تريد إسرائيل القتال على جبهة واحدة في حال دفعتها الظروف لذلك، وتفضل جبهة إيران لتحجيم نفوذها في لبنان وسوريا، لكن الأخيرة تريد فتح أكثر من جبهة أمام إسرائيل لتحقيق مكاسب عدة. هذه الرغبة الإيرانية حركت – حسب وجهة النظر الإسرائيلية – حماس نحو إيصال رسالة استعداد أنها مع الجبهات الأخرى في ساحة القتال، ودلل الاحتلال على ذلك بما حدث أول أمس شرقي الحدود مع غزة، حيث وقعت عملية «كمين العلم»؛ فرأت إسرائيل أن إيران تعمل على إشعال الجبهات العسكرية معها.

رسائل عملية: «كمين العلم»

مساء السبت، 17 من فبراير (شباط) الحالي، اقتربت دورية للاحتلال الإسرائيلي من الشريط الحدودي شرقي لمحافظة خان يونس بغزة، وهدفها إزالة علم فلسطين اُعتقد أن متظاهرين فلسطينيين هم من وضعوه خلال احتجاجهم الدوري يوم الجمعة.

جنود الاحتلال على الحدود مع غزة في أعقاب انفجار أول أمس ( المصدر: موقع تايمز أوف إسرائيل)

وما أن أخذ أحدهم بفك العلم العالق بين الأسلاك حتى حدث انفجار أوقع أربع إصابات بين هؤلاء الجنود، اثنتان منها خطيرة، كان العلم مربوطًا بفتيل وصاعق عبوة ناسفة بشكل مباشرة، وقد أكدت مصادر إسرائيلية أن تلك العبوة وضعت خلال المظاهرات التي تجرى منذ فترة على طول الشريط الحدودي يوم الجمعة.

فتح هذا الأمر جبهة تحريض إسرائيلية ضد المتظاهرين، دفعت الفلسطينيين للتحذير من خطورة استغلال الاحتلال لهذه الرواية من أجل تبرير قيامه باستهداف المتظاهرين، خاصة أن تل أبيب ردت على هذه العملية بسلسلة غارات على القطاع نالت من مواقع عسكرية للفصائل الفلسينية.

عملية «كمين العلم» هذه، اعتبرتها إسرائيل الأكثر جرأة منذ العام 2014، وفسرتها بأنها محاولة لإيصال رسالة، هي احتمال اشتباك «جبهة غزة» مع إسرائيل في حال اشتبكت الأخيرة مع جبهتي لبنان وسوريا؛ إذ تدلل تلك العملية على جاهزية المقاومة لأية مواجهة قادمة، وهي مواجهة غيرت المعادلة بتعقيد جميع الجبهات التي تحيط بإسرائيل، وأكدت رفض الفصائل لفرض وقائع اشتباك حسب ما تريده تل أبيب.

وقد رأت إسرائيل في هذه العملية محاولة من الفصائل الفلسطينية لرفض عزل غزة عن جبهتي سوريا ولبنان بتحريض إيراني، ونعود هنا إلى التقرير السنوي الاستراتيجي لإسرائيل (2017 – 2018) الذي حدد خمس جبهات للمواجهة المحتملة مع إسرائيل، وهي قطاع غزة – سيناء «تنظيم الدولة» – الضفة الغربية – الحدود مع سوريا – الحدود مع لبنان، وحسب التقرير الصادر عن معهد أبحاث الأمن القومي، فإن احتمال المواجهة العام الجاري 2018 مع الجبهة الشمالية تضاعفت؛ بسبب تزايد النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان.

فلسطينيون في موقع غارة جوية إسرائيلية واحدة بالقرب من مدينة غزة (المصدر: فرانس برس)

لكن رغم تقديم كل الجبهات على غزة، لا يستبعد الاحتلال الآن فتح تلك الجبهة، فحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»: «إذا اندلعت حرب بين إسرائيل والقوات المدعومة من إيران في سوريا وشمال إسرائيل، في ضوء حماس والعلاقات الأوثق بين إيران، فإن إمكانية قيام مقاتلي الكتائب بفتح جبهة ثانية ضد إسرائيل أكثر واقعية اليوم من أي وقت مضى».

وتوضح الصحيفة أن «جميع الأهداف حساسة، فقد أصبح من الواضح أن حماس وإيران قد تجاوزا نزاعهما السابق، والآن ينظر كل طرف للآخر على أنه شريك استراتيجي، وذلك بالرغم مما قاله قادة حماس مؤخرًا، إنهم ليسوا حريصين على حرب جديدة مع إسرائيل بعد الدخول في ثلاث مواجهات خلال العشر سنوات الماضية».

«إسرائيل»: إيران تحرض حماس 

لا يكف الإسرائيليون عن الحديث عن محاولات إيران لفتح أكثر من جبهة قتال أمامهم، وهم يتهمون إيران بالدفع نحو التحرش بتل أبيب عبر جبهات عسكرية أخرى، ولذلك تستمر إيران بالبحث عن الخاصرة الرخوة؛ لاستهداف إسرائيل من خلالها.

ويعتبر هؤلاء أن وكلاء إيران – وعلى رأسهم «حزب الله» و«الجهاد الإسلامي» – مستعدون لذلك، بينما تحاول إيران الآن ضم «حماس»، أو جزء منها لتكون جاهزة للمواجهة وفق القناة «العاشرة» في التلفزيون الإسرائيلي، وتؤكد القناة أن طهران دعت حماس لتكون جزءً من محور المقاومة والاستعداد للمواجهة الكبرى، التي تعد لها طهران وحزب الله، وذلك بالرغم من إقرار دولة الاحتلال أن الاعتبار المركزي في علاقات حماس هو مصلحتها الفلسطينية، وليس الاعتبارات الإيرانية، إلا أنّ احتمال الخروج عن السيطرة يظلّ واردًا.

قائد الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني (المصدر: رويترز)

يقول الخبير الإسرائيلي في الشؤون العربية، يوني بن مناحيم: «تقوم إيران بتوثيق علاقاتها العسكرية مع المنظمات الفلسطينية، كحماس والجهاد الإسلامي، من خلال الجنرال قاسم سليماني، وهو ما تجلى في تصريحات لبعض الناطقين باسم حماس حول عدم ابتعاد الحركة في الرد على أي هجوم إسرائيلي قد يستهدف سوريا أو لبنان».

ويضيف الضابط السابق في جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) في مقاله على موقع «نيوز ون»: «يبدو أن حماس ملزمة بالدفاع عن مصالح الأطراف الثلاثة الأخرى، ومساعدتها عسكريا، وهو ما يحقق حلمًا إيرانيًا باستكمال حلقات الإحاطة بإسرائيل، ليتم إمطارها بعشرات الآلاف من القذائف الصاروخية عند لحظة الصفر؛ ما يتسبب بتخريب مدنها، وتهجير سكانها خارج حدودها، وهي مناسبة لتجريب إيران منظومة صناعاتها الصاروخية من طراز أرض-أرض، لتدمير كل المواقع الحيوية الإسرائيلية لحظة اندلاع الحرب».

هل من مصلحة حماس الدخول في جبهات القتال؟

تحاول إيران اختراق حماس ودفعها نحو مواجهة مع إسرائيل كما أسلفنا، خاصًة في حال فتح إسرائيل لجبهة قتال إيران في سوريا ولبنان، لكن هناك من يقلل من تأثير طهران على قرار الحركة، لعدة أسباب منها حصر اهتمام حماس الآن في التوصل إلى مصالحة فلسطينية داخلية، والتي منحت الحركة فرصة لتطوير العلاقات مع مصر.

رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو (المصدر: رويترز)

ويؤكد أستاذ العلاقات الدولية من لبنان، «خالد العزي»، أن إيران تحاول أن تعزز نفوذها وتستخدم بعض علاقاتها القديمة بحماس والفصائل الأخرى، لجر حماس لمعركة مع إسرائيل؛ وهدفها جراء ذلك إجبار الغرب وأمريكا على التفاوض معها؛ كونها الأساس في المواجهة، وبالتالي إرباك الحالة السياسية في المنطقة من خلال خلط الأوراق.

ويضيف «العزي»: «حماس لن تدخل بمواجهة كبرى كما الماضي، وخاصة أن خاصرتها الآن محمية من الجانب المصري في ظل الحصار المفروض عليها، كذلك العلاقة بين حزب الله وحماس لا تزال في مرحلة الجمود، بالرغم من إعطائها نوعًا من الدفء، لكن أغلبية الحمساويين لا يزالون يرون في حزب الله عدوًا للثورة السورية، بالطبع هذا لا يراه الزهار والاتجاه الإيراني الذي يمثله داخل حركة حماس»، ويبين العزي أن إسرائيل تحاول جر إيران لمعركة محدودة في سوريا، كما حدث سابقًا؛ لتسدد لها ولفصائلها ضربة قاسية جدًا.

كذلك، يرى المحلل السياسي «طلال عوكل» أنه بدون وجود وحدة وطنية فلسطينية وظهير عربي يتوافق مع الإرادة الفلسطينية، فلن يكون من مصلحة حماس فتح جبهة القتال مع إسرائيل، ويوضح: «اشتباك حماس مع إسرائيل في نفس الوقت الذي تشتبك به إسرائيل مع الشمال، سيجعل معظم الدول العربية تقول إن هذه هي حرب إيران، وليس حرب الفلسطينيين والعرب، وبالتالي فليس من مصلحة حماس أن تخوض معركة تحت علم أية دولة أخرى، أو لحساب إيران أو غيرها»، بحسبه.

 فكرة «توحيد الجبهات» تقلق إسرائيل.. لماذا؟

تعتمد إسرائيل على استراتيجية «فَرِّق تَسُدْ»، للنيل من الجبهات العسكرية التي تحيط بها؛ فهي لا تستطيع أن تحارب على جبهات متعددة في آن واحد؛ لأنها تدرك مدى الخسائر الفادحة التي سوف تتكبدها، ولذلك يثير التحسن في العلاقة بين إيران وحماس، وتعاظم مستوى التنسيق بينهما، المخاوف الإسرائيلية من إمكانية انفجار مواجهة على الجبهات الثلاث: اللبنانية، والسورية، والغزية، في حال انفجرت المواجهة على إحداها.

مقاتل من كتائب القسام (المصدر: رويترز)

يقول المحلل والكاتب السياسي «طلال عوكل»: «إن إسرائيل لا تستطيع أن توزع جهدها على أكثر من جبهة – رغم ادعائها ذلك – خاصة أن هذه الجبهات – باعتراف الإسرائيليين – تمتلك إمكانات لضرب الجبهة الداخلية الإسرائيلية، فإذا ما فتحت الجبهات مع بعضها البعض عمليًا، فسيسقط ضحايا كُثر. كذلك لن تكون إسرائيل قادرة على إيجاد مبررات مقبولة لدى المجتمع الدولي في حال شنت حربًا على كل هذه الجبهات».

ويضيف لـ«ساسة بوست» : «الحرب مكلفة لإسرائيل، وستضعها في موقف حرج، وهي أيضًا لا تريد أن تحتل أراضٍ أخرى، لكنها تخشى من الاضطرار لذلك»؛ إذ قد يفرض فتح جبهة غزة على  الاحتلال احتلال القطاع، بما يضمن إسقاط حكم حركة حماس هناك.

ويظهر ذلك من خلال متابعة «تقرير مراقب الدولة» في إسرائيل، الذي تناول أوجه القصور في عدوان 2014، فإسرائيل تدرك أنه لا يوجد حاليًا طرف ثالث يمكن أن يتولى زمام الأمور في قطاع غزة بعد جولة القتال المقبلة في حال تم إسقاط حماس، وهو ما يعني توريطها في القطاع إلى أمد طويل.

لكن هل سترد إيران «الجميل» في حال شن الاحتلال فقط قتالًا ضد غزة؟ يجيب المحلل السياسي، «جميل عمار»: «من
المستحيل أن تكون إيران وفية لحماس؛ لأن العلاقة بين النظام السوري وحماس ليست على ما يرام، بينما العلاقة بين حماس وايران تشير إلى تحالف واحتضان من إيران لحماس، طبعًا يعود ذلك لموقف الدول العربية من حماس وتخليهم جميعًا عن حماس، الأمر الذي دفعها للحضن الإيراني».

 ويضيف «عمار» لـ«ساسة بوست»: «فتح حركة حماس لجبهة قتال مع إسرائيل في هذا التوقيت يعني أنها تخدم بشكل أو بآخر إيران؛ لأن التوقيت الحالي هو توقيت سياسي، وليس توقيتًا عسكريًا يحقق مصالح رئيسة، فإيران تلعب على التناقضات العربية، تلعب مع قطر على التناقضات الخليجية، وتلعب مع حماس حتى تسبب إزعاجًا لإسرائيل».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!