جملة من الخلافات بين الحليفين روسيا وإيران، أزيح الستار عنها خلال اللحظات الأخيرة في معركة حلب، واستمرت بعد مرحلة قطف «ثمار النصر» كما سماها الحلفاء، فبعد سيطرة النظام على حلب بدعم إيراني كامل، ظهر الروس وكأنهم وحدهم من حقق تلك السيطرة، نشروا صورًا لعناصرهم في المدينة، متجاهلين دور إيران التي عرقلت غضبًا اتفاقهم مع تركيا.

التحالف الروسي مع تركيا وإسرائيل، ومصير الأسد ونظامه واستمرار الحرب أم توقفها، وقضايا خلافية أخرى كانت محط قراءات تحليلية متعددة، بعضها يستبعد وصول هذه الخلافات إلى عداء وصدام، والبعض الآخر يتوقع أن يتحول الحليفان إلى خصمين بينهما صدام مباشر في سوريا.

حلب.. التفاوض أم استمرار الحرب

بدأت تتضح ملامح الصراع الروسي الإيراني خلال معركة حلب، فمن الضربات الجوية التي استهدفت أماكن تمركز الميليشيات الإيرانية في ريفي حلب الشمالي والجنوبي، إلى الاتفاق الروسي التركي حول إجلاء المدنيين من مدينة حلب، وآخرها عدم السماح للميليشيات الشيعية بدخول الأحياء التي خرج منها ثوار حلب قبل أيام.

يقول رئيس تحرير موقع «بلدي نيوز»، أيمن مصطفي محمد، إن طهران تدرك أن تخلي موسكو عن دعمها وميليشياتها جويًا في سوريا سيؤدي إلى انهيار سريع لها أمام فصائل الثوار، ولذلك ستعمل على خفض سقف مطالبها بخصوص إقرار حل سياسي في سوريا تريد موسكو التوصل له قبل وصول «دونالد ترامب» لسدة الحكم في البيت الأبيض، ويعتبر محمد أن السبب الأبرز للخلافات الروسية الإيرانية، هو خشية موسكو من تمدد إيران في المنطقة والوصول للبحر المتوسط وهو ما يهدد مصالح موسكو الاستراتيجية، التي تخشى من تصدير الغاز الإيراني عبر المتوسط إلى أوروبا، حسب محمد.

من جانبه، يعتبر الصحافي السوري محمد أمين أن معركة حلب هي المحطة التي أوضحت بشكل جلي الفرق الشاسع بين موسكو وطهران حيال الملف السوري، موضحًا خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: «حاولت السلطات الروسية تحييد إيران عن الاتفاق مع المعارضة عبر تركيا وهو ما اعتبرته طهران تجاوزًا لها فردت بتعويق الاتفاق وتعطيله حتى تحقق لها ما أرادت من خلال ربط حلب ببلدتي كفريا والفوعا الشيعيتين قرب مدينة إدلب حيث تجهد إيران للتأكيد على أنها حامية للشيعة في العالم».

وفي استعراض لمقال تحليلي بصحيفة الجارديان البريطانية، لسايمون تيزدل، قال إنّ «هناك مؤشرات على أن المنتصرين يختصمون اليوم مثل اللصوص على اقتسام ما نهبوه«، مُضيفًا أنّ «تحالف روسيا مع إيران سيطرح إشكالًا، لأن إيران تعتبر النصر في حلب نصرًا على الولايات المتحدة وعلى غريمتها السعودية والسنة، فطهران على عكس موسكو، ترى القضية من منظار طائفي بحت».

ويتطرق تيزدل إلى التوافق الروسي الأمريكي حول سوريا، ويرى أن «الصورة الكبيرة لبوتين تدل على انتظار الإدارة الأمريكية القادمة تحت قيادة دونالد ترامب التي قد توافق على بقاء الأسد في السلطة، عكس أوباما»، معتبرًا أن الإدارة الأمريكية الجديدة قد تقبل بقاء الأسد إذا جوبهت بأدلة أنه يقاتل تنظيم الدولة الإسلامية، لكن فريق ترامب الجديد معادٍ بشكل كبير لإيران، حسب تيزدل.

التحالف الاستراتيجي بين تركيا وروسيا

تركيا، هي كلمة السر التي أبرزت بشكل واضح الخلافات بين روسيا وإيران، فما لبث أن ظهر تقارب أنقرة وموسكو بالتفاوض لاحتواء أزمة حلب حتى ظهر الاعتراض الإيراني بعرقلة ما توصل إليه الطرفان.

الرئيسان التركي والروسي (مصدر الصورة: وكالات)

ويرى الصحافي المهتم بالشأن التركي عبو الحسو، أنه يومًا بعد يوم تزداد الهوة بين روسيا وإيران وتبدأ ملامح خلاف بين الطرفين بالظهور، ويستشهد على ذلك بالقول: «ظهر ذلك جليًا في الفترة اﻷخيرة في معركة حلب وإجلاء المدنيين الذي تم بالتوافق بين تركيا وروسيا، ولذلك حاولت إيران عرقلة الاتفاقية واحتجاز 800 مهجر من قبل الميليشيات الشيعية المدعومة إيرانيًا واشتراط إخراج تحت مسمى جرحى مدنيين وعسكريين من كفريا والفوعة الشيعيتين لاستئناف عمليات اﻻخلاء»، كما ظهر هذا الخلاف في قصف الطائرات الروسية لعناصر من حزب الله قبل أيام في حي الراشدين وكذلك قصف نبل والزهراء قبل شهرين.

ويؤكد الحسو على أن العلاقة بين إيران وروسيا هي علاقة تنسيق استراتيجي وليست تحالفًا استراتيجيًا، بينما العلاقة بين روسيا وتركيا وكذلك بين روسيا وإسرائيل تحالف استراتيجي، مستدركًا لـ«ساسة بوست»: «لذلك اختلاف حلفاء روسيا مع إيران سيفتح الباب إلى خلافات أوسع مستقبلًا بين إيران وروسيا على المدى المتوسط والبعيد»، ويوضح الحسو أن روسيا لا تريد الغوص أكثر في المستنقع السوري وتبحث عن مخرج سياسي، ومؤتمر الأستانة القادم قد يكون المخرج، لكن إيران –حسب الحسو- تبحث عن حل عسكري حاسم لكنها لا تستطيع تحقيق ذلك بدون الروس ومضطرة إلى مجاراة روسيا المتفوقة عسكريًا في سوريا.

من جانبه، يعتبر رئيس تحرير موقع «بلدي نيوز»، أيمن مصطفى محمد، أن روسيا تحاول العمل مع تركيا على احتواء فصائل المعارضة المسلحة والمعارضة السياسية بهدف دفعها للجلوس على طاولة مفاوضات مع نظام الأسد، مُضيفًا لـ«ساسة بوست» أن «تركيا لا تقدم نفسها على أنها دولة سنية في المنطقة على عكس إيران التي تحاول التوسع واحتلال العراق وسوريا ولبنان، ولذلك فإن طهران بدأت بالشعور أن ما حققته من مكتسبات في سوريا مهدد مع التقارب الروسي التركي على أعلى المستويات سياسيًا وعسكريًا».

أما الكاتب السوري أحمد الهواس فيرى أن «ما يطفو على السطح من خلافات يكمن في قضيتين رئيستين، الأولى تتمثل في أنّ روسيا تريد التنسيق مع تركيا بما يحقق مصالحها على المدى البعيد، ومنه خط الغاز الروسي عبر تركيا, مقابل تعهد روسيا بعدم السماح بنمو دولة كردية على حدودها»، أما القضية الثانية فتتمثل في أنّ روسيا من خلال تفاهمات مع تركيا يمكن أن تتخلى عن رأس النظام مقابل تحقيق مصالحها في سوريا، في حين تريد إيران إبقاء النظام، حسب الهواس.

الأسد أم النظام؟

واحدة من النقاط الأكثر خلافًا بين روسيا وإيران هي مصير الأسد، فبينما ترى إيران بقاءه خطًا أحمر، لا تتمسك به روسيا ولا تعتبر إزاحته في أول تفاهم دولي مستبعد بالنسبة لها.

يؤكد الصحافي السوري محمد أمين على أن الخلاف الروسي الإيراني في سوريا وعليها ليس جديدًا وهو غير خاف على المتابعين للمشهد السوري الدامي، وتابع القول: «المصالح والرؤى متباينة بل متناقضة، ولكن حاجة كل طرف للآخر كان وراء تأجيل تفاقمها».

ويضيف أمين معقبًا على الخلاف بين الطرفين: «روسيا تريد بقاء النظام حتى لو سقط الأسد وإيران تريد الأسد حتى لو سقط النظام»، مُستكملًا: «موسكو لها مصالح عسكرية واقتصادية حصلت عليها إلى حد كبير وإيران تريد سوريا كلها تابعة لها وتسعى للهيمنة على المشرق العربي كله بحيث تفتح طريقًا متصلًا من مدينة قم حتى بيروت». ويتوقع أمين أن يرشح الخلاف للتصاعد والغلبة ستكون لموسكو صاحبة اليد الطولى عسكريًا حسب أمين الذي ختم بالقول: «فلولا الطيران الروسي لكانت إيران هزمت في سوريا وهي كانت على وشك الهزيمة في عام 2015 قبل التدخل الروسي في سبتمبر من العام الفائت».

ويتفق أمين مع الحسو الذي قال: «تعتبر روسيا بقاء الأسد وسيلة لتعزيز موقعها السياسي والعسكري وكي تصبح ندا للولايات المتحدة الأمريكية، بينما إيران تدعم اﻷسد من باب مذهبي وعقائدي لتكمل الهلال الشيعي وأركان المثلث المقاوم إيران والأسد وحزب الله، لذلك قد تتخلى روسيا عن اﻷسد في حال تحقق مصالحها عكس إيران التي ترى بقاء الأسد هو أمر وجودي بالنسبة لها».

من جانبه، يعتقد محلل الشؤون الدولية في صحيفة كوميرسانت، سيرجي ستروكان، أن «إيران تحاول بكل الوسائل تعزيز نظام الأسد وتحقيق انتصارات أكثر في حلب وهو ما لا تريده روسيا، كون ذلك سيؤدي إلى تصعيد توتر العلاقات بينها وبين العالم العربي من جهة وبينها وبين الغرب من جهة أخرى».

وشدد محلل الشؤون الدولية على أن الخلاف بين روسيا وإيران هو خلاف جوهري يتعلق بمستقبل سوريا، حيث أن «طهران ليست مهتمة بالتسوية السياسية للأزمة كون ذلك سيضع مصير الأسد على المحك، فضلًا عن أنها تنظر إلى الوضع في سوريا من منظور المواجهة بين الشيعة والسنة في العالم العربي، وتعتبر الوضع في حلب وعملية الإجلاء على أنها تصفية حسابات، لذلك فإنها تلعب دورًا سلبيًا في هذه الأزمة وستستمر بوضع العقبات أمام أي محاولات لتسويتها»، حسب ستروكان.

من جانبه، يقول المفكر والمعارض السوري، برهان غليون، أن «المشروع الروسي يتعارض مع مخططات طهران بشكل قاطع. فليس لطهران أي مصلحةٍ بوقف الحرب السورية. وبينما تريد موسكو استثمار سقوط حلب لتعزيز فرص إيقاف الحرب، تطمح طهران إلى تحويل سقوط حلب إلى فرصة لانقلابٍ شاملٍ في علاقتها بسورية والمنطقة، وتحويل سورية إلى عراقٍ ثانٍ تتحكّم به مليشياتها وحرسها الثوري».

وأضاف في مقال نشر له في صحيفة العربي الجديد بعنوان «طريق موسكو لإخماد نيران الحرب السورية» أن «طهران تشعر أن موسكو، تحاول أن تخطف اللقمة من فمها. وما يؤرقها أكثر أن الوقت يداهمها، ولم يعد لديها فرصٌ كثيرةٌ للمناورة قبل قدوم الإدارة الأمريكية الجديدة، التي يتميز عديد من شخصياتها، إن لم يكن معظمهم، بمعاداتهم الشديدة لسياسات النظام الإيراني».

ويوضح غليون أنّ «أجندة موسكو وطهران تختلف، فبينما تعتقد موسكو أنها في أفضل وضع لحصاد ما زرعته، وإن أي إضاعةٍ للوقت يهدّد مكاسبها، تشعر طهران بأنها بالكاد انتهت من نصب الفخ للطريدة، فكل ما فعلته، في السنوات السابقة، كان تمهيدًا لحل عرى المجتمع وتفكيكه وتدمير الدولة. والآن، جاء أوان الزرع ووضع البذار، أي العمل على شرعنة المليشيات».

ويستبعد غليون أن يكون التحالف الروسي الإيراني «مهدّدًا بالتفكّك»، واعتبر أنه: «ليس هناك أي مصلحة لطهران أو موسكو في إنهاء تحالفهما المفيد من نواحٍ عديدة أخرى. فموسكو لا تزال تحتاج إلى القوة البرية الإيرانية لإحكام قبضتها على سورية، تمامًا كما تحتاج طهران إلى المظلة الجوية والسياسية الروسية، للتمكّن من البقاء».

روسيا تريد مصلحة إسرائيل

زرعت إيران ميليشيا حزب الله اللبناني كذراع عسكري لها في الشرق الأوسط، وبالتحديد لابتزاز إسرائيل والضغط عليها لتحقيق مكاسب إقليمية ودولية، وردًا على ذلك كانت إسرائيل معنية بالحد من النفوذ الإيراني في سوريا، ولكنها قررت أن يكون ذلك دون تورط مباشر في الحرب هناك.

الرئيسان الإسرائيلي والروسي (مصدر الصورة: موقع ميديا بلوس)

أداتها إذًا كانت روسيا، فقد تم استهداف قادة «حزب الله» من خلال اتفاق أمني بين موسكو وتل أبيب، واغتالت إسرائيل أكثر من قائد لحزب الله على رأسهم جهاد مغنية ومحمد أحمد عيسى وسمير القنطار  ومصطفى بدر الدين، لقد كانت كل هذه الاغتيالات نتيجة الاتفاق الأمني بين روسيا وإسرائيل، مقابل موافقة الأخيرة بإطلاق يد روسيا في سوريا.

وتنقل صحيفة هآرتس الإسرائيلية عن مسؤول إسرائيلي قوله إن «لروسيا مصالح تشبه مصالح الاحتلال الإسرائيلي، إذ تشترك الجهتان بمعارضة تعاظم النفوذ الإيراني في سوريا والمنطقة؛ كلٌّ لأسبابه الخاصة؛ فمن جهة لا تريد روسيا رؤية إيران قوية تنشر الإرهاب على الحدود الجنوبية الروسية، كما يفهمون أنه من غير الجيد بقاء «حزب الله» في سوريا واتخاذه قاعدة عسكرية لها، وهذا ما يتناسب مع المصالح الإسرائيلية، إذ يتخوف الاحتلال من تعاظم قوة «حزب الله» وإيران، وتأثير ذلك على أمن حدوده الشمالية بمنطقة الجولان».

وحسب تقرير نشره مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، يرى الإسرائيليون أن هناك ضرورة لاستخدام التحالف بين روسيا وإيران وحزب الله لمصلحة إسرائيل، وذلك «عن طريق تصدر روسيا للمشهد وهيمنتها على الساحة السورية على حساب إيران وحزب الله، ومن ثم ستصبح روسيا قوة تكبح إيران وحزب الله وتمنعهما من التحرك بما يضر بأمن الاحتلال الإسرائيلي» حسب التقرير.

المصادر

تحميل المزيد