“الانخراط البناء” و”التدبير والأمل” أدبيات جديدة في السياسة الخارجية الإيرانية ظهرت على السطح مؤخرًا؛ سعيًا لإصلاح الاقتصاد، والالتزام باحتياجات الشعب الإيراني، وتعزيز مكانة الدولة إقليميًّا وعالميًّا، وهي ترتبط بشكل مبدئي بتهدئة العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الستة المسئولة عن ملف إيران النووي، والتي تأمل في الوصول لاتفاق في موعد نهايته يوليو 2015، وهو ما بدأته بالفعل مع روسيا والصين مع استثمار ورقة النفوذ كطرف لا يمكن انكار دوره السياسي والاقتصادي والديني في بعض الأحيان.

لقد تغيرت إيران فيما يتعلق بالشؤون الدولية والمصالحة مع أمريكا في حدود الأولويات السياسية للدولة، والتي ستستمر في توجيهها نحو هدف الحصول على مكانة القوة المركزية في منطقة الشرق الأوسط على أساس المنافسة الصحية، وليس الصراع، خاصة في منطقة جنوب شرق آسيا  ممتدة من مصر إلى اليمن إلى باكستان إلى قيرغيزيا وإلى أرمينيا وتركيا ولبنان، مع الاهتمام بترقب التحالف أو التصارع مع قوة الولايات المتحدة الأمريكية.

يسير التوجه الدولي العام لإيران نحو تصالح تدريجي بين قوى دولية كبرى وإيران، وبناء ثقة مع دول جنوب غرب آسيا، وإقامة صداقات جديدة تحقق مصالح اقتصادية لتخفيف حدة العقوبات الدولية. وقد تباينت التوقعات بشأن مستقبل هذا التقارب في احتمال رسم خارطة المنطقة من جديد والتأثير على مستقبلها وبين ضعف احتمال نجاح إيران وتخطيها عقبات ملفها النووي دون خوف بالغ من تأثير العقوبات على إرضائها لشعبها، فالاحتمالات لحدوث اضطرابات كبيرة أقل لاتباعها استراتيجيات للتخفيف عن المواطن العادي في تلك المرحلة.

أبدى روحاني استعداده في تصريح لصحيفة “واشنطن بوست” لحل المسألة النووية واعتبارها نقطة البداية في علاقة جديدة بأمريكا، ومناقشة قضايا أخرى أبعد من ذلك لتطبيع العلاقات. واعتبر إيران قوة إقليمية كبرى قادرة على حل صراعات المنطقة وإقرار السلام في العالم, الرأي الذي شاركه فيه أوباما أول 2015 حين شرط على إيران الموافقة على شروط الدول الستة الكبرى بخصوص ملفها النووي لإنهاء العزلة الدولية التي تعيشها، وتحولها لقوة إقليمية كبرى لما تملكه من ثروات وموارد في خطوة للتفاهم بين البلدين، وعقد صفقة مصالحة بين إيران وأمريكا.

هل تدفع العقوبات الاقتصادية إيران نحو الخضوع لأمريكا؟

مع مراجعة حالات الحصار الاقتصادي التي فُرِضت على إيران منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى عام 2012 تشير إلى 172 حالة فشل منها حوالى 60%، وهي النسبة التي تزداد في حالة تكون فيها بنية النظام الدولي تعتمد على تعدد الأقطاب أو ثنائية قطبية، وهو ما يحدث اليوم مع تنامي الدور الروسي والصيني؛ مما عزز من فرصة إيران لمقاومة الضغوط.

رغم التوقعات بتدهور الاقتصاد الإيراني بشكل ينعكس على الموازنة بتقشف خلال عام 2015 عما كان في 2014 في إجراء للخروج سريعًا من الركود, فوفقًا لصندوق النقد الدولي فإن طهران تحتاج لأن يقترب سعر برميل النفط من 130 دولارًا لتغطية نفقاتها, ورغم ذلك فمن المرجح أن تواجه إيران هذا التحدي الاقتصادي بتطبيق بعض الاستراتيجيات اللازمة، مثل خفض الدعم وزيادة الضرائب وخفض قيمة سعر الصرف الأجنبي. لكن السار للقادة الإيرانيين هو زيادة متوقعة في الصادرات والواردات خاصة مع روسيا والصين وبعض الدول الأوروبية بفضل تمديد المحادثات النووية, أما الأمر الذي سيدفع إيران خطوات اقتصادية للأمام هو اعتمادها على العملة الوطنية في التجارة الخارجية بدلاً من الدولار، وهو المعمول به في وارداتها الغذائية لروسيا؛ مما يسهل تحسين التجارة الثنائية مع إيران, كما تنتظر طهران زيارة لوفد أيرلندي تجاري هذا العام ستزداد الصفقات مع عدة شراكات مع الدول الأوروبية وشركات أجنبية.

مع تعاون إقليمي ثنائي أقامته إيران مع بعض الدول بما فيها العراق وتركيا من المرجح أن تشتد العلاقات الخارجية لها خاصة مع زيارة رجب طيب أردوغان المنتظرة لـ”بلده الثاني” إيران في 2015، والتي يمكن أن تعتبر انطلاقة لعدة صفقات ثنائية وزيادة في التعاون الاستراتيجي المتصاعد بين طهران وإسطنبول، ومع العراق أيضًا حيث تخطط إيران لإنشاء بنك مشترك تحت اسم “بنك التعاون الإقليمي الإسلامي للتنمية والاستثمار” لتسهيل المعاملات التجارية العراقية الإيرانية تمهيدًا لرفع قيمتها لأكثر من 20 مليار دولار في السنوات الثلاثة القادمة.

إيران وروسيا يشكلان قطبًا دوليًّا مرتقبًا

أعلنت إيران وروسيا التواصل لاتفاقية إنشاء مفاعلات للطاقة النووية في إيران، في الوقت الذي تفاوض فيه أمريكا والدول الغربية الستة للتخلص من مشاريعها النووية، وقد وافقت روسيا على بناء مفاعلين للطاقة النووية في إيران مع إمكانية بناء 6 آخرين في وقت قريب في صفقة أوضحت مدى التعاون النووي الكبير بين الدولتين.

السياسة الروسية التي انتقدتها في البداية الولايات المتحدة الأمريكية بتوفير مفاعلات الطاقة النووية لأغراض سلمية لإيران، الأمر الذي اختلف بعدما وافقت روسيا على إكمال المفاعل الذي بدأ كمشروع ألماني قبل الثورة الإيرانية عام 1979، بشرط أن يكون الوقود النووي يستخدم في المصنع ويعاد معالجته بشركات روسية, الأزمة الإيرانية هو عند شراء إيران الوقود من روسيا فإن روسيا بذلك حرمت إيران من مبررات تطوير القدرة على تخصيب اليورانيوم على أراضيها، إلا أن إيران حتى الآن تقول إنها تحتاج لتخصيب اليورانيوم لأغراض طبية وليس للأغراض العسكرية.

قوة إيران الصاروخية تقربها من المركز الأول عالميًّا

تعمل إيران حاليًا على تطوير دقة قوتها الصاروخية لتمكينها من التخفي عن الرادار، وزيادة مدى الصواريخ لتتلاءم مع التهديدات المحتملة، والعمل عليها كي يمكنها تفادي الرصد بأجهزة الرادار. وأعلنت إيران أن بإمكانها استهداف حاملات الطائرات المعادية بسهولة بصواريخ ذات السرعة ما فوق الصوت، إيران تصنف رسميًّا كرابع القوى الصاروخية في العالم. يعتقد العديد من المراقبين أنها في طريقها نحو الصدارة.

في 2015، سيمكن لإيران تحقيق طفرة في تكنولوجيا الصواريخ بعيدة المدى من خلال تطوير واختبار صواريخ باليستية عابرة للقارت (ICBM)، والتي يمكنها الوصول حتى الولايات المتحدة الأمريكية، وهو التقدم الذي أحرزته إيران في  الصواريخ وكررت أن هدفها دفاعي ورادع فقط دون أي استراتيجية للهجوم, ويصاحب هذا انفراجة محتملة أخرى لنظام الدفاع الجوي الإيراني؛ حيث يخطط القادة الإيرانيون لكشف النقاب عن نظام دفاع مضاد للصواريخ حتى تتشابه مع منظومة صواريخ الدفاع الجوي الروسي أو تفوقه.

هل بالضغط تغير إيران استراتيجيتها وموقفها الداعم للنظام السوري؟

تحاول القوى الدولية استخدام الانخفاض الكبير والمستمر في أسعار النفط كورقة ضغط على القادة الإيرانيين لزعزعة مواقفها المتصلبة في قضايا جوهرية، مثل المفاوضات النووية ودعم الرئيس السوري بشار الأسد من أجل الخروج من العزلة والعقوبات الاقتصادية, لكن مع التحديات الاقتصادية فإن إيران تخطط لفعل معاكس لتزيد من الإنفاق على الدفاع والحرس الثوري بنسبة 50%، بالإضافة لدعمها الحكومة السورية بقرض بلغ 3,6 مليار دولار لشراء النفط ومليار دولار آخر للمنتجات غير النفطية, وهكذا تبدو الاستراتيجية الإيرانية أقل عرضة للتغير لتستمر في برنامجها النووي، ودعمها حزب الله وبشار الأسد، والتدخل بأعمال التحالف الشيعي العراقي الحاكم، وحماية العتبات المقدسة بالعراق بكل ما تملك حسب تصريحها.

إيران والولايات المتحدة: صفحة جديدة أم مجرد بروباجندا؟

بدا بعض التقارب في المصالح الاستراتيجية والجيوسياسية بين أمريكا وطهران، مع العمل على عودة قنوات دبلوماسية وعسكرية مباشرة وغير مباشرة، أو تعاون استخباراتي بين البلدين مرجح زيادته، وهو الذي وعد به باراك أوباما بداية العام الحالي، حيث يعتقد أوباما أن بإمكانه إجراء صفقة مصالحة معها كحليف مستقبلي مثلما حدث مع كوبا.

استخدم أوباما مؤخرًا وسيلة ودودة عبر مراسلته للمرشد الإيراني، وكان الهدف الحقيقي من الرسالة هو طمأنة إيران أن “تغيير النظام” ليس هدف أمريكا, وهناك مبعوثون من أمريكا وإيران يتحدثون الآن عن اتصالات غالبًا ما تمر دون أن يلاحظها أحد, وخلال العام الماضي كان هناك عشرات الاجتماعات بين جون كيري وزير الخارجية الأمريكية وكبار مساعديه مع نظرائهم الإيرانيين, مع حقيقة مؤكدة ترددت بأن الرئيس باراك أوباما حاول تأسيس قناة مباشرة بينه وبين المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي؛ مما يثبت إصرار أمريكا على استخدام جهودها الدبلوماسية.

جاءت قوة إيران في عدم الرد على الرسائل الأمريكية، فبالطبع لم تكن رسالة أوباما المثيرة للجدل هي الأولى، بل الرابعة منذ عام 2009 التي تحمل مضامين متشابهة،  تتلخص في أن الدولتين تواجهان الخطر ذاته في الشرق الأوسط، ومن الأفضل التعاون بينهما لمواجهته، ولم يرد المرشد الأعلى حتى اليوم، وهو ما يعني أن القناة بين البلدين ما تزال تسير في  طريق واحد.

اتهم آية الله خامنئي أمريكا بمحاولة قلب النظام الإسلامي في إيران، خاصة مع إصرارها على العقوبات الاقتصادية بشأن ملف إيران النووي والضغوط الدبلوماسية، وعزلها هذا كان كافٍ لاعتبار رسائل أوباما ماكرة، وذات هدف أبعد من التصالح، بالإضافة لخشية مؤيدي إيران من التطبيع، هذا عكس تكرار أوباما لغرضه بالعمل مع آية الله، وليس محاولة تدمير نظامه إذا وافقت إيران على وقف نشاطها النووي.

إيران تشهد انفتاحًا على العالم مع روحاني

خلال ولايته حاول حسن روحاني تقديم صورة مختلفة لإيران بعد خمسة وثلاثين عامًا من الثورة عن تلك كانت حتى رئاسة أحمدي نجاد، وعمل على إظهار إيران باعتبارها بلدًا قابلاً للانفتاح على جواره، وعقد صفقات مع دول العالم، وكسب صداقتها، وتعامل مع التناقضات والخلافات الموروثة، وأصبح مستعدًا للالتزام بالقوانين الدولية والتوصل إلى اتفاق على أساس الربح لكلا الطرفين.

ويستمر سعي روحاني لطمأنة المجتمع الدولي بشأن نشاطات بلاده النووية؛ فقال إنه فضلاً عن احترام إيران لجميع القوانين والمواثيق الدولية التي تحظر امتلاك السلاح النووي، فهي أيضًا ملتزمة بفتوى قائد الثورة الإسلامية التي تحرم هذا الأمر، والتي تعتبرها طهران أعلى ضمان لعدم انحراف برنامجها النووي عن مقاصده السلمية, لذا فهي ستظل متشبثة بمطلب إنهاء كافة صور العقوبات الدولية المفروضة عليها بشكل فوري وشامل، بينما يصر المجتمع الدولي بدفع من أمريكا بدورها على تجميد طهران أولاً لكافة أنشطتها النووية، ثم اتخاذ إجراءات بناء ثقة تجاه الغرب، قد تمتد عشرين عامًا حتى رفع العقوبات بشكل نهائي، وهذا التضارب في الرغبات – حتى الموعد النهائي لمناقشة الملف النووي الإيراني في يوليو 2015- يظهر مدى استعداد الأطراف للوصول لحل.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد