أحمد طلب

20

أحمد طلب

20

بين التفاؤل الذي صاحب وصول حسن روحاني إلى رأس السلطة في إيران منتصف عام 2013، وتوقَّعات الطفرة الاقتصادية بعد الاتفاق النووي عام 2015، لم يكن الإيرانيون يتخيَّلون أن يصل حال اقتصاد بلادهم إلى هذا الوضع الذي يشوبه الكثير من الضبابية، ويسيطر عليه الكثير من القلق، فرغم توقعات الانتعاش الاقتصادي، ما تزال عملة البلاد تعاني، ومعدلات البطالة تتفاقم، وفي النهاية لا يشعر كثيرٌ من المواطنين بتحسُّن حقيقي في مستويات المعيشة رغم الإيجابيات التي يتناولها الإعلام.

بنهاية 2015، كانت كل أنظار العالم متجة صوب طهران التي كانت تنتظر انتعاشًا اقتصاديًّا قويًّا، هذه النظرة لم تتغيَّر كثيرًا خلال العام الماضي 2016، فإيران بالفعل باتت أكثر انفتاحًا على العالم الاقتصادي، وأصبحت تنتج وتصدِّر النفط دون أي عوائق، ولكن منذ بداية 2017، بدأت هذه النظرة تتغيَّر، فلم تعد الصورة وردية كما كانت؛ إذ إنَّ أغلب المستثمرين لم ينفِّذوا وعودهم الرنانة، ولم تعد الصناعة بقوة، بل بدا الركود مسيطرًا على القطاع، ولكن هل سيتغير هذا الوضع بعد الانتخابات؟

الاستثمارات: قولٌ دون عمل

بعد الاتفاق التاريخي الذي رُفعت بموجبه العقوبات عن طهران، كان أهم ما يقوم به الرئيس الإيراني حسن روحاني هو الترحيب بمستثمرين من أنحاء العالم بحفاوة، ولكن حتى الآن يكتفي المسؤولون التنفيذيون بالقول دون العمل، وبالوعود دون التنفيذ، ومع المنافسة التي يخوضها روحاني بانتخابات الرئاسة المقررة هذا الأسبوع (19 مايو/ أيَّار)، أصبح الأمر غير مرحَّب به، فغياب المستثمرين عن التنفيذ وَضَعَ الرئيس في مأزقٍ ليس سهلًا، فربما لو نفَّذ المستثمرون وعودهم ما وجدنا هناك منافسًا حقيقيًّا لروحاني.

ستيفان ميشيل، رئيس أنشطة الاستكشاف والإنتاج لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في توتال، قال خلال منتدى للنفط والغاز للاتحاد الأوروبي وإيران الشهر الماضي: «إذا اقتصر الأمر في نهاية المطاف على القول دون العمل فثمَّة مشكلة»، وفي الواقع تعيش إيران مشكلة حقيقية، فبعد أن توصَّلت شركات الطاقة العالمية لأكثر من 12 اتفاقًا مع إيران العام الماضي، لإجراء دراسات على حقول نفط وغاز لم يتحول أيّ منها لعقد استثمار.

بينما يتَّهم روحاني وحكومته واشنطن بتسبُّبِهَا في فشلهم في جذب المليارات من الخارج، فما تزال أمريكا تفرض عددًا من العقوبات المالية، مما يمنَع البنوك الإيرانية من العودة للنظام المالي العالمي، كما أنَّ القلق من تصريحات الرئيس دونالد ترامب حول الاتفاق النووي، الذي يجعل الأمر ضبابيًّا بشكلٍ كبير، هو ما يثير مخاوف الشركات، سواءً في الداخل أو الخارج، إذ سبق لوزير النفط الإيراني بيجن زنغنه، أن قال إنَّ السبب الرئيسي في غياب الاستثمارات هو القيود السياسة والضغط على الشركات من جانب الولايات المتحدة.

عمومًا يبدو أن الرهان على جذب الاستثمارات بات رهانًا خاسرًا، فبعد أن سجلت وزارة الاقتصاد الإيرانية أكثر من 11 مليار دولار استثمارات مباشرة منذ يناير (كانون الثاني) 2016، لم يوظَّف منها في الواقع سوى مليار أو مليارين، وذلك بحسب ما ذكر النائب الأول لرئيس الوزراء الإيراني إسحق جهانغيري، لوكالة الأنباء الفرنسية، وهو ما يعتبرُ كارثيًّا، في الوقت الذي قدَّرت فيه حكومة روحاني الاستثمارات الأجنبية اللازمة للنهوض بالاقتصاد بنحو 50 مليار دولار سنويًّا.

إخفاقات روحاني

مؤشرات الاقتصاد الإيراني الرئيسية تشير إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي في عام 2014- 2015 إلى 415 مليار دولار، مقارنةً بـ 511.6 مليار دولار عام 2013- 2014، فيما يتوقَّع صندوق النقد الدولي أن يتواصل التراجع إلى نحو 374 مليار دولار في عام 2015- 2016.

البنك المركزي الإيراني من جانبه، قال إن الفائض في ميزان المدفوعات تحوَّل إلى عجزٍ في الشهور الستة الأولى من عام 2016-2017، إذ تظهر البيانات أن فائض ميزان المدفوعات وصل في 2015- 2016 إلى 2.2 مليار دولار، بعد أن كان 13.1 مليار دولار في العام الأول لروحاني، كما أظهرت نتائج النصف الأول من عام 2016- 2017 تحوُّل الفائض إلى عجز بنحو 7.6 مليار دولار.

البطالة، هي الأخرى تظلُّ أبرز الأزمات التي فشل روحاني في معالجتها، إذ تُظهر بيانات البنك المركزي الإيراني أنَّ نسبة البطالة بين الإيرانيين خلال النصف الأول من عام 2016- 2017 سجَّلت نحو 12.7% لمن هم في سن العمل فوق 15 عامًا، وتزيد هذه المعدلَّات لتصل إلى 26.7% لمن هم في سن 15- 29 عامًا،وهذه النسبة تُمثِّلُ ارتفاعًا يبلغ 1.7% مقارنة بالعام الماضي، ويعني هذا المعدل أن 3.3 ملايين إيراني عاطلون تمامًا عن العمل.

في المقابل، أصبح تراجع الريال الإيراني من سمات هذه المرحلة، إذ هبط إلى مستويات قياسية منخفضة مقابل الدولار، في نهاية العام الماضي، إذ بلغ سعر صرفه في السوق الحرة 41 ألفًا و500 ريال مقابل الدولار، في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وذلك مقارنة مع 35 ألفًا و570 ريالًا في منتصف سبتمبر (أيلول)، وهو أضعف مستوى للعملة الإيرانية منذ أواخر 2012.

لكنّ روحاني له إنجازات أيضًا

رغم صعوبة الأوضاع الحالية، إلا أن روحاني يعوِّل على إنجازاته الاقتصادية للحصول على فترةٍ رئاسيةٍ جديدة، فعندما انتهت فترة رئاسة أحمدي نجاد الثانية، كان الاقتصاد الإيراني ينكمش بنسبة 7% في العام، فيما وصلت نسبة التضخُّم إلى 40%، إلا أنَّه وجه اللوم كاملًا صوب العقوبات الدولية، ولكنَّ اقتصاديين حمَّلوا إدارته السيئة للاقتصاد مسؤولية ذلك، أما الآن ومع أنَّ الوضع أصبح أفضل نسبيًّا في فترة حكم روحاني، إلا أنَّ سقف التوقعات عالٍ جدًّا، والسبب هو روحاني نفسه لأنه وعد الشعب الإيراني بمعجزات عند رفع العقوبات.

ولكن يحسب لروحاني أنه نجح في الرفع الجزئي للعقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران عقب الاتفاق النووي مع مجموعة (5+1) لطهران، إذ تمكَّن من عقد العديد من الصفقات بشأن تجديد خطوط الطيران، إذ تسلَّمت «إيران إير» قبل ساعاتٍ من فتح صناديق الاقتراع، أربع طائرات من طراز إيه.تي.آر 72-600 ذات المحركات المروحية التوربينية، في صفقة ٍتأتي في إطار خططها لإعادة بناء أسطولها بعد رفع العقوبات عن طهران العام الماضي.

وكانت «إيران إير» و«إيه.تي.آر» قد وقَّعتا عقدًا ملزمًا بعدد 20 طائرة طراز إيه.تي.آر 72-600 مع خيار شراء 20 طائرة أخرى، ومن المقرر استكمال تسيلم الطائرات العشرين المؤكدة بحلول نهاية 2018.

وكذلك تمكَّنَ روحاني من تحديث خطوط إنتاج بلاده في قطاع الصناعة، وإبرام العديد من الاتفاقيات الخاصة بالتنقيب عن النفط والغاز الطبيعي، وتحديث البنية الأساسية، خاصة تلك المعنية بإنتاج الكهرباء، واستطاع كذلك السيطرة بعض الشيء على معدلات التضخم، إذ تظهر بيانات البنك المركزي الإيراني أن معدَّل التضخم على أساس سنوي في مارس (آذار) 2017 بلغ 9%، مقارنة بنحو 34.7% في عام 2013- 2014.

ومن الأمور التي تعدُّ كذلك من أهم إنجازات روحاني، هو تعامل البلاد مع منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، إذ أصبحت عضوًا فعالًا بالمنظمة، وربما تتحكَّم كذلك في توجُّه الإنتاج، فيما بعد قبول إيران لاتفاق خفض سقف الإنتاج، فقد ساهم ذلك في تحسين الصورة الخارجية لإيران، فيما أكدت مصادر لوكالة أنباء «رويترز» أنَّ إيران ستدعم اقتراح تمديد خفض إنتاج النفط تسعة أشهر، وهي نقطة إيجابية إضافية، كما أنه سيضمن توافر استثماراتٍ كافية في الإمدادات تفاديًا لأيّ نقص في المستقبل، وهي وجهة النظر ذاتها التي أبدتها السعودية.

صناعة السيارات تدعم فرص روحاني

فرخ نكهدار، الكاتب الإيراني، يرى أن «الإحباط هو سيد الموقف في المجتمع الإيراني في الوقت الحالي، وذلك سبب أن العجلة الاقتصادية باتت عاجزة عن الدوران»، لكنَّه يُؤكِّد كذلك أن روحاني هو صاحب الفرص الأوفر، فالاقتصاد هو العامل الأهم في حسم المعركة الانتخابية.

ويبدو أن روحاني يعي هذا الأمر جيدًا، إذ ألقى الضوء على الاستثمارات الفرنسية دليلًا على أنَّ سياسته المتعلقة بكبح البرنامج النووي واجتذاب أموال أجنبية ستعود بالفائدة على الاقتصاد، إذ تسعى شركات صناعة السيارات الفرنسية ومن بينها «بيجو ستروين» و«رينو» إلى تعويض غيابها في الولايات المتحدة بمميزاتٍ في إيران، من خلال الاستثمار في سوقٍ صاعدة ما تزال بعيدة عن متناول الشركات الأجنبية الأخرى المنافسة الخائفة من عقوبات ترامب.

ووقعت بيجو ستروين اتفاقات إنتاج بقيمة 700 مليون يورو (768 مليون دولار)، بينما أعلنت رينو عن استثمار ٍفي مصنع جديد لزيادة طاقتها الإنتاجية إلى 350 ألف سيارة سنويًّا، وما يجعل موقف هذه الشركات قويًّا هو عدم وجود مصانع لشركات صناعة السيارات الفرنسية أو أنشطة مبيعات في الولايات المتحدة، وهو ما يجعلها أقلّ عرضة لغرامات ناجمة عن أي انتهاك للعقوبات الأمريكية.

ويأتي دخول هذه الشركات للسوق الإيرانية في الوقت الذي قفزت فيه مبيعات السيارات الإيرانية 50% في الربع الأول من 2017 بحسب تقديرات «آي.إتش.إس أوتوموتيف» لخدمة البيانات، إذ حقَّقت طُرز من بيجو ورينو وسايبا الإيرانية مكاسب قوية.

نجاح روحاني في تدشين إنتاج السيارة بيجو 2008، يأتي في مقدمة موضوعات حملته الانتخابية، وهو الأمر الذي علَّق عليه مؤخرًا قائلًا: «الآن يمكننا أن نرى رفع العقوبات عن صناعة السيارات، واتفاقات لمشروعات مشتركة، وسيارة جديدة يجري تصنيعها».

تعليقات الفيسبوك