في الثامن من سبتمبر يُجري المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية جراحة للبروستات. يُطمئن الإعلام الرسمي الناس بأن صحة المرشد في أفضل حال. وتتابع محطات الراديو والتلفزة الحكومية بثها الاعتيادي كعلامة على كون الأمور طبيعية تماما. لكن على الرغم من تأكيد الدكتور مَرَندي رئيس الفريق الطبي المختص بمعالجة المرشد على أن “جراحة البروستات أمر روتيني شائع جدا للرجال في العمر المتقدم أو حتى في منتصف العمر” وعلى الرغم من مرور أيام على إجراء الجراحة؛ فإن الخبر مازال يلتهم جزءًا هامًا من معظم الجرائد الإيرانية هذه الأيام، فالإيرانيون يسمعون من إعلامهم الرسمي للمرة الأولى منذ أكثر من عشرين عاما عن مرض أو علة تصيب رأس البلاد. ربما لأن كل ما يخص المرشد الأعلى هو أمر شديد الأهمية والسرّية بالضرورة، كيف لا والرجل يمتلك السلطة والقداسة المطلقين معا؛ هو صاحب النفوذ التام على كل أصحاب القرار في البلاد، وهو الأكثر طهارة وإيمانا كما يفترض، الولي الفقيه، الإمام الأكبر، ممثل الإمام المهدي الغائب وصوت الله في الأرض.

عام 1981 سرت إشاعات عن حجز المرشد في المستشفى نتيجة تعرضه لعملية اغتيال فاشلة، تكتمت الحكومة حتى أعلنت في خبر رسمي مقتضب عن خضوعه لجراحة بسيطة في المرارة، لكن هذه المرة يعلن الخبر على نطاق واسع، وتتناقل وسائل الإعلام صورا احترافية عالية الجودة للإمام راقدا على فراشه – لا صورا مسربة ولا إشاعات – بل أن الأمام نفسه يطلب من شعبه الدعاء له. يُعرض الخبر في التلفاز كخبر عادي ويزوره المسؤولون وتتناقل الوكالات صورهم وابتساماته لهم ثم تتابع المطبوعات حالة المرشد الصحية باهتمام كبير ويلهج الرسمي منها بكثير من الحمد والشكر لله على سلامة الإمام! ويبقى السؤال هنا: “ما دلالات إعلان هذه الجراحة”؟

في العام 1981 كان آية الله خامنئي مستجدًا على عرش الإمامة. كانت النواة الأساسية للنظام تسعى للتكتم الشديد على الخبر، سواء كان عملية جراحية في المرارة حقا أو محاولة اغتيال فاشلة، في الحالتين كان من المهم نفي أية شكوك عن ضعف يعتري رأس النظام السياسي في البلاد. تبدو أهمية إظهار التماسك التام للسلطة واضحة إذا أخذنا في الاعتبار أن خامنئي هو أول مرشد للثورة بعد رحيل المرشد المؤسس والأكثر قوة وكاريزما: آية الله الخميني

ربما في حالتنا هذه لا يوجد وضع كهذا، فداخليا ترى الجمهورية الإسلامية نظامها في ثبات واستقرار كبيرين. لمَ لا والقمع الدموي العنيف لموجة الاحتجاجات الواسعة التي عمت البلاد في 2009 تم بنجاح كبير بل وإن قادة التمرد – مهدي كروبي وحسين موسوي وزهرا رهنورد – مازالوا يخضعون حتى الآن للإقامة الجبرية في منازلهم. كذلك انتهت انتخابات 2009 بفوز حسن روحاني المدعوم من خامنئي والإصلاحيين معا. هذه إذًا ليست أيام يقلق فيها آية الله على سلطته المطلقة إذا ظهرت صورته للعلن مستلقيًا على فراش في مستشفى. بل وحتى مع وجود الأزمات الاقتصادية والعوائق التي تظهر في المفاوضات مع الغرب بخصوص البرنامج النووي، تستطيع صورته هذه أن تضيف له مظهرًا مقدسًا متجردًا يرفع من شعبيته.

“لنستغل قوتنا بحكمة إذا! هذا عصر تتسرب فيه الأخبار وتنتشر فيه الشائعات، فلنقتلها” !

هكذا ربما يفكر النظام في عالم لا يشبه عالم 1981 كثيرا. كيف لا وفي عصر الاتصالات لم تعد الحكومة المصدر الوحيد للأخبار. لم يعد استخدام شبكة الإنترنت محصورًا حتى على الطبقة المتوسطة فقط بل تعدى استخدامه للطبقات الأدنى وتتعرف شرائح مجتمعية جديدة على الانترنت كل يوم. هذا طبعا مع وجود محطات الراديو والتلفزة المعارضة التي تبث من خارج البلاد لملايين المواطنين الذين يتابعونها يوميا. إذًا وجود كل وسائل الاتصال هذه يقلل كثيرًا من احتمالية بقاء خبر الجراحة سرًا. وتسرب خبر كهذا يستطيع أن يحمل للنظام متاعب اجتماعية وسياسية وربما حتى أمنية هو في غنى عنها تماما. وفي نظام يفتقد لشرعية الديمقراطية فإن أدنى اهتزاز في ثبات ركائزه قد يتبعه عواقب وخيمة ترعبه. ومن البديهي أن يسعى النظام إلى قتل كل الشائعات المحتملة حتى قبل وقوعها في زمن تعج فيه المنطقة كلها بالكوارث والقلاقل ويحتاج النظام فيه استقرارا تاما ليتابع مفاوضاته المرهقة مع مجموعة 5+1.

من ناحية أخرى فإن مخرجي المشهد يحرصون على إخراج الإمام في صورة شديدة التماسك والثبات، يظهر قبل الجراحة ليؤكد شخصيا أنه بخير تماما ولا داعي للقلق على الرغم من أنه لا ينسى أن يطلب الدعاء من شعبه كروتين روحي شيعي لإمام مقدس. إذا افترضنا أن زمن إلقاء تلك الكلمة كان قبل الجراحة فعلا فإن هذا الظهور الثابت يعد مهما لذاك الجزء المؤيد والحامي للنظام في المجتمع الإيراني بل ويبثُّ فيه روحا معنوية عالية. يسمح إعلان الجراحة أيضا بعرض تفاصيل طبية كإجراء الجراحة ببنج موضعي وليس بتخدير كلي وفي مدة لا تتجاوز النصف ساعة، ما يزيد التأكيد على بساطة الأمر وسطحيته ويقلل احتمال ظهور أي شائعات خاصة بحجم العملية وصعوبتها.

الاهتمام الشديد بجراحة الإمام – الذي يلاحظه أي متابع للشأن الإيراني – يتعدى الجرائد ومحطات التلفزة والراديو ليطغى أيضا على بعض أجزاء مواقع التواصل الاجتماعي. تلك التي يظهر اهتمامها في صورة مختلفة تماما فبدل التحليلات والنقاشات المعقدة تراها تسخر تارة، تبتهج تارة وتتجادل بشدة تارة أخرى.

يقول مجتبى زارعي ساخرًا: “إلهي خذ الإمام عندك لتريحه في الجنان فأنا لا أطيق رؤية إمامي يعاني”.

وتقول شيرين آترود معلقة على الصورة التي تداولتها القنوات الرسمية للإمام مستلقيا على فراشه بالنظارة: “الإمام شفاف جدا كما ترون، إنه لا يخلع نظارته حتى وهو نائم ليري لشعبه أحلاما شفافة”.

بينما تحكي مريم زندي عن والديها اللذَيْن يتجولان بين المحطات الرسمية في قلق بحثا عن أي خبر يطمئنهم على صحة الإمام وعن والدتها التي تشهق فرحا عندما يضئ التلفاز “بوجهه التقي النقي” .. مضيفة “أنا أكره الإمام وقداسته لكنني لا أستطيع أن أنطق بهذا في المنزل”.

ويتحدث رضا يزيدي عن جده الذي يتساءل “هل يمرض آية الله؟ بالتأكيد هو ليس مريضا بل إن الله يختبر محبة شعبه له”.

إذًا تُظهر الصورُ الرسميةُ الإمام مبتسما. وتؤكد التصريحات المتواصلة من الحكومة على أن الإمام في حالة ممتازة. لكن مجرد طرح صحة الإمام – وهي الأمر المتعارف على السكوت عنه لأعوام طويلة – يزيد بالضرورة من طرح السؤال المقلق الذي لا بد منه والذي لم يكن يتجرأ الكثيرون على نطقه، السؤال عن ذاك الذي سيتولى الإمامة بعد خامنئي. إذ حتى ولو كان سن الـ 75 عاما ليس كثيرا على الأئمة وعلى متولي المناصب الرسمية في إيران؛ فإن بعض المراقبين يرون أن طرح مسألة صحة الإمام علنا هي تمهيد واضح لبدء الحديث عن ذاك الذي سيخلفه. فنظامٌ قائم على الولاية المطلقة للفقيه يجد نفسه مضطرا للتفكير بجدية كبرى في تلك الأشياء التي لا يستطيع السيطرة عليها أو توقعها بأجهزته وأمنه ومخابراته، كأن يفقد النظام فجأة رأسه الأقوى!


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد