عانى الاقتصاد الجزائري كثيرًا من الحرب النفطية التي ينخرط فيها البلدان المتخاصمان، خلال السنتين الأخيرتين.

لم تخف الدول النفطية ارتياحها من نجاح اتفاق «أوبك» مؤخرًا، والذي يقضي بالتزام الدول المصدرة للنفط بخفض إنتاجها لأول مرة منذ ثماني سنوات، إلى ما بين 32,5 و33 مليون برميل يوميًّا، في محاولة لرفع أسعار البترول عن طريق تقليل العرض.

لكن ما كان لهذا الاتفاق أن يتم بدون وساطة الجزائر، التي لعبت دورًا مهمًا في تقريب وجهات النظر بين المملكة العربية السعودية، وإيران، لدفعهما للقبول بتخفيض الإنتاج النفطي بعيدًا عن حساباتهما السياسية.

وليس غريبًا، أن تبادر الجزائر لتقمص دور «المصلح» بين إيران والسعودية، إذ لطالما عانى الاقتصاد الجزائري كثيرًا من الحرب النفطية التي ينخرط فيها البلدان المتخاصمان، خلال السنتين الأخيرتين.

تبعية الاقتصاد الجزائري

يرتكز اقتصاد الجزائر على النفط والغاز، ويعتبران الأساس لموارده المالية، حيث يشكِّلان نسبة 35% من إجمالي الناتج المحلي، و62% من عائدات الحكومة، و98% من مداخيل التصدير.

ويُقدَّر احتياطي الجزائر المؤكد من النفط بحوالي 12.2 مليار برميل، أي ثالث أعظم احتياطي في القارة الأفريقية بعد نيجيريا وليبيا، وتحتل الرتبة العاشرة في احتياطي الغاز، الذي يبلغ 4.5 تريليون متر مكعب، علاوة على احتياطي الغاز الصخري، المكتشف حديثًا، والذي يقدر بـ20 تريليون متر مكعب، وفق معلومات إدارة الطاقة الأمريكية.

ورغم أن هذه الثروة الهائلة تُعد مكسبًا للجزائر، إلا أنها تُعتبر أيضًا سيفًا ذا حدين، إذ تربط اقتصاد البلاد بتقلبات سوق أسعار النفط العالمية؛ مما يفقد الاقتصاد الجزائري المناعة ضد صدمات تراجع ثمن النفط، خاصةً وأن المداخيل البترولية تمثل عصب اقتصاد الجزائر، والمصدر الأوحد للعملة الصعبة.

وعانت الجزائر طوال السنوات الأخيرة من انخفاض أسعار النفط إلى ما دون الأربعين دولار للبرميل الواحد، حتى أُرغم رئيس الوزراء الجزائري، عبد المالك سلال، على التصريح علنًا بأن «الدولة في حالة أزمة»، بعدما تراجعت واردات النفط المالية، واختل الميزان التجاري، الشيء الذي من شأنه تهديد السلم الاجتماعي الجزائري، القائم على سياسات الدعم السخي، المموَّلة من مداخيل البترول.

ومن ثمَّ، تحولت نعمة البترول بالنسبة للجزائر إلى لعنة، قد تقود إلى انهيار اقتصادها، في حال استمر تراجع أسعار النفط لمستويات متدنية، وذلك بسبب الاعتماد على سلعة متقلّبة، ولا سيما مع غياب أي نشاط اقتصادي آخر.

حرب النفط الإيرانية السعودية

تنخرط السعودية وإيران في حرب باردة منذ زمن طويل بسبب الخلاف الديني والسياسي، وزاد من تأجيجها أزمات الشرق الأوسط المشتعلة بعد ما سمي «الربيع العربي»، بالأخص في كلٍّ من سوريا واليمن، حيث يخوض البلدان حربًا ضارية بالوكالة.

وفي إطار هذه الحرب غير المباشرة، اتكأت السعودية طوال السنوات الأخيرة على سلاح النفط لكبح جماح الخصم الإيراني، عن طريق رفع الإنتاج إلى أعلى مستوياته، ومنه إغراق السوق العالمية بكميات وافرة من البترول تفوق الطلب، تؤدي إلى انخفاضٍ حادٍ في أسعار البترول، بهدف ضرب الاقتصاد الإيراني، بحيث تراجع سعر البرميل الواحد إلى أقل من ثلاثين دولارًا في السوق العالمية.

وتستغل السعودية احتياطها النفطي الهائل، والقابل للاستخراج بثمن رخيص، في حربها الاقتصادية مع إيران، حتى لا يستفيد الاقتصاد الإيراني من خروجه من دائرة العقوبات الدولية المفروضة عليه بعد الاتفاق النووي الأمريكي.

ليأتي اتفاق «أوبك» بشكلٍ مفاجئ، ويكسر الحرب النفطية بين السعودية وإيران، بعد أن كان الاتفاق بين البلدين بعيد المنال، حيث سبق لوزير النفط الإيراني أن وصف اقتراح تثبيت مستويات الإنتاج، بـ«المثير للضحك لأنه لا يسمح لإيران باستعادة الحصة السوقية التي خسرتها أثناء العقوبات».

إلا أنه يبدو أن البلدين أرغما تحت الضغوط الاقتصادية التي يعانيها كل منهما، على الرضوخ لدعوات البلاد الأخرى المصدرة للنفط، مثل الجزائر، إلى خفض الإنتاج، إذ تفاقمت مشاكل التنمية والإنفاق بالنسبة للمملكة السعودية، وتضرر اقتصاد إيران من تراجع سعر النفط.

بدائل ممكنة للاقتصاد الجزائري

تشكّل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي مرت بها الجزائر، إثر تراجع أسعار البترول، خلال السنوات الأخيرة، فرصة لإعادة النظر في هيكلة اقتصادها، المتمحور حول النفط؛ مما يؤدي به إلى التأثر سريعًا بتقلبات السوق العالمية، الناجمة عن الحسابات السياسية أو ظروف الإنتاج.

ورغم أن الجزائر نجحت في إقناع كل من إيران والسعودية بالانخراط في الاتفاق، القاضي بخفض الإنتاج النفطي؛ مما وضع حدًّا لمحرقة أسعار البترول، والتي وصلت نيرانها للدول النفطية الأخرى، إلا أنه من جهة أخرى يستبعد التعويل على صلح البلدين على المدى المتوسط أو الطويل، نظرًا للخلاف السياسي العميق بينهما، والذي قد يشعل بينهما حربًا نفطيةً أخرى في أي لحظة؛ مما يضع الاقتصاد الجزائري في خطرٍ دائم.

ومن ثمَّ ينصح العديد من الخبراء بضرورة تنويع الاقتصاد الجزائري، وترشيد نفقاته وتشجيع الاستثمار، حيث يقول الخبير الاقتصادي الجزائري، عبد الرحمان مبتول، إن الصدمة الاقتصادية التي تلقتها الجزائر عقب انخفاض سعر البترول، تستوجب إنجاز «عمليات تصحيح للاقتصاد الوطني، قائمة على تنويع الاقتصاد وفك الارتباط الحالي بسعر المحروقات، والتحكم في أسعار المواد واسعة الاستهلاك، وإبداع حلول ذكية لجلب الاستثمارات».

وتتوفر الجزائر على قطاعات واعدة كبدائل عن المحروقات، حيث تزخر الجزائر بمساحات شاسعة، يمكن استغلالها في مجالات الطاقات المتجددة، خاصةً منها الطاقة الشمسية والريحية، ما قد يخفض الاستهلاك المحلي للمحروقات.

كما تسمح الأراضي الجزائرية الشاسعة بممارسة النشاط الفلاحي، لتحقيق الأمن الغذائي، الشيء الذي يغني الدولة عن كلفة استيراد مأكل مواطنيها من بلدان أخرى. مثلما يعد أيضًا مجال السياحة قطاعًا واعدًا في الجزائر، يحتاج إلى الاستفادة منه من خلال توفير البنيات السياحية المناسبة، وتشجيع الاستثمار في هذا القطاع.

علاوة على أن القطاع النفطي نفسه، يعاني من أعطاب حادة تقلل من إنتاجيته ومداخيله، مثل ضعف الاستثمارات، والفساد المستشري، والإدارة السيئة لهذه الثروة الطبيعية.

ومن شأن تنويع الاقتصاد الجزائري وتقويته، أن يخفف تبعيته لتقلبات سوق البترول العالمية، الأمر الذي يكسبه مناعة ضد الصدمات الخارجية، لكن يبقى الاستثمار في البدائل الممكنة مرهونًا بمدى كفاءة الحكومة الجزائرية في التسيير، ومدى قدرة المجتمع على الإنتاج.

عرض التعليقات
تحميل المزيد