نشر موقع «جاده إيران» تقريرًا بعنوان: «ناغورنو كاراباخ: الحرب التي لا تريدها إيران»، وفيما يلي نص المادة:

على عتبة شتاء قوقازي موصوفٍ بصقيعه، تلفح رياح الحرب الشمالية وجه إيران. في 27 سبتمبر (أيلول) الماضي اندلعت معركة جديدة في إقليم ناغورنو كاراباخ المتنازع عليه بين أذربيجان وأرمينيا. الأزمة الممتدّة منذ عقود في جنوب القوقاز، تبدو اليوم أكثر حساسيّةً إقليميًّا ودوليًّا لاعتباراتٍ عديدة. إيران، الجارة الجنوبية لطرفي الصراع، تبنّت موقفًا محايدًا وأبدت استعدادها للتوسّط. ولأنّ الحياد ليس من سماتِ السياسة الخارجيّة الإيرانيّة عادةً، ولا سيّما تجاه الأزمات المتصّلة مباشرةً بالمصالح الإيرانيّة، يستدعي الموقف الرسمي لطهران من معركة «جبل الحديقة السوداء» أسئلةٌ حول محدّداته، والسيناريوهات المحتملة لتطوّره. علاقات المصالح مع باكو ويريفان من أبرز هذه المحدّدات. لم تكن علاقات ثابتة لفترة طويلة مع أي من الطرفين، بل مدّ وجزر تحكّمت بحدّتهما المصالح الاقتصادية الإيرانية، والأبعاد القومية. لكن هذه العناصر على أهميّتها، لا تنفكّ في المنظور الإيراني، عن الأحلاف الأذرية والأرمينية مع أطراف أساسية في المشهد القوقازي، أبرزها روسيا، وتركيا، وإسرائيل، وأمريكا بطبيعة الحال. هكذا قد يستمر الحياد الإيراني الحالي، وقد يتبدّل إلى انحياز لأحد طرفي النزاع، كما جرى في معارك سابقة، ولذلك ما يفسّره.

العلاقات مع أذربيجان.. لغم الداخل والتحدّي الإسرائيلي

خلافًا للشائع حول دعم إيران الشيعية لأرمينيا المسيحية ضد أذربيجان الشيعية، يبدو موقف أذربيجان قويًا ضمن الحسابات طهران. فالأخيرة بحسب الأستاذ الجامعي عماد ابشناس لا تستطيع أن تقفز عن «الدعم القومي والمذهبي للإذريين في إيران». أول المؤشرات الدّالة على ذلك أخيرًا، تصريحات ممثلي المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي في المحافظات الشمالية الغربية (ذات الأكثرية الأذرية) الداعمة لموقف أذربيجان في مطالبتها وسعيها لاستعادة الإقليم المتنازع عليه، فضلًا عن اعتبارهم أنّ «عدم اهتمام الجمهورية الإسلامية لاحتلال كاراباخ من أرمينيا، سيؤدي إلى احتلال باكو». موقف مدروس من ممثلي المرشد ولا بدّ أنّه صادر بموافقته. فبالإضافة إلى انسجام الموقف مع القناعة الإيرانية بالحق الأذري التاريخي بأراضي الإقليم المتنازع عليه، يبدو كأنّه خطوة استباقية لمسايرة معظم سكان المحافظات المذكورة، منعًا لأي اصطدامٍ داخلي قد يؤدي إليه موقف إيرانيٌّ رسميٌّ منحاز لأرمينيا، بالرغم من استبعاد ذلك في المدى المنظور على الأقل.

عام 1991 اعترفت إيران باستقلال أذربيجان عن الاتحاد السوفياتي، وتبادل البلدان السفراء. ومنذ تلك الفترة بدأ مسار من الصعود والهبوط في علاقات البلدين. تعاون نوعيّ، هكذا يمكن وصف الدعم الإيراني لباكو في أولى المعارك مع أرمينيا التي هاجمت كاراباخ بدعم من قوات روسية. شخصيات إيرانية عسكرية بارزة ومتمرّسة درّبت القوات الأذرية. سريعًا، تشكّلت مجموعة «آبون» ذات الدور المعروف في تلك الحرب. وينقل الرئيس الإيراني الراحل هاشمي رفسنجاني في مذكراته، عددًا من الشواهد الدالة على التنسيق مع باكو: صفقة أسلحة قدّر قيمتها بـ30 مليون دولار، اشتراط رفسنجاني على نظيره الأرمني تعديل الموقف من الهجوم على أذربيجان، رسالة أمريكية إلى إيران عبر سويسرا تطالبها فيها بعدم المشاركة في الحرب. رعت طهران تفاوضًا بين المتنازعين ونتج عن ذلك إعلان طهران، فكانت أول وساطة إيرانية ناجحة هناك.

