تمكنت إيران والدول الستة الكبرى أخيرًا من توقيع الاتفاق النهائي بشأن الملف النووي الإيراني يوم الثلاثاء وذلك في العاصمة النمساوية فيينا.
الاتفاق النووي الإيراني وضع نهاية لسنوات طويلة من الشد والجذب بين إيران والقوى الدولية الكبرى نتيجة طموحات الأولى النووية. هذا الأمر أعاد للأذهان بدايات البرنامج النووي الإيراني وأبرز المراحل التي مر بها.

 

البداية

بداية البرنامج النووي الإيراني كانت في خمسينات القرن الماضي في فترة حكم الشاه، وذلك عندما قامت الولايات المتحدة والدول الأوروبية الغربية بالمشاركة في البرنامج النووي الإيراني كجزء من برنامج “الذرة من أجل السلام”.

شاه إيران قام بوضع حجر الأساس لبرنامج إيران النووي يوم 5 مارس 1957م، وذلك في أعقاب الإعلان عن “الاتفاق المقترح للتعاون في مجال البحوث ومجالات الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية”.

في عام 1967م، تم تأسيس مركز طهران للبحوث النووية والذي تم تجهيزه بمفاعل أبحاث نووية بقدرة 5 ميغاواط.

في عام 1968م، قامت إيران بالتوقيع على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وبالتالي أصبح البرنامج النووي الإيراني تحت التفتيش والتحقيق من قبل الوكالة النووية.
الخطط النووية الإيرانية في ذلك الوقت كانت ترمي إلى الوصول إلى 23 محطة نووية بحلول عام 2000م بمساعدة شركات أمريكية وأوروبية.

 

الثورة الإسلامية

في عام 1979م، قامت الثورة الإسلامية في إيران والتي أطاحت بحكم الشاه.

 

تقطع أواصر العلاقات بين إيران والدول الغربية مما أدى لتوقف الشركات الغربية عن العمل في المشاريع النووية وفيما يتعلق بإمدادات اليورانيوم عالي التخصيب؛ مما تسبب في توقف مركز أبحاث طهران النووية.

 

أمر روح الله الموسوي الخميني بحل أبحاث السلاح النووي السرية حيث إن امتلاك السلاح النووي كان يعتبر من المحظورات طبقًا للفقه والأخلاق الإسلامية.
في وقت لاحق وتحديدًا عام 1981م، عاد الخميني وسمح بإجراء بحوث على نطاق صغير في الطاقة النووية.

عام 1983م، كان هناك تعاون بين إيران وبين الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمساعدة إيران في الجوانب الكيميائية وجوانب تصميم المحطات التجريبية لتحويل اليورانيوم خصوصًا فيما يتعلق بموقع أصفهان للتكنولوجيا النووية، لكن الولايات المتحدة تدخلت للحيلولة دون المساعدة الدولية لإيران.

مع اندلاع الحرب الإيرانية العراقية سمح الخميني بإعادة تشغيل البرنامج النووي الإيراني خصوصًا بعد أن تضرر اثنان من المفاعلات النووية في محطة بوشهر نتيجة الحرب.

 

 

نهاية القرن العشرين

في بداية التسعينات أنشأت روسيا منظمة بحثية مشتركة مع إيران تحت مسمى “بريسبوليس” والتي قامت بتزويد إيران بخبراء في الطاقة النووية الروسية.

في عام 1992م، انتشرت مزاعم في وسائل الإعلام العالمية عن وجود أنشطة نووية إيرانية غير معلنة. قامت إيران بدعوة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لزيارة كافة المنشآت النووية الإيرانية التي طلب المفتشون رؤيتها ليخرج قائد فريق التفتيش بتصريح يفيد بأن كافة الأنشطة النووية الإيرانية هي أنشطة سلمية.

جدير بالذكر أن هذه الزيارة شملت المرافق النووية غير المعلنة ومشاريع تعدين اليورانيوم. في هذا الوقت ألغت الأرجنتين بيع معدات نووية سلمية لإيران بضغط من الولايات المتحدة.

عام 1995م، وقعت إيران مع روسيا عقدًا لتشغيل محطة بوشهر بالكامل، وفي العام التالي تمكنت الولايات المتحدة من إقناع الصين من الانسحاب من مشروع بناء محطة لتحويل اليورانيوم.

 

 

بداية القرن الحادي والعشرين

في عام 2002م، أعلن علي رضا زاده المتحدث باسم الجماعة الإيرانية المنشقة عن وجود موقعين نوويين قيد الإنشاء في كل من نطنز وأراك، فسارعت الوكالة الدولية لطلب زيارة هذين الموقعين. إيران كانت تملك الحق في إخفاء مواقع هذه المفاعلات فرفضت زيارة المفتشين إلا بعد مرور ستة أشهر من إدخال المواد النووية لهذه المواقع.

في مايو 2003م وبعد الغزو الأمريكي للعراق، قدم الرئيس الإيراني علي خاتمي اقتراحًا سريًّا عن صفقة سرية كبرى مع الولايات المتحدة تقضي بعرض البرنامج النووي الإيراني بشفافية كاملة، والتوقف عن دعم حماس وحزب الله مقابل ضمانات أمنية وتطبيع كامل للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين، لكن الرئيس الأمريكي لم يستجب لهذا الاقتراح.

في أكتوبر 2003م، صدر إعلان طهران بين الاتحاد الأوروبي وطهران، والذي نص على موافقة إيران على التعاون مع الوكالة الدولية وتعليق أنشطة التخصيب بشكل طوعي مبني على الثقة مقابل الاعتراف الأوروبي بحقوق إيران النووية، لكن تقرير الوكالة الدولية جاء سلبيًّا تجاه تعاون إيران بخصوص المواد النووية التي تملكها ومواقعها ومنشآتها.

في يونيو 2004م، تم البدء في بناء المفاعل النووي (آي آر 40) الذي يعمل بالماء الثقيل وبقدرة 40 ميجاواط بدعم من الفريق الأوروبي الثلاثي فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة.
في نوفمبر 2004م، بدأت إيران تنفذ شروط ما يعرف باتفاق باريس الخاص بالبروتوكول الطوعي الإضافي، والمتعلق بوقف عمليات تخصيب اليورانيوم بضغوط من الفريق الثلاثي الأوروبي.

 

أحمدي نجاد

في يونيو 2005م، تم انتخاب أحمدي نجاد رئيسًا جديدًا للبلاد ليقوم في شهر أغسطس بفض الأختام عن معدات التخصيب في أصفهان، وهو ما اعتبرته المملكة المتحدة خرقًا لاتفاقية باريس. هنا قدم الثلاثي الأوروبي عرضًا لإيران مقابل وقف دائم لتخصيب اليورانيوم يتمثل في عدة فوائد في المجالات السياسية والتجارية والنووية منها ضمان إمدادات طويلة الأجل للمواد النووية، وضمان عدم الاعتداء من قبل الاتحاد الأوروبي وليس الولايات المتحدة. لكن إيران رفضت العرض.

في أغسطس 2005م، أعلنت الطاقة الدولية أن آثار اليورانيوم عالي التخصيب في إيران هي آتية من المعدات التي تم استيرادها من باكستان ولا تعد دليلًا على برنامج نووي إيراني عسكري.

في فبراير 2006م، بدأ فصل جديد من قصة الملف النووي الإيراني بعدما صوت أعضاء الوكالة الدولية على إحالة الملف الإيراني إلى مجلس الأمن برعاية من قبل الثلاثي الأوروبي والولايات المتحدة. ردت إيران على هذا الإجراء بتعليق العمل بالبروتوكول الإضافي وجميع أشكال التعاون الطوعي.

في ذلك الوقت رفضت إيران التخلي عن حقها في تخصيب اليورانيوم، كما رفضت الولايات المتحدة في المقابل وجود أي عملية لتخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية.

في أبريل 2006م، أعلن الرئيس الإيراني نجاد عن نجاح إيران في تخصيب اليورانيوم بنسبة 3,5% باستخدام أكثر من 100 جهاز طرد مركزي. هذا الأمر أغضب الولايات المتحدة التي طالبت بخطوات قوية مضادة لإيران.

 

2006 – 2012م

في هذه الفترة ظلت عمليات الشد والجذب بين إيران والمجتمع الدولي بخصوص برنامجها النووي.

صدرت خلال هذه الفترة 7 قرارات لمجلس الأمن تخص إيران وبرنامجها النووي.

القرار رقم 1696 لعام 2006م طالب إيران بتعليق تخصيب اليورانيوم طبقًا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

القرار رقم 1737 لعام 2006م فرض عقوبات على إيران لرفضها وقف أعمال تخصيب اليورانيوم، وطالب بقطع التعاون النووي معها.

القرار رقم 1747 لعام 2007م وسع من قائمة العقوبات المفروضة على إيران.

القرار رقم 1803 لعام 2008م قام بتمديد العقوبات على أشخاص وكيانات إضافية، بالإضافة لفرض قيود على سفر الأشخاص وتقييد الصادرات المتعلقة بالأنشطة النووية.

القرار رقم 1835 لعام 2008م قام بالتأكيد على العقوبات والقرارات السابقة، لكنه لم يندرج تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

القرار رقم 1929 لعام 2010م فرض حظر سلاح شامل على إيران، ومنع إيران من أي أنشطة تتعلق بالأسلحة الباليستية، وتمديد تجميد الأصول الخاصة بالحرس الثوري الإيراني وخطوط
شحن جمهورية إيران الإسلامية.

القرار رقم 1984 لعام 2011م قام بتمديد العقوبات السابقة لمدة 12 شهرًا أخرى.

في شهر نوفمبر نشرت الوكالة الدولية تقريرًا أشار إلى توسع قدرات إيران الخاصة بتخصيب اليورانيوم، وأن إيران أنتجت 233 كيلوغرامًا من اليورانيوم شبه المخصب بنسبة 20%. تقرير آخر أشار إلى أن إيران قد استخدمت 96 كيلوغرامًا من هذا اليوارنيوم كوقود لمفاعل الأبحاث النووية في طهران.

 

حسن روحاني

في عام 2013م، تمكن حسن روحاني من الفوز في انتخابات الرئاسة الإيرانية وهو ما اعتبرته الولايات المتحدة الأمريكية تطورًا إيجابيًّا، ليبدأ فصل جديد في الملف النووي الإيراني باتجاه الحل الدبلوماسي.

صدرت في دول أوروبية عديدة بيانات إيجابية أعربت عن رغبتها في استئناف المفاوضات مع إيران وبشكل مباشر بعد التوقف لفترة طويلة.

روحاني أيضًا أعرب عن نيته التواصل مع العالم بشكل إيجابي على عكس سلفه أحمدي نجاد الذي أدت نزعته التصادمية إلى فرض العقوبات الاقتصادية على إيران وتشديدها.

اعتمد روحاني أيضًا على سياسة الواقع النووي لإجبار الغرب على القبول بالقدرات التخصيبية لإيران على الرغم من تصريحاته التي قال فيها بأن إيران لا تحتاج إلى أسلحة نووية.

 

خمسة زائد واحد

بدأت بعض المفاوضات بين إيران ومجموعة (5+1) والتي تضم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وألمانيا منذ عام 2009م عندما عقد أولى الاجتماعات في جينيف عام 2009م، ثم في إسطنبول عام 2011م.

في جولة المفاوضات التي استضافتها إسطنبول عام 2012م، ألمح أحد المسئولين الأمريكيين إلى القبول بتخصيب إيران لليورانيوم بنسبة 5% لأن التصميم على عدم التخصيب نهائيًّا معناه استحالة الوصول لاتفاق. إسرائيل رفضت وإيران صممت على ألا يقل التخصيب عن 20%.

في شهري أكتوبر ونوفمبر 2013م، بدأت جولة مفاوضات في جينيف والتي انتهت إلى الموافقة على وقف إيران للمفاتيح الرئيسية ببرنامجها النووي لمدة 6 أشهر مقابل خفض العقوبات، وهو ما يعني تقليل إيران لقدراتها التخصيبية تحت 5%.

خلال جولات المفاوضات في فيينا عام 2014م، بدأت سلسلة من الاجتماعات عالية المستوى التي انتهت بالاتفاق على وقف تجميد الولايات المتحدة لأموال إيرانية بقيمة 2,8 مليار دولار، مقابل استمرار إيران في تحويل اليورانيوم المخصب بنسبة 20% إلى وقود.

في يوم 14 يوليو 2015م وبعد سلسلة من الجلسات والاجتماعات الكبيرة، خرج المسئولون الأوروبيون بتصريحات أشارت إلى التوصل إلى اتفاق نهائي بخصوص برنامج إيران النووي.

أبرز ما شمله هذا الاتفاق كان إلغاء العقوبات الاقتصادية والمالية والنفطية والعقوبات المفروضة على الطيران الإيراني المدني، والسماح لإيران بتصدير مواد نووية كاليورانيوم المخصب والماء الثقيل، ورفع الحجز عن العشرات من المليارات من الأموال الإيرانية في البنوك الأجنبية.

الاتفاق يشمل كذلك السماح لمفتشي الأمم المتحدة بدخول المواقع الإيرانية المشبوهة بما فيها المواقع العسكرية، مع التأكيد على سلمية البرنامج النووي الإيراني والحد من أنشطتها النووية بحد أدنى 10 سنوات.

الاتفاق يشير إلى إمكانية إعادة فرض العقوبات على إيران خلال 65 يومًا إذا لم تلتزم إيران بتعهداتها، كما سيمكن هذا الاتفاق إيران من مواصلة تخصيب اليورانيوم والاستمرار في أبحاث وتطوير أجهزة الطرد المركزي بما لا يسمح بتراكم اليورانيوم المخصب.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد