في الرابع والعشرين من الشهر الجاري، تنتهي المهلة الثانية التي حددتها الولايات المتحدة الأمريكية للتوصل إلى اتفاق نووي بين إيران ومجموعة الدول “5+1″، وهي الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس أمن الأمم المتحدة، وهي الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا، وروسيا بالإضافة إلى ألمانيا، في ظل ضغوط سياسية خارجية على إيران لحسم ملفها النووي.

وكان موفدون كبار من إيران والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قد اجتمعوا للمرة الأولى في سلطنة عمان للدفع نحو مساعي نزع فتيل الأزمة بشأن برنامج طهران النووي. .

وتهدف المناقشات بين وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف ووزير الخارجية الأمريكي جون كيري ومبعوثة الاتحاد الأوروبي كاثرين أشتون إلى وضع حدود يمكن التحقق منها لأنشطة تخصيب اليورانيوم الإيرانية مقابل رفع العقوبات تدريجيا.

ونقلت وسائل إعلام إيرانية نقلا عن موقع قناة العالم عن علي أكبر ولايتي وهو من كبار مستشاري الزعيم الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي قوله:” إن الجمهورية الإسلامية لن تتخلى عن “حقوقها” النووية لكنها ملتزمة بالمفاوضات تحت قيادة خامنئي”.

وكانت واشنطن قطعت العلاقات مع إيران خلال أزمة الرهائن بعد الثورة الإسلامية عام 1979، إلا أن انتخاب الرئيس حسن روحاني خلفا لمحمود أحمدي نجاد، المناهض للغرب بشدة، في أغسطس / آب 2013 جعل البلدين يستأنفان بحذر الاتصالات رفيعة المستوى رغم عقود من العداء تفصل بينهما ولدت عدم ثقة في ملفات عدة، منها لبنان وسوريا والمفاوضات النووية.

وبالتالي، ثمة أسئلة تدور حول المفاوضات الأخيرة وجديتها، والأسباب التي دفعت أمريكا والدول الأوروبية إلى الاهتمام بها، فضلا عن مصيرها، والمعوقات التي قد تحول دون تحقيقها، إلى جانب الظروف التي تحملها في طياتها، بالتزامن مع التغيرات الجارية في المنطقة العربية والإقليمية.

أين تمت جولة المفاوضات الأخيرة وما أبرز نتائجها؟

الأطراف المفاوضة في سلطنة عمان

تمت لأول مرة في العاصمة العمانية مسقط الجولة التاسعة والأخيرة من المفاوضات النووية بين إيران والدول الغربية، بمناقشة عدد من القضايا التي لا تزال عالقة بين الجانبين، حيث إن أبرز ما دعت إليه إيران الفريق النووي عدم قبول تضييقات على التخصيب، ورفع كافة العقوبات فورا عقب التوصل لاتفاق، إلى جانب منع تفتيش وإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية خارج اتفاقية حظر الانتشار النووي.

نتائج المفاوضات لم تؤتِ أكلها حتى الآن، ولم تثمر عن شيء جديد، حيث قال مسؤول إيراني كبير:” إنه لم يتحقق تقدم يذكر في المحادثات في سلطنة عمان، وما زالت الخلافات قائمة وما زالت لدينا فجوات بشأن القضايا”.

وفي واشنطن قالت جين ساكي المتحدثة باسم وزارة الخارجية إن المحادثات التي جرت بين وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف ومبعوثة الاتحاد الأوروبي كاثرين أشتون كانت “صعبة ومباشرة وجادة”.

ومن المقرر أن يستأنف دبلوماسيون من إيران والدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا محادثات في مسقط اليوم قبل مسعى أخير في فيينا الأسبوع القادم للوفاء بموعد 24 نوفمبر تشرين الثاني.

ما هي الظروف التي جاءت بها المفاوضات الأخيرة؟

الرئيس الأمريكي باراك أوباما وقائد الثورة الإيرانية آية الله السيد علي الخامنئي

في يوم 9 تشرين الثاني/نوفمبر ، حيث من المقرر أن يعقد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف اجتماعا مع نظيره الأمريكي جون كيري ومبعوثة الاتحاد الأوروبي كاثرين أشتون في سلطنة عمان، لمحاولة تضييق الفجوات الكبيرة قبل استئناف المفاوضات رسميا في فيينا في 18 نوفمبر تشرين الثاني، بدأ اللوبي الإسرائيلي واليمين المسيحي المتطرف حربا نفسية للتأثير على الأطراف المشاركة في المفاوضات، وعلى عملية التفاوض، وجعل أجواء المفاوضات أكثر تشنجا وتوترا بهدف إفشالها.

وقبل أيام فقط أعلنت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية اليمينية المحافظة ، نقلا عن موقع” اليوم السابع” أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما بعث سرًا رسالة إلى قائد الثورة الإسلامية آية الله السيد علي الخامنئي في منتصف الشهر الماضي، مفادها أن أي تعاون ضد تنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق “داعش ” يتوقف إلى حد كبير على التوصل إلى اتفاق شامل بين إيران والقوى العالمية حول مستقبل البرنامج النووي لطهران.

وبعد أيام قليلة من الرسالة السرية، فجرت مؤسسة العلوم والأمن الدوليين الأمريكية ومقرها واشنطن ، قنبلة دخانية في وجه المفاوضات النووية، تقول:” إن ايران ربما انتهكت الاتفاق النووي المؤقت الذي أبرمته العام الماضي مع مجموعة 5+1، وذلك عن طريق تعزيز الجهود لتطوير جهاز يمكنها من تخصيب اليورانيوم بسرعة أكبر بكثير.

وذكرت “الوثيقة السرية” التي كشفت عنها المؤسسة أن إيران عملت على تغذية جهاز واحد للطرد المركزي يعرف باسم آي.آر-5 بغاز اليورانيوم الطبيعي “على نحو متقطع” في منشأة أبحاث.

كيف تنظر إيران لأمريكا بعد هذه الرسالة السرية وتوقيتها تحديدا؟!

مراقبون يرون أن توقيت الكشف جاء لإحراج أوباما وإظهاره بمظهر العاجز من قبل خصومه، والبعض الآخر اعتبر أن الهدف من الكشف عن الرسالة هو تحذير أوباما من تقديم أي تنازلات لإيران بسبب فشل سياسته في المنطقة لاسيما في مواجهة “داعش”.

وهناك من رأى العكس تماما، حيث اعتبر أن الجهة التي كانت وراء تسريب خبر الرسالة هي إدارة أوباما ذاتها من أجل تشجيع إيران للدخول في مفاوضات مباشرة مع أمريكا تشمل كل القضايا التي يختلف عليها البلدان، ويكون أوباما بذلك يسجل نقطة لصالحه بعد هزيمة حزبه في الانتخابات التكميلية للكونغرس.

الخبير الإسرائيلي ديفيد أولبرايت، يرى أن مثل هذه الأخبار “السرية والخطيرة” أصبحت تافهة كتفاهة تهديدات نتنياهو لإيران، فهي لا تثير اهتمام الآخرين، عدا المتصهينين، فكم مرة اقتربت إيران من القنبلة النووية وفقا لأكاذيب الصهاينة في إسرائيل واللوبي الصهيوني في أمريكا ، فمنذ أكثر من عشر سنوات وإيران يفصلها شهر أو شهران أو أربعة أشهر أو ستة أشهر عن إنتاج قنبلة نووية.

ما هي سياسة إيران المتعلقة ببرنامجها النووي؟

حسب مراقبين إيرانيين، فإنهم يؤكدون أن إيران تتحرك وفق سياسة مبدئية ثابتة لا تتغير، قائمة على رفض أي مساومة على حقوقها المشروعة ومن بينها حقها في امتلاك برنامج نووي للأغراض السلمية، ورفض المساومة أيضا على حقوق شعوب المنطقة وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني، بما فيها محور المقاومة.

ماهي نقاط الخلاف الرئيسية بين إيران وأمريكا حول البرنامج النووي؟

وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ونظيرته الألمانية أنجيلا ميركل في جولة مفاوضات إيران النووية

ووفقا لدبلوماسيين غربيين يشاركون في المفاوضات فإن نقاط الخلاف الرئيسية بين إيران وأمريكا هي حجم برنامج إيران لتخصيب اليورانيوم، ومدة أي اتفاق طويل الأمد، إلى جانب وتيرة رفع العقوبات الدولية، لافتين إلى أن هذه النقاط لا تزال قائمة بين الجانبين.

إلى أين ستفضي العلاقات الأمريكية الإيرانية؟

ومن وجهة نظر خبير الشؤون الإيرانية ومدير مركز الشرق للدراسات الإقليمية والإستراتيجية في القاهرة مصطفى اللباد أن العلاقات الأمريكية الإيرانية لم تعد تتعلق بالملف النووي وحده، وإنما باتت مرتبطة بتقاطع مصالح الطرفين في المنطقة، إذ لهما مصالح مشتركة في أفغانستان والعراق، ونفس الأمر ينسحب على مكافحة الإرهاب.

وبهذا الصدد يوضح اللباد أن “خصوم إيران الإقليميين سيستفيدون في حال فشل الاتفاق النووي وفي مقدمة هؤلاء الخصوم إسرائيل، ثم دول الخليج العربية وأيضا تركيا إلى حد ما ، لافتا إلى أنه في حال تكللت المفاوضات بالنجاح، فإن ذلك سيفتح المجال للتطبيع في العلاقات الأمريكية الإيرانية رغم ما سيترتب على ذلك من إثارة حفيظة خصوم إيران التقليديين”.

ويرى أن طريق التطبيع بين واشنطن وطهران ليس معبدا بالورود، فسياسة أوباما تجاه الجمهورية الإسلامية تلقى مقاومة شرسة ليس فقط من قِبل حلفاء واشنطن في المنطقة، وإنما أيضا “من قِبَل جماعات الضغط التي تمثل هؤلاء الحلفاء في الولايات المتحدة”.

المصادر

تحميل المزيد