35 عامًا مضت من العلاقة شديدة التوتر بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والمملكة العربية السعودية. يقول البعض إن ثمة حربًا باردة تجري بين البلدين، لكن ما بينهما يمثل حروبًا حقيقية على أراضي الكثير من الدول.

يصف النظام السعودي دائمًا ملكه بـ «خادم الحرمين الشريفين»، الاسم الذي يظهر من خلاله رغبة السعودية في تزعم مركزية إسلامية. يتبنى النظام السعودي الإسلام السلفي الذي يدعمه ويروج له بقوة. كانت الثورة الإيرانية عام 1979 صادمة للسعودية؛ إذ أصبحت جارتها تنافسها الآن بنسخة أخرى من الإسلام – الإسلام الشيعي وهو أكثر ما يكرهه الإسلام السلفي – وتحاول طرح نفسها كمركزية إسلامية بديلة.

بوادر محاولات إيران طرح نفسها أمام العالم الإسلامي كانت في التعامل مع مسألة فلسطين. الجمهورية الإسلامية الإيرانية قدمت نفسها كأكبر داعم لتحرير فلسطين من يد المحتل الإسرائيلي، مذكرة دائمًا في خطابات مسئوليها بأن الدول العربية تطيع أوامر السيد الأمريكي الذي يجعلها لا تتخذ خطوات حقيقة ضد احتلال فلسطين وجرائم المحتل الإسرائيلي. هنا لا تطرح إيران نفسها كدولة شيعية. بل أرادت أن تحصل على شعبية بين الدول الإسلامية الأخرى بدعم حركات مقاومة سنية مثل حماس والجهاد الإسلامي بالمال والسلاح. ثم شكلت حركة حزب الله في لبنان بهدف وحيد ظاهر: مقاومة إسرائيل.

محطات هامة في علاقة الدولتين بعد الثورة الإيرانية

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

بعد الثورة الإسلامية بفترة بدأ صدام حسين حربه على إيران. في هذه الحرب، أنفقت الدول الخليجية خاصة السعودية عشرات المليارات من الدولارات لدعم صدام حسين، طبقًا لتقرير سري من السي آي إيه فإن الدول الغربية أقرضت العراق ما يزيد على 35 مليار دولار بينما أعطته دول: السعودية، الكويت والإمارات من 30 إلى 40 مليار دولار كمساعدات في حربه.

إبان الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، حدث نزاعان كبيران بين الدولتين:

هاشمي رفسنجاني تحدث في مذكراته عن يوم الـ 11 من أغسطس عام 1986 قائلاً: السيد بشارتي أحد الوزراء الإيرانيين آنذاك أخبر حكومته عن إعلان السعودية احتجاز بعض الحجاج الإيرانيين الذين كانوا يحملون في حقائبهم بعض المتفجرات. يضيف رفسنجاني أن السعودية حينها أفرجت عن 110 من 113 حاجًا اعتقلتهم أجهزتها الأمنية. بعد هذه الحادثة أرسل مهدي كروبي رئيس البرلمان حينها برقية شكر لملك السعودية.

السيد موسوي رئيس الوزراء آنذاك كتب في نص استقالته السرية حينها: بعد فضح أمر المتفجرات مع فوج الحجيج الإيرانيين في السعودية، تم إخباري بالقصة، للأسف الشديد على الرغم من الضرر الكبير الذي تُسببه عمليات كهذه لبلادنا، فإن احتمال حدوثها موجود في أي وقت.

آية الله منتظري والذي كان حينها الخليفة المنتظر للخميني كتب رسالة لأحمد خميني يقول فيها: «جيش الثورة يقوم بأعمال خاطئة ويستخدم حقائب 100 حاج من كبار السن الإيرانيين ليضع فيها متفجرات دون علمهم، بشكل وضع إيران وثورتها في موقف شديد الحرج واضطر السيد كروبي أن يبعث برقية للملك فهد تهدئ الأمور».

يجيب حينها أحمد خميني: «هل توجد أساليب أخرى للقيام بأي عمل ثوري في مكة غير ما حدث؟ هذه الخطط تنجح أحيانا ولا تنكشف. لا يعني هذا موافقتي على ما حدث. لكنه أسلوب متبع في هكذا صراعات».

