منذ أسابيع، تشهد بغداد والمدن الرئيسية في وسط وجنوب العراق حراكًا شعبيًّا احتجاجًا على الفساد الإداري وتردي الخدمات في أحد أغنى دول العالم من النفط، هذا الحراك مستمر رغم نجاح رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في المصادقة على وثيقةً تضمنت إصلاحات هيكلية جذرية.

هذه الاحتجاجات لم تكن وليدة عام 2015 بل أخذ هذا الصراع بالتطور منذ عام 2009، فقد حوّله التدخل الإيراني إلى صراع حاد وعميق بين تيارين متناقضين، التيار الأول: تابع لإيران

يمثله نوري المالكي، والتيار الثاني يميل لتأكيد الهوية الوطنية العراقية بعيدًا عن الإملاءات الإيرانية ويمثله رئيس الوزراء حيدر العبادي.
ماذا يريد العراقيون جراء حراكهم؟

تكمن أهمية المظاهرات العراقية في أنها تأتي ضمن دائرة مؤثرة في صناعة القرار السياسي العراقي للمرة الأولى منذ عام 2003، فيطالب العراقيون بمحاربة الفساد وتوفير الخدمات، وإصلاح العملية السياسية.

ومع هذا فلكل منطقة عراقية تشارك في المظاهرات مطالبها التي تظهرها شعاراتها، ففي محافظة البصرة بأقصى الجنوب العراقي، طالب المتظاهرون بتنفيذ مشروع متكامل لشبكات المجاري، وتشغيل أبنائهم حصريًا في الشركات النفطية، كما طالبوا بفرض رقابة بيئية صارمة على مشاريع الشركات النفطية التي أغرقت العراق بالتلوث البيئي، إضافة إلى أنهم طالبوا بترقية الدوائر الخدمية الحيوية إلى مديريات، وذلك من أجل توسيع صلاحياتها وإمكانياتها.

أما متظاهرين قضاء الخالص بمحافظة ديالى، فطالبوا بتغيير الدستور وحل البرلمان العراقي وإنهاء نظام المحاصّة الطائفية، وطالب المتظاهرون بإقالة أعضاء المجلس المحلي لقضاء الخالص وإحالة الفاسدين منهم إلى القضاء، وعندما تظاهر الموظفون العراقيون التابعون لوزارة الصناعة والمعادن طالبوا بدفع رواتبهم المتأخرة منذ أشهر، وهددوا باللجوء إلى اعتصام مفتوح، وإغلاق طريق رئيسية في بغداد إن لم تدفع رواتبهم.

يذكر أنه في أواسط عام 2009، بدأت سلسلة من الاحتجاجات احتجاجًا على انقطاع الكهرباء وتردي الخدمات، ومنذ ذاك الوقت والمشهد السياسي الشيعي يشهد انقسامات، تعود أكثر تجلياته إلى الانتخابات النيابية التي جرت في مارس 2010، حين لم تستطع التنظيمات السياسية الشيعية دخول الانتخابات بائتلاف انتخابي واحد، على نحو ما كان الأمر في انتخابات 2005، بل دخلت بائتلافين متنافسين.

فحسب دراسة أعدها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بعد الانتخابات، “رفض جزء مهم من التنظيمات السياسية الشيعية تولي مرشح ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي، رئاسة الوزراء لولاية ثانية، ليذهب جزء آخر من هذه التنظيمات عام 2012، وبالائتلاف مع القوى السنية والكردية، إلى مشروع واسع لسحب الثقة من حكومة المالكي”، ويؤكد المركز أنه: «وبعد انتخابات مجالس المحافظات لعام 2013، كان ثمة خلاف واضح على مبدأ المحاصصة والحدود التي يمكن للتنظيمات الشيعية أن تأتلف خلالها مع القوى السنّية، وفي 2014، عملت هذه التنظيمات، مدعومة بالمرجعية الدينية الشيعية في النجف، على إخراج المالكي من رئاسة الوزراء، وترشيح العبادي بدلا منه».

هل خرج العراقيون أيضًا ضد التدخل الإيراني في بلادهم؟

“إيران برا برا .. كربلاء تبقى حرة”، و”إيران برا برا.. بغداد تبقى حرة”، بعض من الشعارات التي هتف بها العراقيون و قيل أنها “عكست وعيًا شعبيًّا مدنيًّا تجاوز الأهداف المطلبية إلى الأهداف السياسية الأشمل، بما في ذلك رفض وإسقاط غالبية الأحزاب السياسية المهيمنة على العملية السياسية والتي تدّعي تمثيلها للشعب العراقي أو لفئات كبيرة منها” كما جاء في الإعلام العراقي.

يقول الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق مثنى الضاري: “إن مظاهرات العراقيين في وسط وجنوب البلاد تعترض على الواقع السياسي والطائفي وتشكل نواة توافق وطني، بعد أن وصلت العملية السياسية الحالية إلى طريق مسدود”.

من جانبه يرى مدير المعهد العراقي للتنمية والديمقراطية غسان العطية أن “العراق يحكم بالطائفية والمحاصصة التي أضاعت حقوق المواطنين بما يسمى بالمكون، لذا جاءت التظاهرات كإدانة للعملية السياسية القائمة على الفساد والعاجزة عن الخروج من المأزق”، مضيفًا: “الشارع العراقي أصبح يصرخ بحثًا عن قوة سياسية بعيدة عن الهيمنة الطائفية لدولة جارة، وهو غير راض عن العملية السياسية ككل ولم يتظاهر احتجاجا على قطع الكهرباء فقط”.

لماذا تخاف إيران من الحراك العراقي وكيف تصرفت معه؟

رغم أن إيران بدت في مشهد المتفهم لمطالب المحتجين العراقيين، إلا مخاوفها من هذا الحراك العراقي لا تخفى، فهي تدرك خطورة النتائج التي ستترتب على الحكومة العراقية في حال لم تتمكن من السيطرة على هذه التظاهرات، وتتخوف بالأكثر من تدخل جهات أخرى في العراق تعارض السيطرة الإيرانية على البلاد، يقول الخبراء الإيرانيون: “رغم أن المظاهرات هي مجرد مطالبات بتحسين الأوضاع المعيشية، لكنها قد تكون فرصة ذهبية لتدخل أوسع في العراق من قبل الدول المتطفلة”. وقال السفير الإيراني السابق في العراق حسن كاظمي قمي: “إن الشعارات التي سمعت في هذه التظاهرات كانت في البداية تحمل طابعا احتجاجيًّا على قلة الخدمات والفساد المالي والإداري، إلّا أنها تحولت شيئا فشيئا إلى أن تطال المرجعية الدينية والتيارات الإسلامية السياسية ما يظهر مواجهة إرادة الشعب العراقي”.

لذا أيقنت إيران أن من مصلحتها إجهاض حراك الشعب العراقي ضد الفساد، فاتخذت عدة تحركات لمواجهة الوضع، دفعت بمن يُعرفون بـ”عناصر الحشد الشعبي” للنزول بين المتظاهرين، والاعتداء عليهم، فقد ذكر شهود عيان “أن سيارات تابعة للدولة العراقية أوصلت هؤلاء إلى مكان التظاهر رغم غلق الطُرق عن المركبات، لقد دخلوا بحافلات عسكرية وخرجوا بنفس الطريقة”، ويتهم نشطاء عراقيون إيران وأتباعها بمحاولة ركوب الموجة من أجل التحكم في الحراك الشعبي العراقي والهيمنة على الأمور، بل يذكر المراقبون العراقيون أن أتباع إيران يستغلون المظاهرات “لتمرير سياساتهم وإعادة إنتاج شخصيات مقربة من إيران”.

وأرسلت إيران إلى العراق خلال الأيام الماضية قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري، قاسم سليماني، سليماني جاء ليطلب من رئيس الوزراء حيدر العبادي عدم المضي بحزم الإصلاح التي أقرها بدعم من الاحتجاجات الشعبية المستمرة، وذلك خشية من محاسبة المالكي.

من الأطراف التي اتهمتها إيران بالوقوف وراء احتجاجات العراق؟

بسبب مخاوفها من احتمال اتساع رقعة الاحتجاجات، هاجمت إيران والجهات العراقية الموالية لها المتظاهرين واتهمتهم بأنهم يعملون وفق أجندات خارجية، أو أنهم غير مسلمين، حتى أنها قالت أنهم مع “داعش”، وسمت دولًا بعينها تقف وراء هذا الحراك وبالطبع السعودية هي المشار إليها بإصبع الاتهام.

وكالة “تسنيم” التابعة للحرس الثوري الإيراني، ذكرت في تقرير صحفي أن: “هناك مخاوف من محاولات استغلال هذه الاحتجاجات من قبل الأنظمة العربية الرجعية، التي تسعى إلى الإخلال بنظام الدولة العراقية”، وسمت الوكالة المملكة العربية السعودية على وجه التحديد، وقالت أن “المملكة رسمت سيناريو جديدًا للأحداث في العراق، حيث قامت بإعطاء المطالبات الاجتماعية للمتظاهرين صبغةً سياسية، بغية الإطاحة بحكومة العبادي، وفتح فرص جديدة للتدخل بالشأن العراقي”.

واتهم السفير الإيراني السابق في العراق حسن كاظمي قمي، الحراك الشعبي العراقي ضد الفساد والحكم الطائفي الموالي لطهران في العراق، بأنه تحرك بدعم خارجي، وقال: “إن المعلومات تظهر أن بعض السفارات التي تدعم الإرهاب في العراق تقف وراء تحريض المتظاهرين في العاصمة العراقية بغداد”. وتابع القول: “التيارات التي بعثت بعض عناصرها إلى الدول التي ترعى الإرهاب بدأت بتدريب وتنظيم هذه العناصر تحضيرًا لقيامهم بأعمال في العاصمة العراقية بغداد تحت غطاء نشاطات شعبية “.

من جهته، قال رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الإيرانية احسن فيروز: “إن الأزمة الجارية في العراق مصطنعة، والدعوات إلى التّظاهر تتمّ بتحريض من مجموعات معروفة، ومن غير المسلمين أحيانًا، وذلك من أجل إظهار الحكومة في بغداد عاجزة”.

المصادر

تحميل المزيد