعادل ثلاث مرات، وخسر ثماني مرات، كما سجّل سبعة أهداف ودخل شباكها 22 هدفًا. وكانت أولى مُشاركاته بكأس العالم في عام 1978، بينما كان آخر تمثيل له في دورة البرازيل 2014.

 

لا تغيب كذلك عن ذاكرة مُتابعي كرة القدم حول العالم نجوم إيران، التي شهدت ملاعب أوروبا والعالم ببزوغ عدد كبير منها في الساحات الأوروبية والدولية، كعلي كريمي الذي شارك في 127 مباراة دولية وسجل 38 هدفًا، كما شارك في كأس العالم 2006 واختير أفضل لاعب في آسيا عام 2004، وعلي دائي أفضل لاعب في تاريخ إيران، كما أنه اللاعب الوحيد الذي تخطى حاجز 100 هدف دولي، واختير عام 1999 أفضل لاعب في آسيا، وشارك في كأس العالم في نسختي 1998 و2006.

 

في بطولة كأس العالم 2014 التي أقيمت في البرازيل، حظي أداء المنتخب الإيراني بإعجاب لافت من جمهور كرة القدم حول العالم، بعد النتائج المتقدمة التي حققها، خصوصًا مباراته مع منتخب الأرجنتين التي هُزم فيها بثلاثة أهداف مقابل هدف وحيد، على الرغم من العرض الكروي الممتع الذي قدمه لاعبو المنتخب الإيراني، وإهداره الكثير من الفرص التهديفية الكثيرة التي تصدى لها حارس مرمى الأرجنتين سيرجيو روميرو، وكانت سببًا في فوز منتخب بلاده.

Embed from Getty Images

مشجعون إيرانيون في مباراة إيران والمغرب

 

تحقق لمنتخب إيران شعبية كبيرة من وراء هذه العروض الكروية الرائعة؛ وخرجت عدّة مظاهرات داعمة للفريق الإيراني في عدة مدن كثيرة حول العالم، خصوصًا بعدما تجاهل الحكم احتساب ضربة جزاء صحيحة لصالحه في مباراته أمام الأرجنتين.

إنجاز إيران في التأهل لكأس العالم تزامن مع صعودها لنهائيات كأس العالم تحت 17 سنة، وكأس العالم تحت 20 سنة، وكأس العالم لكرة الصالات، وكأس العالم للكرة الشاطئية، بصورة عكست طموحات فريق يأبى أن تكسره اختيارات السلطة السياسية التي يناوش بها كُبرى دول العالم.

وفقًا للموقع الرسمى للفيفا، فكرة القدم الإيرانية ينتظرها مستقبل باهر، وذلك على خلفية النتائج الإيجابية التي حققها المنتخب الإيرانى في كافة المستويات.

 

في المُباراة الأولى للمنتخب الإيراني بكأس العالم لعام 2018 أمام المغرب؛ أدى لاعبو المنتخب مباراة جيدة أمام منافس قوي في المواجهة الأولى له، وحقق منتخب إيران فوزًا مهمًّا على المنتخب المغربي، ليزيد من فرص تأهله بالمجموعة الصعبة التى تضم بجانب الفرقتين كلاً من البرتغال وإسبانيا.

جواهر سمراء.. أسماء أفريقية شابة قد تلمع في مونديال روسيا 2018

«المنبوذ»: الأغلبية ترفض مواجهته وديًّا.. والشركات الرياضيّة تقاطعه

النجومية المعتبرة للاعبيه، والصعود الدائم لكأس العالم، لم يكن كفيلاً للمنتخب الإيراني لإمضاء فترة تأهيل جيدة؛ إذ كانت المشاكل التي واجهته من بوابة الأزمات السياسية التي تمر بها إيران عاملاً رئيسيًّا في معاناة كُبرى في فترة الاستعدادات.

 

Embed from Getty Images
الرئيس الإيراني حسن روحاني

 

تمثلت الأزمة الكُبرى في خروج الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي الإيراني، وفرض عقوبات جديدة ليس على طهران فحسب، بل على كل الدول والشركات التجارية الأمريكية والأوروبية التي تتعامل مع إيران. وانعكست تداعيات هذا القرار على صعوبات كبيرة في توفير ملابس المنتخب، خصوصًا بعدما صدر بيان عن شركة الملابس والأدوات الرياضية الأمريكية «نايكي»، تقول فيه إنها «أوقفت إمداد منتخب إيران بالأحذية، وذلك قبل يومين من انطلاق كأس العالم، ليعد أثرًا واضحًا على فرض الحكومة الأمريكية عقوبات على إيران، وهو ما يعني أنها بصفتها شركة أمريكية لا تستطيع توفير أحذية للاعبي منتخب إيران خلال هذا التوقيت».

 

«لا لنايكي» كان هذا هو أحد الهاشتاجات المتداولة على حسابات الإيرانيين على شبكات التواصل الاجتماعي، كوسيلة لمقاطعة منتجات العلامة الرياضية الشهيرة، بينما عبّر مدرب المنتخب عن غضبه من جراء هذا القرار: «إنها خطوة سخيفة وغير ضرورية، أين الفيفا؟ يجب أن تتقدم نايكي باعتذار».

 

وبعد الفوز في مباراة المنتخب الإيراني الأولى مع المغرب، عمّت الفرحة وسائل التواصل الإجتماعيّ في إيران، واستخدم الهاشتاج عبارة «لقد فعلناها بدونكم» للردّ على شركة نايكي وضد قرارها تجاه منتخبهم الوطنيّ.

 

امتدت المشاكل إلى رفض منتخبات عالمية كثيرة خوض لقاءات ودية مع إيران في مرحلة الاستعداد، وذلك كحال المنتخب اليوناني الذي اعتذر عن اللعب، ومنتخب كوسوفو؛ وكذلك ليبيا التي ألغت مباراتها معها، لتكون ليتوانيا والجزائر هي الملجأ الأخير لخوض مباراة ودية معها.

يعكس ذلك ما قاله مدرب المنتخب الإيراني، البرتغالي كارلوس كيروش في محاولة للردّ على الانتقادات الموجّهة للفريق: «إنهم ينتقدوننا كثيرًا، لكن على من يفعل ذلك أن يعلم أن إيران تعاني من مشاكل، لا أحد يريد أن يلعب معنا».

 

كان الانعكاس الأوضح لمشاكل إيران السياسية على منتخبها وخريطة تحالفاتها الجديدة، هو رفض أغلب الدول الأوروبية استضافة معسكر تدريبي لمنتخبها قبل خوض مباريات كأس العالم في روسيا، على خلاف تركيا التي استضافت معسكره التدريبي، وخاض منتخبها لقاءً وديًّا مع نظيره الإيراني في 28 مايو (أيار)، وذلك في مشهد يعكس كذلك التقارب السياسي بين البلدين في الأشهر الأخيرة.

 

من صلاح إلى زيدان.. كيف تأثرت قرى النجوم المسلمين بعد تألقهم في أوروبا؟

تشدّد المحافظين والأزمة الاقتصادية.. المنتخب الإيراني يدفع الثمن

لا ينفصل الشأن الداخلي لإيران -سواء أكان يتعلق ذلك باقتصاد مأزوم أم توسع نفوذ وسلطات المحافظين- على أوضاع كرة القدم عمومًا، والمنتخب الإيراني خاصة.

Embed from Getty Images
جماهير إيرانية داعمة للمنتخب في روسيا

 

قبل شهور مرّت إيران بأزمة مالية دفعت الآلاف للخروج في تظاهرات غاضبة تطالب برفع أجورهم، وتحسين أنماط حياتهم المعيشية، وتوفير فرص عمل، خصوصًا بعد ارتفاع نسب البطالة، وذلك وفقًا لما ذكره الموقع الرسمي للبنك الدولي من أن معدَّل البطالة في إيران بلغ نحو 12.7% (أو 3.3 مليون عاطل عن العمل)، وهو أعلى مستوى له خلال ثلاث سنوات في الربع الثاني من العام المالي 2016.

 

كان الانعكاس الأبرز لهذه الأزمة المالية على المنتخب الإيراني بالتأخر في سداد مستحقات المدرب البرتغالي كارلوس كيروش، الذي قدّم استقالته على إثر هذه الأزمة المالية بعد خمس سنوات من العمل، قبل أن يتراجع عنها بعد جلسات جمعته مع مسئولي اتحاد كرة القدم الإيراني، والتعهد بالالتزام بسداد راتبه السنوي الذي يُقدر بنحو 1.9 مليون يورو.

انعكس كذلك تعزيز نفوذ قبضة المحافظين في إيران على استبعاد بعض اللاعبين المخالفين للخط السياسي لإيران، كحال قائد المنتخب الإيراني مسعود شجاعي، وإحسان حاجي صفي اللذين يلعبان مع فريق پانیونیوس اليوناني، بسبب مُشاركتهما في مباراة مع فريقهما ضد فريق إسرائيلي، خصوصًا أن إيران لا تعترف بدولة إسرائيل، وتمنع رياضييها من المنافسة أمام ممثلين لها.

يشترك في أسباب استبعاد شجاعي كذلك – حسب مراقبين- انتقاده قرار التيار المحافظ بمنع دخول النساء للملاعب الرياضية، ومطالبته الرئيس الإيرانى بإلغاء هذا القرار، موجهًا له رسالة قال فيها «هل يعقل أن يشاهد لعبي كل الإيرانيين إلا أمي؟ وهل يليق بإيران أن ترجع إلى الوراء في الوقت الذي تسمح فيه السعودية للنساء بدخول الملاعب الرياضية؟».

 

كما كان شجاعي قد طالب الرئيس روحاني سابقًا بالسماح للنساء بدخول الملاعب لمشاهدة المباريات، وتمنع السلطات الإيرانية منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979 النساء من حضور المنافسات الرياضية، أبرزها كرة القدم للرجال والمصارعة، وتبرر ذلك بالحرص على حمايتهن من أجواء الملعب، وسلوك المشجعين الفظ، بينما تسمح للمشجعات الأجنبيات بالحضور في المباريات.

 

في الساعات الأخيرة من سفر المنتخب الإيراني للمعسكر التدريبي، نجح البرتغالي كيروش في مُمارسة ضغوط واسعة على مسئولي الرياضة في البلاد، والتلويح بالاستقالة مجددًا إذا لم يُسمح لشجاعي باللعب ضمن المنتخب، وهي المسألة التي رضخت لها إيران بالسماح لأحد أبرز لاعبيه بالمُشاركة، خصوصًا في ظل مساندة الاتحاد الدولي لضغوط المدرب البرتغالي.

 

حصل على 24 بطاقة حمراء.. هل يستحق سيرجيو راموس جائزة «اللعب الخبيث»؟

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!