في 31 يوليو عام 1987، أقام الحجاج الإيرانيون طبق المعتاد مظاهراتهم مرددين شعارات الموت لأمريكا والموت لإسرائيل، لكن قوات الأمن السعودية هذه المرة فتحت النار على الحجاج، لتقتل 402 شخصًا، 275 حاجًا إيرانيًا، 85 حاجًا سعوديًا و45 من الحجاج من جنسيات الأخرى. على إثر الحدث الجلل أغلقت السعودية سفارتها في إيران، لتنهي علاقتها الدبلوماسية معها تماما ويبدأ عهد آخر أكثر صراحة في العداء.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

تفاهمات خجولة بعد هجوم صدام على الكويت

ربما من سخرية القدر أن يهاجم صدام حسين الكويت في أغسطس عام 1990، لتضطر الكويت والسعودية وباقي دول الخليج أن ترسل وفودًا تطلب من إيران المساعدة في رفع الاحتلال العراقي عن الكويت. في الـ 23 من أغسطس يزور وزير الخارجية الكويتي طهران مع 28 من ممثلي وزارة الخارجية السعودية. في الـ 13 من فبراير العام الذي يليه يجري السيد ولايتي والسيد سعود الفيصل مكالمة هاتفية، ثم يتقابلان بعدها بأيام في جنيف. في الـ 20 من مارس عام 1991 يستأذن السيد ولايتي من السيد هاشمي رفسنجاني ليعلن عودة علاقات جزئية بين إيران والمملكة العربية السعودية.

في صيف عام 1996 تنفجر القاعدة الأمريكية في الخبر، يقتل فيها 19 عسكريًا أمريكيًا ويجرح 400. في أعقاب التفجير، طبقا لتقرير الأرشيف القومي لأمن أمريكا، طلب بيل كلينتون من القوات المسلحة الأميريكة التفكير بجدية في وضع خطة للقيام بحملة عسكرية على إيران. انتخاب محمد خاتمي لرئاسة إيران أحيا أملا بتحسين العلاقات، لهذا وضعت خطة الحملة العسكرية جانبًا أملًا في الوصول إلى حل دبلوماسي. السعودية كانت تعتقد أن منفذي التفجير حصلوا على دعم من إيران، قبل أن يعلن أن القاعدة هي المسئولة عن الانفجار. بيل كلينتون يكتب في مذكراته أن في صيف 1996، لم يكن لدى أمريكا أي معلومات قطعية عن هوية منفذي الهجوم.

طلب سعودي من أمريكا بمهاجمة إيران

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

توترت العلاقات بين الطرفين مجددًا لتستمر طويلاً هذه المرة. نظام آل سعود اعتبر نظام الجمهورية الإسلامية أخطر أعدائه وطلب من أمريكا مرارًا أن تهاجم إيران عسكريًا. طبقا لويكي ليكس طلب ملك السعودية في أبريل عام 2008 من رايان كروكر سفير أمريكا في العراق حينها ومن جنرال بترائوس قائد القوات الأمريكية في العراق آنذاك أن تهاجم أمريكا إيران عسكريًا، قائلاً: «اقطعوا رأس الأفعى واقضوا على أحلامهم النووية».

طبقًا لتقرير سري آخر يعود تاريخه إلى ديسمبر 2005 فإن ملك السعودية كان غاضبًا لأن أمريكا لم تنفذ وعودها بالقيام بحملة عسكرية ضد إيران. يقول ملك السعودية في حين أن أمريكا، السعودية وصدام كانوا قديمًا متفقين على ضرورة السيطرة على إيران وأحلامها في المنطقة، فإن سياسة أمريكا قدمت العراق كهدية على طبق من ذهب لإيران.

جورج بوش كتب أيضًا في الفصل الثالث عشر من مذكراته أن إسرائيل والسعودية طلبوا مرارًا حملة عسكرية على إيران.

لم تستطع السعودية تحقيق حلمها في حملة عسكرية، لكنها تدعم العقوبات الاقتصادية الغربية على إيران، بل إن أجزاء مهمة من العقوبات هي رغبة سعودية خالصة.