سنوات قليلة مرّت قبل أن تنقلب الآية، ويسود التوتر مع أذربيجان، بموازاة صعود نجم العلاقات الأذرية الإسرائيلية. أنهى هجوم عسكري أذري بأمر من علييف مجموعة «آبون». شيئًا فشيئًا بدأت باكو تطالب طهران بالخروج من مجالها الحيوي قولًا وفعلًا. لا يترك مسار العلاقات الأذرية الإسرائيلية مجالًا أمام إيران سوى للحذر الشديد. لأن مصالحها الوطنية بحسب ابشناس «ستبقى مهددة في ظل هذا المستوى من العلاقات بين باكو وتل أبيب».

خطورة التعاون الأذري الإسرائيلي اقتصاديًا، تكمن في أنّها مرتبطة بقطاعاتٍ حسّاسة: الطاقة والأسلحة. إسرائيل هي الشريك التجاري السادس لباكو، التي تزوّدها بنحو نصف حاجاتها من النفط. وفي المقابل، تعدّ إسرائيل أبرز مصدر للترسانة الأذرية، على مستوى التقنيات المتقدمة كمنظومة القبة الحديدة لاعتراض الصواريخ، والطائرات المسيّرة، وبرامج التدريب والتعاون الاستخباري. هنا يزداد القلق الإيراني من كون أذربيجان محطة تجسّس أساسية لإسرائيل على إيران انطلاقًا من شمالها. وهو الأمر الذي أكده المحلل السياسي الإسرائيلي ريتشال أوراهام عندما قال إن «أذربيجان هي عين وأذن إسرائيل في مواجهة إيران»، حتى على المستوى الرسمي لا تتورع تل أبيب عن التلميح لدور باكو في صراعها مع طهران، إذ اعتبر أفيغدور ليبرمان إبان قيادته لوزارة الخارجية عام 2012 أن «أذربيجان بالنسبة لإسرائيل أهم من فرنسا».

مظاهر القلق الإيراني لطالما تجسدت في أحداث جدلية، ففي عام 2014 قالت السلطات الرسمية الإيرانية إن طائرة مسيرة إسرائيلية انطلقت من أذربيجان، وأسقطتها الدفاعات الإيرانية في سماء العاصمة. وفي الآونة الأخيرة، نفت باكو ما تناقلته وسائل إعلام، عن رصد الرادار الروسي «كونيتنز» طائرة هاجمت إيران من المجال الجوي الأذري، تزامنًا مع حادثة تفجير مفاعل «نتنز»، وقالت «إن هذه الإشاعات تهدف إلى تقويض العلاقة الأذرية الإيرانية وهدفها الإضرار بحسن الجوار».

تعدّ أذربيجان المعبر الوحيد الذي يربط إيران بروسيا من الشمال، وهذا بدوره يؤمن للجمهورية الإسلامية خط اتصال بأوروبا، كما أن البلدين يطلان على بحر قزوين الذي يحوي ثروات نفطية لا يمكن لطرف من الأطراف المطلة على البحر الاستحواذ عليها دون توافق جماعي. هذه أبرز العناصر التي تجعل من إعادة تحسين العلاقات بين البلدين أمرًا ضروريًا بمعيار المصالح المشتركة.

وهذا فعلًا ما باشره البلدان بين عامي 1992 و1995 حيث كانت إيران الشريك التجاري الأول لأذربيجان، وقد ساهم في تعزيز هذا الحجم السياسة التي اتبعها الرئيس السابق حيدر علييف، عبر مذكرات التعاون التي وقعها في زيارته لإيران عام 1994. لكن في العام نفسه، وأمام الضغط الأمريكي والعقوبات المفروضة على إيران، استبعدت أذربيجان إيران من مشروع القرن النفطي الذي دشنته عام 1994، وتواصلت في توسيعه ليشمل بعد سنوات 35 عقدا مع 41 شركة نفطية من 19 دولة، وقد أدى استبعاد طهران لحالة من انعدام الثقة مع باكو، ما جعل تركيا وروسيا تتصدران موقع الشراكة التجارية مع أذربيجان، لتحل إيران بعدهما.

تراجع إيران من موقع الشراكة مع أذربيجان لم يتوقف عند هذا الحد، حيث كانت عام 2011 الشريك التجاري الـ19، لينخفض ترتيبها للشريك الـ23، وذلك في الوقت الذي كانت أذربيجان من أوائل شركاء إيران التجاريين، وقد سجل حجم التبادل التجاري بينهما في حينه 305 مليون دولار، بعدما بلغ 540 مليون دولار عام 2007.

في السنوات الأخيرة، عاد حجم التبادل التجاري بين البلدين للارتفاع إلى ثلاثة أضعاف، بحسب رئيس وزراء أذربيجان شاهين مصطفاييف، وهو الأمر الذي تعزز بوجود 1500 شركة إيرانية في أذربيجان. كذلك أوضح الرئيس الأذري إلهام علييف العام الماضي، خلال استقباله لنظيره الإيراني حسن روحاني أن التجارة نمت بين البلدين بنسبة 70%. تشير لجنة الجمارك الحكومية في أذربيجان أن حجم التبادل التجاري مع إيران خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) 2020 إلى أغسطس (آب) 2020 بلغ 204 مليون و200 ألف دولار، وبذلك تتصدر إيران قائمة الدول في منطقة الخليج، من حيث التبادل التجاري مع باكو.

ويعدّ خط السكك الحديدية بين إيران وأذربيجان العامل الأهم في تقوية التبادل التجاري. رئيس إدارة الجمارك الإيرانية مهدي مير أشرفي قال في أغسطس 2020 إنه «خلال الفترة الماضية من العام الحالي بلغت القيمة الإجمالية للشحن من إيران إلى روسيا، والذي يمر عبر أذربيجان 1 مليار و500 مليون دولار».

كذلك، يشير رئيس إدارة السكك الحديدية الإيرانية سعيد رسولي في أغسطس 2020 إلى أن روسيا والهند نقلتا 513 مليون طن من البضائع عبر إيران خلال العام الماضي، منها 208 مليون طن عبر السكك الحديدية التي تمر عبر أذربيجان، متوقعًا أن يزيد حجم الشحن بينهما عندما يُنجر مشروع سكة حديد قزوين – رشت – ستارا (إيران)- ستارا (أذربيجان)، وهو المشروع الذي يشكل أساس النقل الدولي من جنوب إيران إلى شمالها، حيث تُنقل البضائع من وإلى الهند بحرًا عبر ميناء تشبهار على المحيط الهندي. البضائع اليوم تنتقل بريًا لتشحن عبر السكة المذكورة التي تعمل الآن في جزء قزوين – رشت وستارا (إيران) – ستارا (أذربيجان)، ومن المقرر أن يستكمل قسم رشت- ستارا (إيران) على أن يُربط بهما خط سكة ميناء جبهار- زاهدان الذي بدأت إيران ببنائه أخيرًا، وعند استكمال هذا المشروع ستصبح الطريق سالكة لدول جنوب شرق أسيا لكي تورد وتستورد من وإلى أوروبا عبر إيران – أذربيجان – روسيا.

العلاقات مع أرمينيا.. الاستمرارية في حمى المصالح المشتركة

على عتبة عامها الثلاثين، تبدو العلاقات الإيرانية الأرمينية محصّنة. وكما حصل مع أذربيجان، كانت طهران من أوائل المعترفين باستقلال أرمينيا عن الاتحاد السوفياتي عام 1991. وقد استغل عدد من الإيرانيين الأوضاع الجديدة لأرمينيا بعد الاستقلال وتوجهوا إلى هناك وحصلوا على هوية البلاد.

الدعم الروسي لييريفان خلال الحرب الأولى في ناغورنو كاراباخ عام 1991، شكّل قلقًا لطهران، ما جعلها تصطف بدايةً مع باكو. لكن، مع بدء التضييق الأذري على الإيرانيين الذين شاركوا في المعارك، معطوفًا على الدخول الإسرائيلي على الخط إلى جانب أذربيجان، وبدء قادة الأخيرة التصريح علنًا بضرورة ضم المناطق الأذرية في إيران إلى دولتهم، كل ذلك، أسّس لانعطافة إيرانية نحو توطيد العلاقات مع أرمينيا، من دون تجاهل دور المجتمع الأرميني في إيران وأوروبا والولايات المتحدة.

استمر مسار تطور العلاقات، مدفوعًا بمجموعة من الثوابت. فإيران تمثل لأرمينيا بوابتها على العالم الإسلامي، في ظلّ إقفال حدودها مع تركيا وأذربيجان. وفي المقابل تشكل أرمينيا بوابة إيران للدول المسيحية في العالم، كما أن أرمينيا ترى في العلاقة مع إيران الإسلامية، حائلًا أمام تحويل أذربيجان قضية إلى صراع ديني. كذلك، وبعكس البدايات فإن وجود القاعدة العسكرية الروسية في أرمينيا، واعتبار الأخيرة روسيا حليفًا إستراتيجيًا لها في السياسة الخارجية، شكل مبعث طمأنينة لإيران مع مرور السنوات.

تطوّر العلاقات السياسية عزّز العلاقات الاقتصادية، لبلدين يشعران بمحاولات العزل عن المحيط، إذ يُحيط بأرمينيا تركيا وأذربيجان، بينما تحيط العقوبات القاسية بإيران وتحد من تواصلها مع العالم، وهذا ساهم بدوره في تعزيز التبادل التجاري بين طهران ويريفان، إذ تجاوزت قيمة هذا التبادل خلال الشهور الأربعة الأولى من 2020 أكثر من 100 مليون دولار. وبحسب الإحصاءات المنشورة فإن إيران تصدر لأرمينيا أكثر مما تستورد منها؛ ما يعني أن الأخيرة تشكل سوقًا مهمّة لإيران. فمعظم البيوت الأرمينية تحصل على تدفئتها في الشتاء من الغاز الإيراني، أما الإيرانيون فيتوجهون لأرمينيا لشراء المسائل المصنفة كرفاهية، من أجهزة حاسوب محمولة ومجوهرات وغيرها، بعدما مُنع استيرادها وتصديرها لإيران. كذلك فإن جائحة كورونا لم تؤثر مؤخرًا على استمرار العمل في خط إمداد أرمينيا بالكهرباء من إيران، بحسب تصريحات السفير الأرميني في طهران أرتاشيس تومانيان.

كانت إيران في العام 2017 تعتلي المرتبة السادسة بين الشركاء التجاريين لأرمينيا، وفي عام 2019، تقدمت إلى المنزلة الخامسة، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال العام الأخير 320 مليون دولار سنويًا، وشكلت الزراعة والثروة الحيوانية والطاقة، ولا سيما الغاز والكهرباء أبرز قطاعات التبادل التجاري.

العلاقة مع إسرائيل.. طهران تقلق ويريفان تُطمئن

لم تسلم العلاقات التي تنسجها إيران مع دول جوارها من تأثير طرف ثالث هو إسرائيل فكما ساهمت علاقات الأخيرة بأذربيجان في عرقلة تطور العلاقات الإيرانية – الأذرية، فإن التوسع المفاجئ في العلاقات بين أرمينيا وإسرائيل ألقى بظلاله على العلاقات الثنائية الوثيقة بين إيران وأرمينيا. فبعد أن قررت يريفان فتح سفارة لإسرائيل فيها عام 2018. اعتبر الكاتب الإيراني حميد رضا عزيزي هذا الأمر حلقة جديدة تُضاف لسلسلة طويلة الأمد في جهود إسرائيل الهادفة لحصار إيران إستراتيجيًا، حيث يعتقد رضا عزيزي في مقاله بصحيفة «اعتماد» الإصلاحية، أن هذا المسار الإسرائيلي نجح في افتتاح سفارة في تركمانستان عام 2009، وطور التعاون العسكري بين تل أبيب وباكو، قبل أن يصل لقرار أرمينيا افتتاح سفارة لإسرائيل فيها، وهذا برأيه سيخلق تحديات أمنية لإيران والمنطقة.

استشعار طهران الخطر من هذه الخطوة، دفع مستشار رئيس البرلمان الإيراني للشؤون الدولية حسين أمير عبد اللهيان لإدانة هذا الأمر، كما تظاهر عدد من الطلاب الإيرانيين أمام سفارة أرمينيا في طهران رفضًا لهذا القرار الأرميني. لكن المسؤولين الأرمن أكدوا أن قرار يريفان كان معروفًا لطهران في البداية، وأن تعزيز العلاقات بين إسرائيل وأرمينيا ليس موجّهًا ضد أي طرف ولا سيما إيران. في هذا السياق، يجزم السفير الأرميني في إسرائيل أن «إيران لا تستطيع التأثير على علاقات أرمينيا مع إسرائيل»، وفي المقابل يقول إن «وزارة الخارجية والمؤسسات الإسرائيلية تدرك أن العلاقات الطيبة مع إيران ضرورية لأرمينيا»، مضيفًا أن إيران «جارة جيدة جدًا» وقدمت دعمًا كبيرًا لأرمينيا في اللحظات الصعبة.

بالرغم من التطمينات التي تقدمها يريفان لطهران في هذا الجانب، إلا أن الأخيرة لم تفصل هذا المسار الذي انتهجته جارتها مع إسرائيل، عمّا يسميه الخبراء الإيرانيون «الثورة المخملية» التي شهدتها أرمينيا عام 2018، وجلبت نيكول باشينيان إلى السلطة، حيث عمل باشينيان على توسيع العلاقات بين أرمينيا والغرب بشكل كبير؛ ما دفع مجموعة من الخبراء والمسؤولين الإيرانيين للتأكيد على أن تعزيز الروابط بين يريفان وتل أبيب جزء من سياسة الضغط الأقصى على إيران، بتنسيق وإقناع من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وللصدفة، تولّى باشينيان السلطة في اليوم نفسه الذي أعلن فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي. كما أن زيارة مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق جون بولتون، المعروف بعدائه لإيران في أكتوبر (تشرين الأول) 2018، لأرمينيا، عززت القلق الإيراني من الدور الأمريكي في صناعة التوجهات الأرمينية الجديدة.

في موازاة ما سبق، يشكّل تطوّر العلاقات الروسية الأرمينية عامل طمأنة لإيران، بأن ما يحصل في أرمينيا على صعيد العلاقات مع الغرب ليس جذريًا. وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف نشر ورقة لحل أزمة كاراباخ، تتضمن إعادة أرمينيا بعض المناطق لأذربيجان، وقامت روسيا بنشر قوات حفظ سلام في المناطق التي تقول إنها يجب أن تعود لأذربيجان. كذلك قدم رئيس الوزراء باشينيان في وقت لاحق من زيارة بولتون موقفًا حاول فيه إرضاء طهران، إذا عبر عن تطلعه إلى رفع مستوى العلاقات مع إيران، متأملًا أن يتفهم شركاؤه الأمريكيين حاجة أرمينيا لهذه العلاقات، مع تأكيده على أن أرمينيا تسعى إلى تطوريها دائمًا.

خلاصات

  • تنظر إيران بقلق بالغ إلى تطوّر الموقف العسكري في ناغورنو كاراباخ. تدفع دبلوماسيًا في اتجاه وقف المعارك، وحلّ الأزمة على نحوٍ سلميّ. تطرح طهران نفسها مجددًا كوسيط موضوعي بين الطرفين. ما يناسب إيران في المدى المنظور، هو بقاء الوضع على ما هو عليه قبل المعارك الأخيرة. الوجود الأرميني في الأراضي الأذرية يمنع تمدد تركيا في جنوب القوقاز، عبر نفوذها في أذربيجان، كما أنّ حلّ الأزمة سلميًّا يجنّبها تداعياتٍ داخلية قد تحصل، في حال امتدّت المعركة وبدأت المطالب من سكان المحافظات ذات الغالبية الأذرية باتخاذ موقف رسميٍّ واضحٍ داعمٍ لأذربيجان، بما يعنيه ذلك من أزمة داخلية، ومن احتمال اشتباك بين القوميتين الأذرية والأرمينية في إيران، علمًا أن الديموغرافيا الأذرية أكبر بكثير من تلك الأرمنية، وأكثر حضورًا في مراكز صنع القرار الإيراني.
  • بقاء المعارك من دون وقف إطلاق النار، يضيف ساحة صراعٍ جديدة ضمن فلك الأمن القومي الإيراني. تمدّد الحرب يعني المزيد من الاستنزاف لإيران. خصوصًا وأنّ هذه الساحة ستكون محكومة بتدخلاتٍ خارجية أبعد من الأطراف المعنيين مباشرةً بها. كلّما حضرت أمريكا وإسرائيل في هذه الساحة، سيزداد القلق الإيراني، وقد تكون ساحة مواجهةٍ أخرى على حدودها، في مشهدٍ يشبه القلق الإيراني من الترجمة الميدانية للتطبيع بين إسرائيل، والإمارات العربية المتحدة، والبحرين.
  • تفتح هذه المعركة بابًا جديدًا للتعاون الإقليمي بين إيران، وتركيا، وروسيا. تعاون على قاعدة الحلول الإقليمية خارج الهيمنة الأمريكية على مناطق النزاع في العالم. قد تكون صورة مشابهة للتعاون في ما يخص الأزمة السوريّة ومسارات الحل المستمرة هناك، أي تقاسم نفوذ، من شأنه ربط الأزمات الإقليمية بعضها ببعض على نحو أكثر وضوحًا ومباشرةً.
عرض التعليقات
تحميل المزيد