هل يمكن لأمريكا استخدام القرار رقم 2231، ذريعة لمعاقبة إيران؟

لم توقف جائحة فيروس كورونا المستجد، التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، بل يبدو أن العكس هو ما يحدث. ففي الأسابيع القليلة الماضية، خرج وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، ليعلن ببساطة أن بلاده تخطط لمعاقبة إيران من خلال الاتفاق النووي، الذي انسحبت منه الإدارة الأمريكية في مايو (أيار) 2018.

دولي

منذ 7 شهور
كيف سحقت إيران أمريكا في حرب مُتخيلة عام 2002؟

فى يوم 26 أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «نيويورك تايمز»، عن خطة جديدة يقوم بإعدادها وزير الخارجية مايك بومبيو، بالاعتماد على حجة قانونية مفادها أن الولايات المتحدة لا تزال عضوًا مشاركًا في الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، أو ما يعرف رسميًا بخطة العمل الشاملة المشتركة.

وبحسب بومبيو، فإن هدف تلك الخطوة تمكين الولايات المتحدة من الضغط على مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة لتمديد حظر الأسلحة من وإلى إيران، والذي كان من المقرر رفعه في شهر أكتوبر (تشرين الأول) القادم، بموجب الاتفاق النووي.

وفى مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز» الأمريكية، قال وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو «سنفعل كل ما بوسعنا لضمان استمرار حظر الأسلحة عن إيران، وأن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231، يضمن لنا هذا الحق»، أضاف بومبيو «الأمر ليس له علاقة بالاتفاق النووي، ولا نية لنا بالعودة إلى هذا الاتفاق الكارثي، نريد فقط استخدام الأدوات المشروعة لنا لتمديد حظر الأسلحة على إيران».

لكن.. ما تفاصيل القصة؟

بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة؛ كان من المقرر أن ترفع الامم المتحدة الحظر المفروض على الأسلحة الإيرانية، فتتمكن إيران من شراء وبيع الأسلحة التقليدية.

لكن إدارة الرئيس ترامب تجادل بأنه لا يجوز رفع حظر الأسلحة عن إيران، لأنه وفقًا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231، لم تمتثل إيران إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، وهو ما يتيح للولايات المتحدة باستخدام «آلية سنابك «(snapback)» التي تسمح لأي طرف من الأطراف الموقعة على الاتفاق، تقديم إخطار إلى مجلس الأمن الدولي، عن عدم امتثال إيران لبنود الصفقة النووية، مما يؤدي إلى إعادة فرض عقوبات مجلس الأمن والامم المتحدة بشكل تلقائي مرة أخرى على إيران، كما كانت قبل الاتفاق النووي.

                               إعلان ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي في مايو (أيار).

ولا يمكن لأية دولة أخرى مثل الصين وروسيا استخدام حق النقض (الفيتو)، إذا لم تثبت إيران امتثالها خطة العمل الشاملة المشتركة في غضون 30 يومًا.

مبرر وزير الخارجية الأمريكي في استخدام بلاده لتلك الآلية، تستند بشكل من الأشكال على خطاب للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، في أغسطس (آب) 2015، قال فيه: إنه «لو لم تمتثل إيران لتنفيذ الاتفاق النووي، فمن حق الولايات المتحدة بدون دعم الأعضاء الآخرين في الاتفاق، استخدام آلية سنابك، وإحالة الأمر إلى مجلس الأمن الدولي».

في هذا الصدد، يقول قاسم محب علي، الدبلوماسي الإيراني السابق لـ«ساسة بوست»: «حجة بومبيو التي تستند إلى خطاب الرئيس أوباما فارغة، تلك الحجة يمكن تستخدمها الولايات المتحدة، إذا كانت لا تزال مشاركة في الاتفاق النووي، لكنها انسحبت، فلا علاقة لها بأي بند من بنود الاتفاق النووي أو مجلس الأمن».

ما هو قرار مجلس الأمن رقم 2231؟

عندما توصلت إيران مع القوى العالمية الكبرى (المملكة المتحدة، الولايات المتحدة، ألمانيا، فرنسا، والصين، وروسيا) إلى الاتفاق النووي في فيينا عام 2015، والذى يهدف إلى كبح نشاط البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات؛ وافق حينها مجلس الامن الدولي التابع للأمم المتحدة باغلبية ساحقة على الصفقة النووية الإيرانية، وأصدر القرار رقم 2231، الذي بموجبه يتم رفع العقوبات الاقتصادية والنفطية الشديدة التي كانت مفروضة على إيران، بعد أن تتأكد الوكالة الدولية للطاقة الذرية من امتثال إيران لبنود خطة العمل الشاملة المشتركة.

وبالرغم من أن القرار رقم 2231، ينص على رفع جميع العقوبات المفروضة من قبل الأمم المتحدة على إيران؛ فإنه أبقى بعض القيود التي تضم شراء وبيع الأسلحة التقليدية، وبيع المعدات ذات الاستخدام المزدوج، لمدة تصل إلى خمس سنوات من تاريخ التوقيع على الاتفاق النووي، والتي من المفترض أن تنتهى في شهر أكتوبر القادم.

يقول قاسم محب علي لـ«ساسة بوست»، «لابد أن تكون الولايات المتحدة مشاركة في الاتفاق النووي، لكي يحق لها استخدام القرار رقم 2231، كما تنص بنود القرار نفسه». وبحسب محب علي، فإن قرار مجلس الأمن الدولي استخدم كلمة «مشارك في الاتفاقية»، حوالي 77 مرة، ويعني الموقعين على الاتفاق النووي في فيينا.

تدعي الولايات المتحدة بأنها ما زالت جزءًا من قرار مجلس الأمن رقم 2231، وأن لديها الحج القانونية اللازمة لهذا الأمر، في المقابل نجد أن بريان هوك الممثل الخاص لإيران في وزارة الخارجية الأمريكية، قد أكد مرارًا وتكرارًا، في العام الماضي أن بلاده لم تعد مشاركة في الاتفاق النووي، وأن إدارة ترامب تحث باقي الأعضاء الموقعين على الاتفاق باتخاذ القرارات اللازمة فيما يتعلق باستخدام أو عدم استخدم آلية تسوية المنازعات.

السبب «نور»

فى 22 أبريل الماضي أعلن قائد الحرس الثوري الإيراني، الجنرال حسين سلامي، نجاح الحرس في إطلاق أول قمر صناعي عسكري له، لتصبح إيران واحدة من عدد قليل من بلدان الشرق الأوسط التي تمتلك تلك التكنولوجيا، بعد إسرائيل، الإمارات العربية المتحدة، وتركيا.

جاء القمر الصناعي العسكري «نور»، في لحظة مهمة، تعاني فيها الجمهورية الإسلامية في إيران، وباقي دول العالم من أزمة صحية عالمية بسبب جائحة فيروس كورونا المستجد.

إيران التي فشلت في الماضي في إطلاق قمر صناعي بطبيعة مدنية؛ نجحت هذه المرة فيما هو أكبر، إذ قال قائد الفضاء في القوات الجوية التابعة للحرس الثوري الإيراني، العميد على جعفر أبادي في مقابلة تلفزيونية: إن «المهمة الرئيسة لـ«نور»، هي الاستطلاع، بجانب الملاحة والاتصالات العسكرية».

القمر الصناعي العسكري الإيراني أثار مخاوف الولايات المتحدة، فاعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أنه يجب محاسبة إيران لأنها اخترقت قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231، بإطلاق القمر الصناعي.

فيما أكد بريان هوك الممثل الخاص لإيران في الخارجية الأمريكية، على أن «برنامج الفضاء الإيراني هو غطاء واضح لتطلعات الصواريخ الباليستية العابرة للقارات».

ما موقف القرار رقم 2231 من صناعة الصواريخ الإيرانية؟

لم يتناول قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231 اى من الصناعات العسكرية التقليدية لإيران، والتي تشمل الصواريخ الباليستية، طالما أن تلك الصواريخ ليست قادرة على حمل رؤوس نووية، وهذا ما تؤكده طهران طوال الوقت.

لكن الولايات المتحدة، تعتبر برامج الأقمار الصناعية والصواريخ الإيرانية، انتهاكا لهذا القرار، ومن هنا تأتي حجتها الأخيرة بشأن تمديد حظر الأسلحة عن إيران.

مناوشات بحرية في الخليج.. الصراع الأمريكي الإيراني يتصاعد

منذ أن قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سحب بلاده من الاتفاق النووي في مايو 2018، واستخدام ادراته لحملة أقصى قدر من الضغط على طهران، لكي يجبرها على العودة إلى طاولة المفاوضات، لإبرام صفقة جديدة بشروط أمريكية جديدة؛ بدأ الصراع الأمريكي الإيراني، في التصاعد.

لكن في المقابل، لم تسفر تلك التحركات الأمريكية، عن أي شيء إيجابي داخل طهران، بل العكس ما حدث، فقد ساعدت تلك التصرفات المحافظين على السيطرة أكثر وأكثر، واللجوء إلى سياسة أقصى مقاومة لمواجهة العداء الأمريكي الجديد.

وبدلًا عن الالتزام الإيراني بخطة العمل الشاملة المشتركة، والابتعاد عن أي نشاط نووي يقرب إيران من صنع أسلحة نووية؛ بدات إيران منذ صيف العام الماضي في تخفيف التزاماتها بموجب الاتفاق النووي تدريجيًا. ونتيجة ضغط الولايات المتحدة، وانطلاقًا من مبدأ الوقوف على الهاوية أفضل من ضبط النفس داخل طهران؛ بدأت سلسلة من الصراعات التي يبدو أنها لن تنتهي قريبًا.

كانت البداية بإسقاط الحرس الثوري الإيراني لطائرة بدون طيار أمريكية في يونيو (حزيران) 2019، واغتيال الولايات المتحدة الجنرال العسكري الإيراني قاسم سليماني في يناير (كانون الثاني) الماضي.

قاسم سليماني

بعد الهجمات الصاروخية الإيرانية على قاعدة عين الأسد بالعراق، والتي تستضيف القوات الأمريكية، حاول الطرفان تجميد الصراع لوقت قصير، لكن بتفشي فيروس كورونا في إيران، وانتشاره بسرعة فائقة، تجدد الصراع مرة أخرى، بسبب رفض الولايات المتحدة رفع العقوبات عن طهران لمساعدتها في مكافحة فيروس كورونا، فشهد معسكر التاجي في العراق هجمات صاروخية من قبل بعض الفصائل المسلحة الموالية لإيران؛ مما ادى إلى مقتل عدد قليل من الجنود الأمريكيين.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد شهدت مياه الخليج بعض المناوشات التي وصفتها البحرية الأمريكية بأنها «خطيرة». ففي 15 أبريل الماضي اقترب عدد من الزوارق التابعة للقوة البحرية في الحرس الثوري الإيراني من سفن حربية بحرية أمريكية.

ووفقًا لبيان الاسطول الخامس الأمريكي، اقترب 11 زورقًا إيرانيًا تابعًا للحرس الثوري، من ست سفن أمريكية، بشكل خطير واستفزازي، بينما اتهم الحرس الثوري السفن الأمريكية بانتهاكها للقانون الدولي، والقيام بأعمال مريبة في مياه الخليج، واستمرت المناوشات بين الزوارق الإيرانية والبحرية الأمريكية لمدة ساعة تقريبًا، قبل انسحاب القوات الإيرانية.

بعد تلك الحادثة وإطلاق إيران للقمر الصناعي العسكري، أعلن ترامب أنه أصدر أوامره للقوات العسكرية، باستهداف القوارب الإيرانية التي تزعجها في الخليج. وقال في مؤتمر صحافي يوم 22 أبريل «نحن لا نريد أن تكون قوارب إيران بالقرب من سفننا البحرية، لن نتسامح مع هذا الأمر، ولن نسمح بتكراره مرة أخرى».

الرد على تهديدات ترامب جاء سريعًا من قائد الحرس الثوري الإيراني، الجنرال حسين سلامي، الذي أمر بدوره البحرية الإيرانية بإطلاق النيران فورًا على السفن الأمريكية في حالة التهديد.

يرى أستاذ العلوم السياسية المقيم بطهران، محمد رضا مهتدي، أن تلك الاستفزازات خطيرة للغاية، فيقول لـ«ساسة بوست»: «الصراع بين طهران وواشنطن في تزايد، والتهديدات الأخيرة من الجانبين بإطلاق النيران في مياه الخليج تعتبر مؤشرًا شديد الخطورة؛ لأنه في لحظة من الممكن أن يتحول الأمر إلى صراع غير مقصود يجر المنطقة إلى حرب كارثية».

هل ستنجح الولايات المتحدة في خطتها الأخيرة؟

بالعودة إلى الخطة الأمريكية الجديدة، والتي تهدف إلى إعادة فرض عقوبات الامم المتحدة على إيران مرة أخرى، وهل ستنجح الولايات المتحدة في إثبات حجيتها؟

يتوقع البروفيسور مهتدى أن باقي الدول الموقعة على الاتفاق النووي ستقف أمام تحقيق إدارة ترامب لهدفها الجديد، فيقول «بالطبع الصين وروسيا رافضين لكل تلك التحركات، والاتحاد الأوروبي يرى أن الصفقة النووية مع إيران ضرورية للحفاظ على الأمن الدولي، فمن غير المحتمل أنهم سيوافقون على ما يريده ترامب».

لكن هناك بعضًا من الخبراء قلقون من استخدام الولايات المتحدة للضغط والتهديد، لجعل الدول الأوروبية تستسلم إلى رغباتها، ويستشهدون على ذلك بموقف الاتحاد الأوروبي الضعيف من إعادة فرض العقوبات الأمريكية على إيران، وعدم قدرته على إنقاذ الاتفاق النووي.

رد الفعل المحتمل لإيران

إلى الان، يجادل وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، بعدم قانونية الخطوة الأمريكية، لأنها أصبحت عضوًا غير مشارك في الاتفاق النووي. لكن في حالة نجاح الولايات المتحدة في تنفيذ خطتها الجديدة، وتمكنها من إعادة فرض العقوبات الدولية على إيران؛ ستكون طهران على استعداد للجوء إلى خيارات عديدة لم تستخدمها إلى الآن.

دولي

منذ 8 شهور
سيف لا يُغمد أبدًا.. دليلك لفهم العقوبات الأمريكية على إيران وتاريخها

فمن المتوقع في حال نجحت الولايات المتحدة في القضاء التام على الاتفاق النووي؛ ان تعلن طهران انسحابها الكامل من خطة العمل الشاملة المشتركة، أو الانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وكان عدد من السياسيين المحافظين قد اشاروا إلى هذا الأمر منذ فترة ليست بالبعيدة.

وفي تلك الحالة ستعود إيران إلى العزلة الدولية الكاملة، وبدلًا عن المحاولات الضئيلة لضبط النفس، واتباع الطرق الدبلوماسية، ستكون ردود الأفعال ذات المخاطر العالية قريبة.

المصادر

تحميل المزيد