زلزال الربيع العربي

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

الربيع العربي بمعنى سقوط الأنظمة المستبدة واستبدالها بأنظمة ديمقراطية ملتزمة بحماية حقوق الإنسان، يعتبر خطرًا كبيرًا على السعودية. يرى الكاتب والباحث الإيراني أكبر جنجي أن تحول النزاع الأساسي في المنطقة إلى نزاع الديمقراطية والاستبداد هو كابوس كبير للملكة. الأمير تركي الفيصل أعلن أن الربيع العربي سبب الخراب والدمار، بينما صرح الشيخ صالح الفوزان أحد أهم العلماء السلفيين في السعودية أن الربيع العربي ليس إلا فتنة كبرى. تبنت السعودية إذاً خططًا موسعة تضمن تغيير مسار الربيع العربي بشكل كامل.

يرى جنجي أن الخطط السعودية كان لها نتائج على العلاقات الإيرانية السعودية أبرزها:

  1. تحويل صراع الديمقراطية والاستبداد إلى حرب طائفية سنية شيعية. ما أضر كثيرًا بإيران التي لم يكن من مصلحتها أن تنجر المنطقة إلى هذا المصير بهذا الشكل الفج، فالشيعة هم أقلية في المنطقة بالنسبة لأهل السنة. كما أن آية الله خامنه اي الذي كان قد أطلق اسم الصحوة الإسلامية على الربيع العربي، كان يتمنى أن تصل شرارة الثورات إلى بلاد مثل السعودية، لكن أحلامه انقلبت كابوسًا حين خرجت الثورة في سوريا، البلد الذي تدعمه إيران بكل قوة حتى مع اعتراض مراجع دينية متشددة داخل إيران والذين يرون الشيعة العلويين مرتدين عن التشيع الاثني عشري الصحيح. انتشار الحرب بهذا الشكل دعم بروز مجموعات متطرفة سنية قد تضع إيران هدفًا لها في المستقبل، إذ تحولت سوريا إلى مركز جذب الجماعات المتطرفة في العالم. كما أن اقتصاد الجمهورية الإسلامية يزيد ضعفًا كل يوم وربما لم يعد يملك القوة التي تملكها السعودية وبلدان الخليج العربي لخوض حرب بالوكالة. طبقًا لمجلة فورين بوليسي فإن السعودية زادت من إنفاقها على أنظمتها الدفاعية بنسبة 111% لتأمن الخطر الإيراني.
  2. المظاهرات في البحرين كانت مدعومة من إيران بشكل كبير، لكن تدخل الجيش السعودي قمع تلك المظاهرات في مارس 2011، مما شكل فصلاً مهمًا آخر من صراع البلدين على النفوذ في الشرق الأوسط.
  3. السعودية دعمت بقوة انقلابًا عسكريًا ضد رئيس جاء بانتخابات شعبية. حكومة الإخوان المسلمين لم تكن طبقا لجنجي في مصلحة الجمهورية الإسلامية، لأنها تريد الانفراد بالتحدث باسم الإسلام، فالأنظمة الإسلامية لا تحتمل المنافسين الإسلاميين في العادة.
  4. الدعم الإيراني غير المحدود لشيعة العراق استفز السعودية كثيرًا. فتحولت بلاد مثل اليمن ولبنان والعراق لساحات حرب بين الدولتين أيضًا. ثمة تقارير كذلك تتحدث عنها الحكومة الإيرانية عن تدخل سعودي في الأراضي الإيرانية لدعم سنة الجنوب، مثل جماعة جند الله التي تقوم بأنشطة مسلحة ضد الجمهورية الإسلامية.

في الآونة الأخيرة انخفضت أسعار النفط عالميًا بشكل كبير، مما يضر ضررًا هائلاً بالاقتصاد الإيراني، لكن السعودية ترفض تقليل الإنتاج، مما يفسره محللون إيرانيون على أنه مخطط سعودي متعمد لإضعاف إيران وإجبارها على القبول بتفاهم بخصوص برنامجها النووي.

آن بترسون مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط، صرحت في فبراير الماضي أن إيران والسعودية يحاربان بعضمها على أراضي معظم دول الشرق الأوسط تقريبًا، وأن عداوتهما لم تكن يومًا بهذه الدرجة.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد