بينما تسلط الأضواء الإعلامية على البرنامج النووي الإيراني، تمتلك طهران برنامجًا آخر لا يقل أهمية للأمن القومي الإيراني، هو: البرنامج الفضائي، الذي يسعى القائمون عليه لتكليل مسيرتهم الحثيثة منذ عقود بإطلاق قمر صناعي للاستشعار بدقة أقل من متر واحد بحلول عام 2025. 

كيف بدأ برنامج الفضاء الإيراني؟ وما هي القدرات التي يمتلكها الآن؟ وما هي علاقته ببرنامج الصواريخ الباليستية، واللغط الدائر حول طموحات طهران النووية؟ وكيف تخطط إيران لمستقبلها في الفضاء بين العمالقة الكبار؟ هذا ما تحاول السطور التالية الإجابة عنه.

رغم العقوبات الغربية.. كيف حققت إيران اكتفاءها الذاتي من الدواء؟

من المظلة الأممية إلى عباءة الملالي

بدأ اهتمام إيران بالفضاء الخارجي في أواخر الخمسينات، عندما أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في عام 1958 بعد إطلاق الاتحاد السوفيتي القمر الصناعي الأول «سبوتنك-1»، لجنة استخدام الفضاء الخارجي في الأغراض السلمية، التي كانت إيران عضوًا مؤسسًا فيها إلى جانب 23 دولة أخرى.

ووُلِد البرنامج الفضائي الإيراني من رحم برنامج الصواريخ، الذي بدأ في أواخر الثمانينات، بمساعدة كوريا الشمالية والصين وليبيا والاتحاد السوفيتي. وفي عام 2003، تحت ولاية الرئيس محمد خاتمي، وافق البرلمان الإيراني على إنشاء «المجلس الأعلى للفضاء»، ووكالة الفضاء الإيرانية – كذراع تنفيذي مسؤول عن كل البرامج العسكرية والمدنية – تحت إشراف وزارة الاتصال وتقنية المعلومات. 

وتلقى برنامج الفضاء الإيراني دفعة كبيرة في ظل رئاسة محمود أحمدي نجاد، ابتداءً من عام 2005، مع اشتداد حدة المواجهة النووية بين الجمهورية الإسلامية والغرب. وفي عام 2008، أطلقت إيران أول قمر صناعي محلي يسمى «أميد» (أي: الأمل)، على متن صاروخ «سفير»؛ ما وضع الجمهورية الإسلامية في مصاف دول معدودة ترتاد الفضاء، وتمتلك قدرة مستقلة لإطلاق الأقمار الصناعية.

حتى الآن وضعت إيران أربعة أقمار صناعية، تحمل معدات اتصالات سلكية ولاسلكية ورصد بيئي مختلفة، في المدار باستخدام صواريخ حاملة للأقمار الصناعية من طراز «سفير»، فيما فشلت ثماني عمليات إطلاق مدارية موثقة أخرى.

ومنذ عام 2009 تقدمت أنشطة طهران الفضائية ببطء، وحطت المزيد من الأقمار الصناعية الإيرانية رحالها في المدار، مثل: قمر «رصد» (على ارتفاع 260 كيلومترًا فوق الارض)، وقمر «نويد» (تعني: بشير العلم والصناعة). 

وفي عام 2010 كشفت إيران النقاب عن صاروخ مداري متعدد المراحل حامل للأقمار الصناعية أطلقت عليه اسم «سيمُرج» (طائر خرافي يشبه العنقاء). وبفضل التحديثات التي أدخلتها إيران على الصاروخ الجديد، أصبح بمقدوره الوصول إلى ارتفاع أعلى ونقل حمولة أثقل، بالاعتماد على أربعة محركات (على غرار صاروخ «نودونج» الكوري الشمالي). 

Embed from Getty Images

الرئيس الإيراني حسن روحاني

ورغم فشل عدة محاولات لإطلاق أقمار صناعية إلى الفضاء على متن صاروخ سيمُرج منذ عام إيران، أعادت إيران الكرة بنجاح في يوليو (تموز) 2017، خلال احتفالٍ بافتتاح مركز الإمام الخميني للفضاء. 

وفي 9 يونيو (حزيران) 2013، أعلن وزير الدفاع الإيراني العميد أحمد وحيدي عن افتتاح «مركز الإمام جعفر الصادق للرصد الفضائي» لرصد الأجرام الفضائية والأقمار الصناعية. وهي «خطوة أولى حاسمة نحو تحسين الوعي بالأشياء الطبيعية والمصنعة بشريًا، والأحداث والأنشطة التي تحدث في الفضاء»، بحسب التقرير المنشور على صفحات مجلة «فورين بوليسي».

وفي أبريل (نيسان) 2019 قال رئيس «مؤسسة الفضاء الإيرانية»، مرتضى براري: إن ايران باتت من بين تسعة بلدان في العالم تمتلك تقنية الفضاء الخارجي. مستشهدًا بنجاح «مؤسسة الفضاء الايرانية» في تصنيع قمر «نويد» وإطلاقه على يد خبراء من جامعة العلم والصناعة.

وذكر أن «مؤسسة الفضاء الإيرانية» نجحت في تحقيق تنمية في اقتصاد الفضاء خلال السنوات العشر الأخيرة من عام 2008 إلى عام 2016 بنسبة 139%، وهو في الواقع أعلى 5.6 ضعفًا من الاقتصاد الفضائي العالمي، متوقعًا تحقيق نمو بنسبة 407% في اقتصاد الفضاء خلال العقدين المقبلين.

وبعدما أرسلت إيران قردًا إلى الفضاء في يناير (كانون الثاني)، 2013، أصبحت أقرب إلى تسيير رحلات بشرية إلى الفضاء، وهي العتبة التي لم تتجاوزها حتى الآن سوى روسيا والولايات المتحدة والصين، وتعهدت إيران بالوصول إليها بحلول عام 2025.

وفي الرابع من أغسطس (آب) 2019 أعلن رئيس «وكالة الفضاء الإيرانية»، مرتضى براري، أن إيران ستطلق قمرًا صناعيًا للاستشعار عن بعد بدقة أقل من متر واحد بحلول عام 2025.  

وركزت نجاحات إيران حتى الآن على المدار الأرضي المنخفض، الذي يقع ما بين ارتفاعي 160-1200 كيلومتر من الأرض؛ وهي المنطقة التي تُستخدم على نطاق واسع لمراقبة الأرض، وأيضًا في بعض أنظمة الاتصالات المحدودة، واستخدامها الأشهر في محطة الفضاء الدولية.

وتسهدف إيران مستقبلًا وضع مجموعة متنوعة من الأقمار الصناعية في بقعتين أبعد في الفضاء، هما: المدار الأرضي المتوسط، والمدار الرضي الجغرافي المتزامن. ولأنهما يقعان علي بعد 12.5 ألف و22 ألف ميل من الأرض؛ فإنهما يستخدمان في أنظمة الملاحة مثل «GPS»، وأنظمة بث الإنترنت، والتلفزيون، والراديو.

«العقيدة الفضائية».. برنامج الفضاء في ميزان الأمن القومي

أهمية البرنامج الفضائي بالنسبة للأمن القومي الإيراني تتجاوز بكثير آثاره المتعلقة ببرنامج الصواريخ الباليستية العابرة للقارات؛ ذلك أن وجود إيران المتنامي في الفضاء الخارجي، إذا اقترن بقدراتها المتنامية في الفضاء الإلكتروني، يعزز كافة جوانب قوتها الصلبة، حسبما خلُص تحليل أعده كيفن ليميس وجيل بارام، وكلاهما باحث دكتوراه في كلية العلوم السياسية والحكومة والشؤون الدولية بجامعة تل أبيب.

وتعمل إيران ببطء لكن بثبات على تحسين قدراتها المرتبطة بأنظمة الاستخبارات والإنذار المبكر. وعلى الرغم من الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة في عام 1967 على الأسلحة النووية في الفضاء الخارجي، ثمة مؤشرات على أن إيران تسعى للدمج بين طموحاتها النووية وطموحاتها في الفضاء الخارجي. كما طوَّرت إيران قدرات فضائية ذات تطبيقات عسكرية، مثل «مركز مراقبة الفضاء» الذي أعلن عن تدشينه في يونيو 2013، ويستخدم الرادار، والكهرباء الضوئية، والتتبع اللاسلكي.

تشير حقيقة أن الاهتمام بتكنولوجيا الفضاء بدأت في عهد النظام البهلوي – بحسب تقرير نشرته دورية «ناشيونال إنتريست» – إلى أن برنامج الفضاء الإيراني لا يحركه الطموح الأيديولوجي لتصدير الثورة الإسلامية، أو الترويج للمعتقدات الشيعية، أو زعزعة استقرار الدول السنية ناهيك عن مهاجمتها. والمسألة ببساطة أن إيران، سواء كانت تحت حكم الشاه أو المرشد، تعتبر نفسها قوة إقليمية كبرى ينبغي أن تولي اهتمامًا بالصواريخ وتكنولوجيا الفضاء (وغيرها من أنظمة الأسلحة).

والأدلة المتاحة لا تثبت الادعاءات بأن إيران لديها صواريخ باليستية عابرة للقارات. ولأن هذه القدرات تتطلب سنوات من الاختبار؛ سيكون لدى المجتمع الدولي الوقت الكافي لمواجهة هذا التحدي إذا قررت طهران دخول هذا المعترك. أما المعلومات المؤكدة فتشير إلى امتلاك إيران برنامج صواريخ تقليدي تستهدف به طهران ردع القوى الإقليمية والقوات الأمريكية في الشرق الأوسط.

بيد أن التقدم السريع في تكنولوجيا الصواريخ يضيف المزيد من عدم اليقين حول الجهود الإقليمية والعالمية للتعامل مع برنامج الصواريخ والفضاء الإيراني. على سبيل المثال، يمكن أن تمتلك إيران في غضون سنوات – إن لم يكن بحوزتها بالفعل – تكنولوجيا الصواريخ فائقة الصوت وغيرها من التقنيات القادرة على تغيير قواعد اللعبة مستقبلًا.

ورغم أن المعلن عن عقيدة العمليات الفضائية الإيرانية شحيح، إلا أن الدلائل المتاحة تشير إلى أن إيران تستهدف «حرمان الولايات المتحدة من القدرة على استخدام الفضاء في أي نزاع إقليمي» وتعتبره أمرًا بالغ الأهمية لأمنها.

وفي حين أن إيران لا تمتلك حتى الآن قدرات فضائية هائلة، إلا أن تقييم تهديدات الفضاء 2018، الذي أعده مشروع أمن الفضاء التابع لـ«مركز الدراسات الدولية والإستراتيجية (CSIS)»، حذر من أن طهران طورت قدرات فضائية كبيرة يمكن أن تهدد أنظمة الفضاء الأمريكية.

وخلُصَ تقرير أعده «مجلس العلاقات الخارجية» في عام 2014 إلى أن الجهود الإيرانية تتداخل مع أنظمة الفضاء العسكرية والتجارية الأمريكية التي تستخدم أشعة الليزر والتشويش أكثر من أية دولة أخرى.

كانت هذه الخلفية حاضرة، حين فشلت محاولتي إطلاق صواريخ إيرانية إلى الفضاء في منتصف يناير ومطلع فبراير (شباط) 2019، واتهم وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، الولايات المتحدة ضمنيا بالوقوف وراء هذه الإخفاقات، وتعهد الرئيس الإيراني، حسن روحاني، بمعاودة إطلاق قمر صناعي جديد في غضون أشهر. 

وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» كشفت في وقت سابق أن إدارة الرئيس دونالد ترامب أعادت العمل ببرنامج سري يهدف إلى تخريب الصواريخ والقذائف الإيرانية، ضمن حملة أوسع لتقويض قدرات إيران العسكرية وعزل اقتصادها، وفق ما نقلته عن مسؤولين حاليين وسابقين.

وفي المقابل، ضربت إيران عرض الحائط بمطالبات فرنسا والولايات المتحدة بالوقف الفوري لكل الأنشطة المرتبطة بالصواريخ البالستية، التي يمكن أن تحمل أسلحة نووية، معتبرتين أن تكنولوجيا إطلاق القمرين تشبه تلك المعتمدة في صنع الصواريخ البالستية. 

الولايات المتحدة بالمرصاد للطموحات الإيرانية

لا تشير المعلومات مفتوحة المصدر إلى أن إيران تحاول تطوير أسلحة مضادة للأقمار الصناعية، لكنها تمتلك تكنولوجيا الصواريخ الباليستية اللازمة لتشكيل الأساس لقدرات هذا النوع من الأسلحة. كما أثبتت إيران قدرتها على إطلاق وتشغيل الأقمار الصناعية، ولديها مركز مراقبة فضائي يمنحها القدرة على تعقب الأجسام، وفهم بيئة الفضاء بشكل أفضل.

لكن قبل امتلاك سلاح مضاد للأقمار الصناعية، ستحتاج إيران هناك إلى العديد من الأشياء الأخرى، مثل: أجهزة الاستشعار المحمولة التي يمكنها توجيه الرؤوس الحربية إلى الأقمار الصناعية المستهدفة.

وتستطيع إيران استخدام تكنولوجيا الصواريخ الباليستية الحالية لإطلاق رأس حربي غير موجه داخل محيط القمر الصناعي المستهدف، لكن يستبعد أن يكون هذا السلاح غير الموجه فعالًا في توجيه ضربة مباشرة للقمر الصناعي، ولكنه قد يخلق تهديدًا لسلامة القمر الصناعي المستهدف والأقمار الصناعية الأخرى في مدار مشابه.

وفي عام 2011 نقلت صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» عن مصدر استخباراتي أوروبي لم تكشف عن اسمه أن إيران نجحت في «تعمية» قمر صناعي أمريكي باستخدام آشعة الليزر؛ ما تسبب في حرفه عن مساره وإيقافه عن العمل تمامًا. والتكنولوجيا اللازمة للقيام بذلك متطورة إلى حد ما، وربما حصلت إيران عليها من روسيا أو الصين.

وتتمتع إيران بسجل واسع في شن مختلف أشكال الهجمات الإلكترونية ضد الأنظمة الفضائية. ففي 16 يوليو 2003، حدث تداخل مع بث إذاعة صوت أمريكا الموجه لإيران عبر القمر الصناعي «تلستار 12»، تبين أنه بفعل الإيرانيين في كوبا، ما استدعى توجيه مذكرة  احتجاج إلى الحكومة الإيرانية. 

ووقعت حادثة أخرى مشابهة في عام 2010 مع «مؤسسة الإذاعة البريطانية البريطانية (BBC)» و«صوت أمريكا (VOA)» عبر القمر الصناعي «هوت بيرد 6»، والأقمار الصناعية التجارية الأخرى التي انتقل البث إليها. 

أما القدرات الإيرانية الأكثر إثارة لقلق الأمريكيين في مجال الهجمات الإلكترونية فهي قدرتها على إرسال محاكاة زائفة لإشارات «جي بي إس». ففي عام 2011 قالت إيران إنها أسقطت طائرة استطلاع أمريكية من طراز «RQ-170» من خلال التشويش على وصلات اتصالاتها الفضائية وإرسال إشارات «جي بي إس» مخادعة. 

ونُقل عن مهندس إيراني قولة حينئذ إنهم تمكنوا من جعل الطائرة بدون طيار «تهبط على الأرض من تلقاء نفسها حيث أردنا ذلك، دون الحاجة إلى اختراق الاتصالات وإشارات التحكم عن بعد».

يُعتقد أيضًا أن إيران تمتلك قدرات إلكترونية متطورة يمكن استخدامها على الأرجح لاستهداف أنظمة الفضاء الأمريكية. على وجه التحديد، يُعتقد أن إيران تنشط في استكشاف الاستخدام العسكرية للقدرات السيبرانية من أجل تعطيل أنظمة الدفاع الصاروخي المعادية، والطائرات الموجهة عن بُعد، والعمليات اللوجستية، وروابط القيادة والسيطرة . 

وسبق أن أثبتت إيران قدراتها السيبرانية عبر مهاجمة البنية التحتية الأمريكية. ففي عام 2012، أطلقت إيران هجوما كبيرًا ضد البنوك وشركات الاتصالات الأمريكية؛ ما دفع وزير الدفاع آنذاك ليون بانيتا إلى التحذير علنا من أن هجومًا سيبرانيًا قد يتسبب في أضرار جسيمة للممتلكات أو يؤدي إلى مقتل مواطنين أمريكيين سيكون مبررًا كافيًا لتوجيه ضربة عسكرية وقائية.

وتشير القدرات السيبرانية الإيرانية المتطورة أن طهران يمكن أن تشن الهجمات الإلكترونية على أنظمة الفضاء أيضًا، بحسب تقييم تهديدات الفضاء الصادر العام الماضي.

«أتلانتك كاونسل»: هل يستعد الرئيس الإيراني للتنحي؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد