أصدر مصطفى الكاظمي، رئيس الوزراء العراقي الجديد، أوامر مشددة، بضرورة حصول المسؤولين الإيرانيين ومن ضمنهم قائد قوة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني، الجنرال إسماعيل قاآني، على تأشيرة وفود رسمي، عندما يرغب في زيارة العراق. ووفقًا لعدة تقارير إخبارية، فإن زيارة قاآني الأخيرة إلى بغداد، في وقت سابق من هذا الشهر، كانت بعد حصوله على تأشيرة دخول.

عندما تقرأ الفقرة السابقة، قد تشعر أن الأمر قد اختلط عليك، أو أنك أسأت فهم الكلام، فقد كان قاسم سليماني، يدخل الأراضي العراقية وقتما شاء، دون أي تأشيرات، وكأنه يتنقل من محافظة إلى أخرى في إيران، لكن ومنذ اغتياله مطلع العام الحالي، في غارة جوية أمريكية بالقرب من مطار بغداد الدولي؛ تغيرت الكثير من الأمور، التي لم يكن من الممكن التكهن بها قبل اغتيال سليماني.

نفوذ إيران في العراق بدأ قبل الغزو الأمريكي

يعتقد البعض أن إيران بدأت في خطتها للسيطرة على العراق، بعد الغزو الأمريكي والإطاحة بنظام صدام حسين عام 2003، لكن هذا الاعتقاد يبدو خاطئًا شيئًا ما. فبعد حرب الثماني سنوات الدامية بين العراق وإيران في الثمانيات، أدركت طهران، أنه يجب السيطرة على البلد المجاور بأي شكل من الأشكال، لكي لا يصبح العراق نقطة ضعف مرة أخرى لطهران.

دولي

منذ 4 شهور
هيرست في ضيافة خميس الخنجر: كواليس الـ17 عامًا الأخيرة من تاريخ العراق

فأقدمت الجمهورية الإسلامية، على تقديم الدعم المادي والمعنوي لكل من السياسيين المعارضين لصدام حسين، والشخصيات العراقية الراغبة في المقاومة المسلحة ضد النظام البعثي، وأشرفت إيران على تشكيل أول الجماعات الشيعية المسلحة في العراق، ومدتها بكل ما تحتاجه، فتكون جيش المهدي التابع لرجل الدين العراقي الشيعي، مقتدى الصدر، وساعدت منظمة بدر التي كانت في ذلك الوقت تتبع الحزب الأعلى الإسلامي العراقي.

بالتأكيد زادت السيطرة الإيرانية، على العراق منذ عام 2003؛ لكن بدايات إحكام القبضة الإيرانية على بغداد كان واضحًا من قبل الغزو الأمريكي، وأخذت سيطرة الجمهورية الإسلامية على العراق تزداد يومًا بعد يوم، بفضل المهندس الأول لها، الجنرال قاسم سليماني، الذي خاطب في وقت من الأوقات، رئيس أركان القوات الأمريكية المتواجدة في العراق، باعتباره – سليماني – الرجل الأول المتحكم في السياسية العراقية.

في العام الماضي، اعتقل الحرس الثوري الإيراني، روح الله زام، وهو صحافي إيراني معارض، يعيش في منفاه في باريس، ويدير قناة إخبارية على تطبيق «تليجرام» الشهير، تم اعتقال زام من بغداد.

حينها تم إثارة موضوع مدى النفوذ الإيراني في العراق، وهل تطور هذا النفوذ ليصبح شبه سيطرة على أكثر المؤسسات الأمنية حساسية في العراق، خاصة بعد أن تم الحديث عن استدراج روح الله زام إلى العراق، باتفاق بين الأجهزة الأمنية العراقية والحرس الثوري، لاعتقاله بمجرد وصوله إلى مدينة النجف.

«إيران برا برا.. بغداد تبقى حرة».. أول خسارة لنفوذ إيران في العراق

عندما اندلعت الاحتجاجات في العراق، في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، كانت مطالب المتظاهرين واضحة للغاية، القضاء على فساد النخبة السياسية الحاكمة (التي يدين أغلبها بالكثير من الولاء لإيران)، وحل أزمة البطالة، والفقر، وأزمة خريجي الجامعات، وتقديم خطة حكومية لإصلاح الخدمات العامة التي يفتقر إليها العراقيون منذ الغزو الأمريكي.

اعتقد القادة السياسيون في العراق بالتحالف مع قادة الفصائل شبه العسكرية، وكلاهما موالِ لإيران، أن استخدام العنف هو أقصر طريق لإنهاء تلك الاحتجاجات، خاصة وأن رئيس الوزراء حينها، عادل عبد المهدي، الذي جاء إلى منصبه بشق الأنفس، كان قد أكمل عامًا واحدًا للتو في السلطة.

لكن الأمور لم تسر كما تم التخطيط لها، وزاد عنف القوات الأمنية والفصائل المسلحة من عناد المحتجين، وامتدت رقعة المظاهرات، لتشمل محافظات الجنوب العراقي، ذات الغالبية الشيعية.

فى المقابل، كانت طهران وعلى رأسها قاسم سليماني، يرون أن الأمر لا بد أن ينتهي، دون تقديم تنازلات من قبل النخبة السياسية، فأخذ يزور العراق بشكل مستمر، للاجتماع مع كافة الأطراف العراقية لوضع حل لتلك الأزمة.

إلى هنا، لم تكن مطالب المحتجين في الشوارع، تتخطى ما تم ذكره أعلاه، لكن تصريحات الزعيم الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، والمسؤولين الإيرانيين، زاد الطين بله، عندما وصفوا المحتجين بأنهم أدوات وعملاء في يد الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.

وقتها، هتف المتظاهرون في أغلب المدن العراقية «إيران برا برا، بغداد تبقى حرة»، وكانت تلك الشعارات هي أول مسمار في نعش النفوذ الإيراني في العراق. تلا تلك الشعارات إحراق المتظاهرين الغاضبين للقنصليات الإيرانية في النجف وكربلاء، (أكثر من مرة)، تلك المدن الشيعية التي لها حساسية خاصة في إيران، وتم حرق صور آية الله خامنئي، وضربها بالأحذية.

وضع تورط الفصائل المسلحة الشيعية العراقية، الموالية لإيران في قتل المحتجين ودعم آية الله العظمى السيستاني لمطالب المتظاهرين، ورفضه لأي تدخل أجنبي في تلك المظاهرات؛ طهران، في موقف مربك للغاية.

اغتيال سليماني والمهندس يزيد الارتباك

باغتيال الولايات المتحدة لقاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، صديقه المقرب، والرجل المتحكم في جميع أمور هيئة الحشد الشعبي؛ تلقى النفوذ الإيراني في العراق ضربة موجعة أخرى.

قبل مقتل المهندس، كان يخطط لإعادة هيكلة الحشد الشعبي، وتنظيمه بشكل أكثر فعالية، ليكون مؤسسة أمنية كبيرة تشبه إلى حدّ ما الحرس الثوري في إيران. إذ كان الرجل الذي يعتبر ظل سليماني في العراق، يجيد أحكام السيطرة على كافة الفصائل المسلحة داخل الحشد الشعبي، بجانب مساعدة قاسم سليماني، لكن بموت الرجلين، تغيرت الأمور. ارتبكت تلك الفصائل بين الثأر للقائدين، وإعادة تنظيم أنفسهم، وحل الخلافات الداخلية.

منطقة الشرق

منذ 4 شهور
هل تغرب شمس «الحشد الشعبي» في العراق؟

وعندما كان قادة الفصائل المسلحة الموالية لإيران، يحاولون ترتيب أمورهم من جديد، أعلنت الفصائل المسلحة الأخرى داخل الحشد الشعبي، والموالية لآية الله السيستاني في النجف، أنها ستنفصل عن الهيئة، وتندمج في القوات المسلحة الحكومية، الأمر الذي حاول كل من رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، ومن بعده عادل عبدالمهدي، تنفيذه، لكن كافة المحاولات كانت تفشل أمام المهندس وسليماني.

بعد الهجوم الصاروخي الإيراني، على القوات الأمريكية المتمركزة بقاعدة عين الأسد العراقية، انتقامًا لاغتيال قاسم سليماني، اختارت القيادة العليا في طهران، أن تبقى الأمور كما هي عليه، لكي يتم التخطيط لمرحلة ما بعد سليماني في العراق، متيقنة أنه لا بديل لسليماني ولا يمكن تعويض جنرال العسكر الأهم بأي حال من الأحوال.

زادت الخلافات والانقسامات داخل هيئة الحشد الشعبي، المؤسسة التي أشرف سليماني على تأسيسها منذ البداية، ومدتها إيران بكل سبل المساعدة الممكنة، ولم يستطيع خليفة سليماني، الجنرال إسماعيل قاآني، أن يحل محل سلفه.

«الرجل يتحدث إلينا من خلال مترجم، لم يلتق أغلبنا منذ سنوات كثيرة، لا يعرف الكثير من الأمور التي جرت في العراق، اعتقد أن آخر معرفته بالعراق توقفت عند الغزو الأمريكي»

هكذا يروي أحد قادة الفصائل المسلحة الموالية لإيران، داخل هيئة الحشد الشعبي، العلاقة بينهما وبين الجنرال قاآني.

يمر الحشد الشعبي الآن بالكثير من الانقسامات، والتخبطات، خاصة بعد إعلان الفصائل المسلحة الموالية للسيستاني مغادرة الحشد الشعبي، مما يسحب الشرعية الدينية للحشد.

يقول الخبير الاستراتيجي الإيراني، حسين غلام زاده، لـ«ساسة بوست»: «بعد حوالي ستة أشهر من اغتيال سليماني، لا يزال إسماعيل قاآني عاجز عن إدارة ملف الفصائل المسلحة العراقية، يبدو أن الرجل ليس لديه خطة بشأن مستقبل تلك الفصائل، فأمرها متروك بيد آية الله خامنئي مباشرة».

وبحسب صحافي إيراني مقرب من الحرس الثوري، فقد اجتمع الجنرال قاآني بقادة الفصائل المسلحة الشيعية العراقية، ثلاث مرات فقط منذ اغتيال قاسم سليماني، «يذهب إلى العراق ضيفًا، يقضى مهمة سريعة، بعكس سليماني الذي كان يتعامل مع تلك الفصائل على أنه واحد منهم، والعراق بلده الثاني».

طهران تختار عدم التدخل.. الكاظمي رئيسًا للوزراء

عندما طالب المحتجون العراقيون بإقالة رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي، حاول سليماني بشتى الطرق تثبيت أقدام الرجل، لأنه ببساطة لا بديل له. فبالكاد اتفقت الفصائل السياسية العراقية عليه، أو بالأحري، استطاع سليماني أن يوحدهم ليختاروا عبدالمهدي.

لكن في النهاية، كان لا مفر من استقالة السيد عبدالمهدي، فقدم استقالته في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ليدخل العراق مرحلة الجمود السياسي. حاولت النخبة السياسية العراقية الاتفاق على مرشح ليحل محل عبدالمهدي، وفى كل مرة كان الفشل هو النتيجة.

بعد اغتيال سليماني، كانت استقالة عبدالمهدي أزمة كبيرة في إيران، فحاول إسماعيل قاآني، إبقاء حالة الجمود تلك كما هي، وان تصبح حكومة عبد المهدي مؤقتة لتسيير الأعمال؟

Embed from Getty Images

رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي

كانت الخطة الإيرانية تلك، تهدف إلى كسب المزيد من الوقت، لرسم الخطوة التالية، وكانت ما زالت طهران تعاني من صدمة مقتل سليماني، والمخاطر العالية لخسارة نفوذها في العراق. لكن جاءت أزمة تفشي جائحة فيروس كورونا، واضطراب الأمور أكثر، وأصبحت هناك حاجة ماسة لأخذ خطوات لإنهاء حالة الجمود السياسي في العراق.

بعد عدة محاولات فاشلة لتسمية رئيس وزراء جديد، من محمد توفيق علاوي مرشح مقتدي الصدر، إلى عدنان الزرفي مرشح الرئيس العراقي برهم صالح، إلى أن وصل الأمر إلى ترشيح الأخير مصطفى الكاظمي.

مصطفى الكاظمي (53 عامًا)، في كثير من المناسبات في السابق، عرفه الرئيس العراقي برهم صالح على أنه ناشط بمجال حقوق الإنسان، بجانب كونه صحافي، كان يترأس القسم العراقي بموقع «مونيتور» الأمريكي، ثم بالرغم من خلفيته تلك، أصبح رئيس جهاز المخابرات الوطنية العراقية.

وعلى الفور بعد ترشح صالح للكاظمي، أعلنت كتائب حزب الله، أحد أكبر الفصائل المسلحة داخل الحشد الشعبي، والمعروفة بقربها من الحرس الثوري الإيراني، رفضها التام لترشيح الكاظمي، بل واتهمته علانية بأنه متورط في اغتيال سليماني والمهندس.

الكاظمي، ليس حليفًا لإيران، ولكنه في الوقت نفسه ليس عدوًّا لها، ولا ينتسب إلى أي حزب أو تيار سياسي عراقي، وله علاقات قوية مع الولايات المتحدة بحكم عمله في جهاز المخابرات. فمن الطبيعي، أن يتبادر إلى ذهن المرء، أن إيران سترفض على الفور ترشيح الكاظمي، أو كما قال صحافي إيراني مقرب من الحرس الثوري، في حديثه إلى «ساسة بوست»: «لو كان سليماني على قيد الحياة، ما كان الكاظمي تولى هذا المنصب».

لكن موت سليماني، غيّر الكثير من الأمور، التي كان مجرد التفكير فيها محض هراء، واختارت إيران، أن تعيد النظر في علاقتها بالعراق، وبالطبع مع الأخذ في الاعتبار فقدان سليماني، وعدم ملء الفراغ الذي تركه إلى الآن.

طوال الفترة الماضية بعد اغتيال سليماني، حاولت طهران إدخال لاعبيين جدد في طريقة تعاملها مع العراق، فلأول مرة أشركت وزارة الخارجية بجانب الحرس الثوري، بحسب مصادر من وزارة الخارجية الإيرانية، تحدثوا إلى «ساسة بوست»، شريطة عدم الكشف عن هوياتهم، لأنهم غير مصرح لهم بالتحدث إلى المنصات الإعلامية.

ذهب قاآني خليفة سليماني إلى العراق، في أواخر شهر مارس (آذار) تقريبًا، ليجتمع بالقادة السياسيين العراقيين، وينقل رسالة آية الله علي خامنئي، الزعيم الأعلى الإيراني إليهم، والتي كان مفادها «لا تتطلع طهران إلى التدخل في السياسية الداخلية للعراق، فأمر اختيار رئيس الوزراء الجديد، متروك للعراقيين فقط». بحسب مطلعين على الاجتماعات من الجانب الإيراني.

موافقة الجمهورية الإسلامية على تعيين مصطفى الكاظمي، المقرب من الولايات المتحدة، ورئيس جهاز المخابرات التي أشرفت أمريكا على تأسيسه بنفسها، كان علامة واضحة على تغيير الاستراتيجية الإيرانية في العراق.

يقول المحلل السياسي الإيراني، روح الله محب، لـ«ساسة بوست»: «بعد استقالة عبد المهدي، كانت طهران تعتمد على سليماني في حل الخلافات بين الفصائل السياسية العراقية، وكانت تأمل في أن يتوصل إلى مرشح يتفق عليه جميع الأطراف، إلا أن اغتياله عطل كل الخطط، وأصبح من الضروري تعيين رئيس وزراء جديد، لإنهاء حالة الفوضى السياسية في العراق».

Embed from Getty Images

الرئيس العراقي برهم صالح 

لم توافق إيران على الكاظمي، ولم تترك الأمر لاختيار العراقيين فحسب، بل إنها تواصلت مع الرئيس العراقي برهم صالح، للتأكيد على استراتيجيتها الجديدة، فقام على شمخاني، سكرتير مجلس الأمن القومي الإيراني، بزيارة صالح في شهر مارس، لمناقشة الأمور السياسية معه، دون التطرق إلى أي أمور أخرى، مع التأكيد على ترك الحرية كاملة للعراقيين في اختيار رئيس الوزراء الجديد.

لكن وسط كل تلك التأكيدات والزيارات الإيرانية، واستراتيجية طهران الجديدة، كانت الفصائل المسلحة الشيعية العراقية الموالية لإيران، في حالة غضب كبير، من الخطوة الإيرانية الجديدة. يقول أحد قادة الفصائل المقربة من إيران، لـ«ساسة بوست»: «لا أرى أي تفسير أو عذر، لموافقة طهران على تعيين الكاظمي، فالرجل متورط في مقتل سليماني والمهندس، وعلاقته بالأمريكيين تثير الشك».

لم يتواصل إسماعيل قاآني مع قادة الفصائل المسلحة العراقية، لمحاولة احتواء غضبهم، فكانت المحاولة الوحيدة من الجانب الإيراني، تتمثل في اجتماع إيرج مسجدي، السفير الإيراني ببغداد، وعضو الحرس الثوري السابق، مع قادة كتائب حزب الله، والنجباء، وعصائب أهل الحق، لمناقشة الأمر وتفسير الموافقة الإيرانية على الكاظمي، وذلك بحسب مطلعين على الاجتماع، من الجانب الإيراني، تحدثوا إلى «ساسة بوست»، شريطة عدم الإفصاح عن هويتهم.

قبل عدة أيام من تصويت البرلمان العراقي على حكومة الكاظمي، ومنحها الثقة، ظهرت بعض الخلافات بين الكتل البرلمانية الشيعية في البرلمان حول الكاظمي، ما هدد بوضع خطير وشيك، لكن على ما يبدو أن طهران كانت مصممة على احتواء الأخطار، وتعيين الكاظمي، للمساعدة في تهدئة التوترات.

فاجتمع إيرج مسجدي السفير الإيراني ببغداد، وحسن دانائى فر، السفير الإيراني السابق لدى العراق، وواحد من أهم الشخصيات التي تدير الملف العراقي الآن في إيران، بعدد من قادة الجماعات السياسية العراقية، للتأكيد على أن لا خيار إلا الكاظمي الآن، وتم منح حكومة الكاظمي الثقة، في شهر مايو (أيار) الماضي.

طهران تحاول طمأنة السيستاني

تحاول السلطة الدينية في النجف بقيادة آية الله العظمى علي السيستاني، التخلص من السيطرة الإيرانية على العراق بشكل عام، وعلى الفصائل المسلحة الشيعية بشكل خاص، وهذا ما ظهر في دعم السيستاني لانفصال الفصائل المسلحة الموالية له، عن هيئة الحشد الشعبي، والاندماج في الدولة العراقية.

كما أن دعم السيستاني لمطالب المتظاهرين، ومطالبته الحكومة بسرعة تحديد المتورطين في قتل المحتجين ومحاكمتهم، والإصرار على عدم تدخل أي أجنبي في سياسة العراق، في الإشارة إلى إيران بشكل خاص، أثارت مخاوف طهران، خاصة في تلك الفترة الحساسة.

Embed from Getty Images

وفي زيارة الجنرال إسماعيل قاآني للعراق في شهر مارس الماضي، ذهب إلى مدينة النجف وقابل محمد رضا السيستاني، الابن الأكبر آية الله العظمى، لإيصال رسالة القيادة في طهران، بأن بلاده منفتحة على المناقشات مع السيستاني، لتسوية بعض الأمور. إذ يبدو أن المؤسسة السياسية في طهران، أدركت مدى خطورة سحب الشرعية الدينية من الحشد الشعبي، بانفصال الجماعات الموالية للسيستاني، كما أنها أدركت أنه من المهم، تسوية الأمور مع القيادة الدينية العليا في العراق، لمنع الأمور من الانزلاق أكثر.

لم يتسن لـ«ساسة بوست»، الحصول على الكثير من تفاصيل هذا الاجتماع، لكن بحسب مطلعين على الاجتماع من الجانب الإيراني، تم طرح مطالب السيستاني والتي تتمثل في رفع يد إيران عن الفصائل المسلحة العراقية، ومناقشة أي أمور امنية بين العراق وإيران عن طريق القنوات الرسمية لا الحرس الثوري، على إسماعيل قاآني.

استراتيجية إيرانية طويلة المدى

كل ما سبق ذكره، يتم تفسيره على أن إيران تحاول الرجوع خطوة للخلف، للتفكير بشأن علاقتها ونفوذها في العراق، في المرحلة الحالية وبعد مقتل سليماني، وأنها حاول ترتيب أوراقها لتبدأ من جديد.

يقول المحلل السياسي الإيراني روح الله محب، لـ«ساسة بوست»: «الأمور قد تغيرت في العراق، موت سليماني، الاحتجاجات العراقية، كما أن الوضع في إيران ليس على ما يرام بعد انتشار فيروس كورونا، والعقوبات الأمريكية القاتلة، فكان لا بد من وضع استراتيجية طويلة المدى، لاحتواء الوضع الحالي».

كذلك يرى السيد محب، أن هدف إيران بعد مقتل سليماني، هو طرد القوات الأمريكية من المنطقة، وبالأخص من العراق، كما أعلن الزعيم الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، ومن أجل تحقيق هذا الهدف، لا بد من تهدئة الأمور في العراق، الذي يعاني أيضًا من انتشار فيروس كورونا، وانخفاض أسعار النفط، مع اعتماد الاقتصاد العراقي الكامل على عائدات النفط.

وعلى ما يبدو أن الإيرانيين، قد وجدوا أن الكاظمي، هو رجل تلك المرحلة الصعبة، أو أنه يستطيع السيطرة على الأمور قليلًا. يقول محب، لـ«ساسة بوست»: «الاستراتيجية الإيرانية الجديدة في العراق، ليست تراجعًا عن النفوذ، وإنما محاولة للتفكير الهادئ، لتنفيذ هدف أهم».

هل حان الوقت لتتعلم إيران من أخطاء الماضي؟

قبل اغتياله بسنوات قليلة، تحدث أبو مهدي المهندس، باللغة الفارسية في مقطع مصور، عن أنه جندي من جنود قاسم سليماني، ويتمنى أن يدفن في إيران بدلًا من العراق.

منذ إطاحة الولايات المتحدة بالنظام البعثي في العراق، تعاملت إيران مع البلد المجاور على أنه ملفها الأمني الأكثر حساسية، والدليل على ذلك، هو سيطرة قاسم سليماني قائد فيلق القدس على السياسة الإيرانية في العراق، حتى إن أغلب – أن لم يكن جميع – سفراء إيران لدى بغداد، يأتون من خلفية عسكرية.

دولي

منذ 8 شهور
«الجارديان»: هكذا تسعى إيران جاهدة للتعافي من آثار وفاة سليماني

أشرفت إيران على الدعم المالي والمعنوي للفصائل المسلحة، والسيطرة على هياكل الحكومة العراقية، فعلي سبيل المثال، وزارة الداخلية العراقية تقع تحت سيطرة منظمة بدر، التي تعتبر من أوائل الجماعات الشيعية شبه العسكرية، والتي تأسست بدعم إيراني كبير.

اتبع قاسم سليماني سياسية أمنية بحتة في التعامل في العراق، حتى أن مكانته وسيطرته وسط الفصائل السياسية العراقية تأتي من هذا المنطلق. في المقابل لم تستثمر إيران في العراق اقتصاديا أو اجتماعيا، فتعاملت مع العراق دائمًا على أنه سوق لتصريف منتجاتها، ولم تهتم ببناء استثمارات اقتصادية كبيرة وفعالة، كان من الممكن أن تساعد البلدان على تخطي المصاعب الاقتصادية.

حتى استثمار إيران في الفصائل المسلحة، أوصلها إلى أن يتبع قادة هذه الفصائل أوامر الجمهورية الإسلامية في إيران، ولا يستمعون إلى قادة العراق، لدرجة تمني المهندس أن يدفن في إيران بدلًا من بلده. مما شوه صورة المقربين من إيران.

اعتمدت إيران فقط على القواسم الدينية المشتركة بين البلدين، ويمكن القول بأنها استثمرت بعض الشيء في هذا المجال، لكن صور إبرام النيران في قنصليتها في النجف وكربلاء، واحتجاج الطائفة الشيعية العراقية على تدخلها؛ يظهر أن هذا الاستثمار الديني لم يكن كافيًا.

فبالرغم من وجود أرضية مشتركة بين البلدين لعقد علاقة استراتيجية تعم بالفائدة والمصالح على العراق وإيران سويًا؛ تعاملت إيران وسليماني مع العراق على أنه تابع لها، يصدرون الأوامر له فقط، لا علاقة بلد مجاور وشريك سياسي وجغرافي مهم.

فاذا كانت إيران الآن، تحاول أن تعيد النظر في تلك الاستراتيجية تجاه العراق، فيجب أن تدرك أهمية استقلال العراق، ويجب أن تكون العلاقة، علاقة شراكة وليست سيطرة ونفوذ من جانب واحد، والعمل على عدم توريط العراقيين في الصراع الإيراني الأمريكي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد