تظهر عدة تحركات حرص كلٍّ من دول الخليج العربي وإيران على تهيئة الأجواء بينهما، والاتجاه نحو التقارب. ولا تتوقف دوافع هذه التحركات عند وصول دونالد ترامب لسدة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، فما آلت إليه تطورات المعركة في سوريا واليمن، و حتى سياسة إنتاج وبيع النفط بين الدول الكبرى قد تدفع نحو هذا التقارب.

ويبدو أن هذه التحركات لن تنتهي بزيارة وزير الخارجية الكويتي صباح الخالد الصباح، الأربعاء الماضي للعاصمة الإيرانية طهران، حيث يقرأ المتابعون حاجة ماسة تدفع الطرفين لبدء صفحة جديدة يتم فيها الوصول إلى تسويةلو جزئية في ملفات شائكة بينهما.

مرحلة كسر الجليد

الأربعاء الماضي، زار وزير الخارجية الكويتي صباح الخالد الصباح، طهران، حاملًا رسالة من حاكم الكويت الأمير صباح الأحمد الجابر الصباح إلى الرئيس الإيراني حسن روحاني، قيل إنها رسالة خاصة بشأن العلاقات الخليجية الإيرانية، وهو ما يجعل من الأمر أقرب لكونه مبادرة كويتية.

حتى أنّ الصباح عقّب على الزيارة بقوله «نحن شركاء في هذه المنطقة ولدينا مصالح مشتركة ولدينا إمكانات كبيرة»، داعيًا إلى ما أسماه «تطبيع العلاقات»، يقصد بين دول الخليج وإيران، فذلك وفقًا له ما سيعود بالمنفعة على الطرفين. وفيما يبدو فقد كان الجانب الإيراني مُتجاوبًا مع هذه المبادرة، على الأقل وفقًا لما قاله وكيل وزارة الخارجية الكويتية، خالد الجارالله.

وبالعودة قليلًا إلى 14 من يناير (كانون الثاني)، فقد تناقلت وسائل إعلام عراقية خبر عرض وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري لوساطة بين إيران والسعودية لإعادة علاقاتهما، وحينها قال الجعفري: «إنني قد قمت بالفعل بنقل رسائل شفهية عدة بين المسؤولين السعوديين ونظرائهم الإيرانيين»، مُؤكدًا أن الأزمات بين إيران والسعودية ستضر بالعراق، وحينها تحدث وسائل إعلام عن جهود رسمية من قبل دول الخليج لـ«كسر الجليد بين طهران والرياض، وفتح باب الحوار بينهما».

على الجانب الآخر، أبدى الرئيس الإيراني حسن روحاني تجاوبًا واستعدادًا للتعاون مع المملكة العربية السعودية لحل المشاكل الإقليمية، قائلًا إن بلاده لا تعارض «أي دور طبيعي» للسعودية في المنطقة، كما أظهر روحاني في المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس)، مما يعكس توجهًا رسميًا لمهادنة السعودية.

وعمليًا كانت من أبرز التحركات التي تدل على توجه الطرفين نحو التقارب، ما شهده 28 سبتمبر (أيلول) الماضي، عندما توافقت السعودية وإيران على تخفيض إنتاج النفط في منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) في الجزائر العاصمة، لإنقاذ الوضع الاقتصادي لكلا الطرفين. وقد وُصف الاتفاق بأنه أكبر خفض في الإنتاج منذ عام 2008، ليأتي وصول ترامب للحكم، بمزيد من الدوافع نحو تبريد الجبهة،والتركيز على العلاقة مع الولايات المتحدة التي تلوح بالتصعيد ضد طهران والخليج معًا.

تحديات الوضع في سوريا وترامب

يفرض وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض تحديات أمام المشاريع الإيرانية في المنطقة والعالم، لذا قرأ متابعون في الشأن الإيراني الاهتمام بالمبادرة الكويتية،أنه نابع من رغبة إيران في فتح قنوات تواصل وتهدئة مع دول الخليج، التي تشاطرها موقفًا ليس بالجيد مع إدارة ترامب.

 

وفيما يتعلق بطبيعة العلاقات بين الخليج وإيران، فإنه لا يُمكن التعامل مع دول الخليج العربي ككتلة واحدة، تتحرك بتوجه واحد في علاقتها مع إيران، وهو ما لفت إليه أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة عين شمس المصرية، أحمد لاشين، ضاربًا بذلك مثًلا بالإمارات التي تحافظ دائمًا على العلاقات مع إيران، بخاصة على المستوى الاقتصادي، وكذلك سلطنة عُمان التي تتمتع بعلاقات ممتازة مع النظام الإيراني، وأيضًا قطر التي تحافظ على شعرة معاوية حسب المصالح.

لذا ومع رجوح كفة العلاقات التي قد توصف على أقل تقدير أنه لا بأس بها مع إيران داخل مجلس التعاون الخليجي، يُرجّح أن تجنح السعودية على وجه التحديد إلى تحسين علاقاتها بإيران نسبيًا خلال الفترة القادمة، على الأقل بسبب الوضع السوري الراهن،الذي يمثل ساحة للصراع بين الطرفين، مع التقدّم الملحوظ لإيران في سوريا على حساب الأهداف السعودية، والأمر ليس ببعيد أيضًا عن ذلك في اليمن التي لم تحقق السعودية فيها «مجمل أهدافها» بتعبير لاشين، الذي يعتبر أن ذلك يضع بين يدي إيران «أوراق لعب تمكنها من الضغط على السعودية خلال الفترة القادمة، مما قد يضطر بالأخيرة إلى مهادنة سياسية».

أما فيما يتعلق بوصول ترامب الذي يُظهر مواقف واضحة ضد إيران بخاصة في ملف الاتفاق النووي، وموقفًا ليس بالجيد تمامًا من السعودية، فقد يدفع ذلك إلى تقارب في المصالح بين البلدين أمام التوجه الإيراني الجديد. «كذلك لا يمكن إغفال دور الدب الروسي في الصراع والذي قد يقوم بدور التوازن السياسي في المنطقة خاصة مع التقارب النسبي في بعض الملفات بين بوتين وترامب»، بحسب لاشين في حديثه لـ«ساسة بوست».

أسباب تدفع نحو التقارب

ولعل الصفقة الإيرانية السعودية التي تمت في لبنان، وأدت إلى التوافق بين البلدين في إنهاء أزمة انتخاب الرئيس اللبناني، كانت من بين البوادر التي تُشير إلى انفراجة في العلاقات بين البلدين، وذلك ما يتفق معه محمد المذحجي مدير مركز ميسان للدراسات العربية والإيرانية، ويزيد على ذلك اتفاق إنتاج النفط الأخير في الجزائر، الذي لعبت موسكو فيه دور الوسيط بين محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي، والرئيس الإيراني حسن روحاني.

ويطرح المذحجي سيناريو آخر للتقارب المحتمل بين الخليج وإيران، تلعب فيه بريطانيا دور الوسيط لـ«حاجتها الملحة لتفعيل دور مشترك للسعودية وإيران، بهدف الحفاظ على مصالحها في الشرق الأوسط، التي أصبحت في مهب الريح بسبب سياسة ترامب الشرق الأوسطية الجديدة، التي تعتمد على دور مصر الإقليمي»، على حد قوله.

هناك نقطة أخرى يشير لها مدير مركز ميسان للدراسات العربية والإيرانية خلال حديثه لـ«ساسة بوست»تتعلق بما أسماه بـ«فائض الإرهاب» في سوريا والعراق، والذي أخذ يضرب في مناطق أُخرى مثل الأردن وتركيا، وبات يُهدد دول الخليج العربي أيضًا، بعد توعد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) دول الخليج بشن هجمات مدمرة قريبًا. وقد تشكل النقطة الأخيرة دافعًا لدي العواصم الخليجية تجاه توافق آخر مع طهران حول العراق، إذ تناقلت بعض وسائل الإعلام اللبنانية والإيرانية عن تقارب بعض وجهات النظر بين الجانبين حول وضع صيغة متفق عليها للانتخابات التشريعية القادمة في العراق.

 

وعلى ما يبدو فقد أدى «فائض الإرهاب» في المنطقة إلى تحول آخر هام، وهو توجيه رسالة مشتركة من مجلس التعاون الخليجي إلى إيران لتدشين «حوار استراتیجي»، كما وصفته بعض وسائل الإعلام العربية والإيرانية، «هكذا فائض النار المشتعلة في سوريا أدت إلى إرغام الجهات الإقليمية المؤثرة والمختلفة على التوافق في بعض الملفات لتفادي سريان الحريق إلى بلدانهم»، يقول المذحجي.

«جدران» تعيق التصالح

تصر دول الخليج على أن تكون أية علاقات أو حوار أو واسطة قادمة مع إيران مبنية على ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي الخاص بالعلاقة بين الدول، وهي أكثر إصرارًا على أن تكف إيران عن التدخل في شؤون هذه الدول وفي دول كلبنان والعراق واليمن.

وعلى ذلك أكد وكيل وزارة الخارجية الكويتية خالد الجارالله، قائلًا عن المبادرة الكويتية: «الرسالة وما تحمله من مضامين متركزة على وضع أسس للحوار المشترك في مقدمته عدم التدخل في الشؤون الخليجية، واحترام سيادة دول مجلس التعاون، واحترام كافة بنود مجلس الأمم المتحدة، ستكون سببًا في انفراج العلاقات المشتركة بين دول الخليج وإيران«.

تحدث «ساسة بوست» إلى الأمين العام لجمعية البحرين لمراقبة حقوق الإنسان الحقوقي والأكاديمي، فيصل فولاذ، لسؤاله عن الجدران التي قد تعيق التصالح الإيراني الخليجي، فأشار إلى التضارب داخل مؤسسات السلطة في إيران، بقوله «الإيرانيون الساسة يقولون شيئا وحرسهم الثوري والاستخبارات تقول وتعمل شيئا آخر»، معتبرًا أنّ التجارب التي خاضتها دول الخليج العربي مع إيران منذ عام 1979 حتى الآن، تُعد مثالًا على ما أسماها «مؤامرات وعداء إيران ضد الخليج منذ قيام الثورة الإسلامية».

لذلك يرى فولاذ أن هناك «جدران صلبة» سوف تصطدم بها الحوارات المزعمة، أولها ما يسميهم بـ«رجال الملالي» الذين يحكمون إيران فعليًا منذ العام 1979، والذين يعتبر أنّ لهم مصالح كبيرة في إبقاء إيران علي نهجها وعدائها تجاه الخليج.

أما الجدار الثاني فيتمثل في النفوذ السياسي الكبير الذي يتمتع به الحرس الثوري الإيراني في اتخاذ القرار السياسي والعسكري. «قادة وضباط هذا الحرس صارت لهم مصالح اقتصادية وثروات وشركات ومصانع ونفوذ سياسي يعتمد بشكل كبير على العداء المستمر وإبقاء التوتر السياسي بين إيران وجيرانها لكي يبرروا وجودهم في العراق وسوريا واليمن»، هكذا قال.

ويعتقد فولاذ أن الجدار الثالث يتمثل في المليشيات الطائفية التي صنعتها إيران في العراق مثل الحشد الشعبي، ومليشياتها في سوريا، واليمن ولبنان، معربًا عن اعتقاده بأن مصالح هذه الميليشيات لا تتوافق والتصالح مع الخليج العربي.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد