يوم الاثنين الماضي أُطلق في العراق هجومٌ بري شامل على تنظيم الدولة الإسلامية المعروف إعلاميًا بـ(داعش) في مناطقه التي يسيطر عليها في (تكريت) إحدى مدن محافظة (صلاح الدين) ومركزها الأهم، وهو الهجوم الذي تعمل فيه بشكل علني وربما للمرة الأولى الولايات المتحدة الأمريكية ودول خليجية على رأسها الإمارات وإيران ممثلة في فيلق القدس وقائده رجل الظل الجنرال (قاسم سليماني) جنبًا إلى جنب!
هذا التقرير يحاول الإجابة على أسئلة تتعلق بتوضيح المشهد العراقي المرتبك، شرح لطبيعة الصراع، ومحاولة لرؤية أسباب نشأة تحالف علني مثل هذا مع تقدير حجم ما يمكن أن يتغير من جغرافيا العراق السياسية ومدى تأثير ذلك على دول الجوار.

(1) متى كانت البداية؟

فجر الاثنين الماضي (الثاني من مارس) أعلن حيدر عبادي رئيس الوزراء العراقي بدء أكبر عملية عسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) منذ اجتياحه الشهير للعراق العام الماضي وسيطرته على مساحات واسعة من البلاد. الإعلان جاء من مقر القيادة العسكرية المشتركة للعملية في سامراء والواقعة إلى الجنوب من تكريت بمسافة مائة وتسعين كيلومترًا، أما العملية نفسها فهي تجري في محافظة صلاح الدين وتحديدًا في (تكريت).

الهجوم يشارك فيه قرابة الثلاثين ألف جندي من مختلف الأطياف تحت مسمى (جيش الحشد الشعبي) وهو أكبر عدد يهاجم (داعش) حتى الآن، والتوليفة تتكون من (جنود الجيش العراقي) و(الشرطة العراقية) و(الميليشيات الشيعية) و(بعض العشائر السنية) و(قوات النخبة الإيرانية من الحرس الثوري) و(قوات البشمركة الكردية)، وهو مزيج فريد يعمل للمرة الأولى منذ عام 2003 بهذا الشكل والتنسيق والأهداف المحددة!

يدعم الجيش جويًا الطيران العراقي في المقام الأول بشكل محدود، وينفي الجميع مشاركة طيران التحالف في شن غارات جنبًا إلى جنب الهجوم البري، وهو الشيء الذى صرح بعكسه خالد العبيدي (وزير الدفاع العراقي) مؤكدًا على وجود إسناد جوي من التحالف، مع تواتر أخبار عن مشاركة طائرات أمريكية وF16 إماراتية في ضرب أهداف لتنظيم الدولة بالتزامن، لتكون هذه المرة الأولى التي تعمل فيها إيران بجانب الولايات المتحدة ودولة خليجية رئيسية بشكل مباشر وواضح للعيان!

لكن الثابت أن الولايات المتحدة أرسلت أسلحة متطورة إلى الحشد الشعبي ليستخدمها في قتاله الجاري، فأمدته بمئات الصواريخ الهيل فاير، وبعشرة آلاف بندقية من طراز إم – 16، ومائتين وخمسين عربة مدرعة قتالية، ومعدات عسكرية متقدمة أخرى.

يبدو العدد المهاجم ضخمًا، والنية مبيتة لتفريغ تكريت من عناصر (داعش) بمشاركة عشرات الآلاف من الجنود، والنصر حسابيًا سهل أمام كفة ميزان التنظيم التي لا تحتوي إلا من ألفين لخمسة آلاف مقاتل في المدينة العراقية على أقصى التقديرات تفاؤلًا، لكن (داعش) وعلى أي مقياس عسكري ليست بهذه السهولة حتمًا!

(2) لماذا خسر التحالف سابقًا؟!

المصدر: Mahmoud Raouf—Reuters

لم تكن هذه المرة الأولى التي تهاجم فيها قوات عراقية مختلطة من جيش نظامي وميليشيات شيعية المدينة العراقية في محاولة لتخليصها من قبضة (داعش)، فمنذ سيطرة التنظيم على تكريت (صلاح الدين) قامت القوات العراقية بـ 44 محاولة لطرد عناصر تنظيم الدولة من المدينة، والمفاجأة ؟ لم ينجح أحد!

في المرات السابقة خرجت نفس التصريحات من القيادة العسكرية للقوات العراقية مؤكدة على تقدم هذه القوات في تكريت، في أكتوبر الماضي، ومؤكدة على أنها أخذت احتياطات عالية وخططًا محكمة لاقتحام المدينة من خمسة محاور، مع إسناد جوي من التحالف ومن الطائرات العراقية، النتيجة أن المقاتلين العراقيين فشلوا تمامًا في التقدم لداخل المدينة ولو لكيلومترات معدودة، بل وتمادى التنظيم وسيطر على السماء أيضًا وأسقط طائرات حربية مقاتلة كان آخرها حينها طائرة سوخوي تابعة للجيش العراقي في (قضاء بيجي)، لتتوقف العملية الرابعة والأربعون في نهاية أكتوبر بفشل لم يُعلن رسميًا ولكنه كان مرئيًا ومفهومًا.

يعتمد تنظيم الدولة على ثلاثة أسلحة أساسية تجعل تقدم جيش الحشد الشعبي بالغ الصعوبة والبطء، الأول هو (القناصة) الذين حولوا تكريت للعبة فيديو قتالية واقعية واسعة النطاق وكانوا سببًا رئيسيًا في عرقلة انتشار الجيش المختلط حتى الآن، والثاني هو العبوات الناسفة والألغام، حيث زرعت (داعش) استعدادًا لهذا الاجتياح مئات العبوات الناسفة على جوانب طرقات تكريت وألغامًا في مناطق حيوية تعتبر مفاتيحَ للمدينة، والتنظيم فقط هو من يمتلك خريطتها لتفاديها، بينما يتعرض الحشد الشعبي لخطر الانفجار في أية لحظة ويتحسس خطاه بلا رؤية.

أما السلاح الثالث والأهم فهو (الانتحاريون)، ويكفي معرفة أنه مع أول أيام العملية منذ أسبوع بادر التنظيم وترك تكريت لينفذ أكثر من عملية في سور أشناس والرصاصي على أطراف سامراء التي تتمركز فيها القيادة العسكرية المشتركة، ليقتل ويصيب حسب مصادر أمنية من هناك أكثر من 120 جنديًا، وهو عدد ضخم ويعطي لمحة عن مدى ما تستطيع أذرع (داعش) أن تذهب إليه.

(3) كيف يتعاون الجميع بهذا الشكل؟

يمكن أن يكون لإيران دور إيجابي في الهجوم على تكريت طالما لم يؤد تدخلها لتوترات مع السُنـَّة       *الجنرال “مارتن ديمبسي” رئيس أركان الجيش الأمريكي.

يمكن لنا من هذا التصريح تكوين صورة واضحة بشكل ما عما يحدث، فهذه هي المرة الأولى التي يأتي فيها تصريح بهذا المستوى الأمريكي (من رئيس الأركان) على هذه الشاكلة معبرًا عن رضا الولايات المتحدة الأمريكية عن الدور الإيراني في العملية، وهو التصريح الذي قاله الجنرال أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ قبل أن تؤكده وتفصله (ميري هارف) المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية الأمريكية.

تدعم الولايات المتحدة إيران في العراق بشكل غير مباشر مع وقوف الأولى على الحياد بشكل رسمي لأكثر من سبب، أولهم وأبسطهم أن الولايات المتحدة لم تستطع أن تفعل أي شيء أمام التغلغل الإيراني في الداخل العراقي، فمن ناحية نجد أن إيران أقدامها في رسوخ شديد بوجود ميليشياتها الشيعية المدعومة منها بقوة هناك، سواء ميليشيا (كتائب حزب الله) أو الأهم والأقوى (فيلق بدر) بزعامة (هادي العامري) رجل إيران الأول في العراق ثم الميليشيات متوسطة العدد الأخرى، ومن ناحية ثانية فإن إيران تُدْخِل عبر حدودها المشتركة مع العراق المئات من قوات النخبة الإيرانية (الحرس الثوري) باستمرار للمشاركة في العمليات الجارية مع عدد كبير من شحنات الأسلحة الإيرانية المتوسطة والثقيلة، وهو نوع من النفوذ تحاول الولايات المتحدة التماهي معه والاستفادة منه على القدر الأكبر لعدم قدرتها على السيطرة عليه أو تطويعه بأي شكل.

سبب آخر وهو وجود رجل الحرس الإيراني الأقوى الجنرال (قاسم سليماني) قائد فيلق القدس بنفسه في تكريت وظهوره هناك علانية للإشراف على المعارك الدائرة، وهي رسالة غير مباشرة لإدارة الرئيس الأمريكي أوباما توضح استحالة منع التدخل الإيراني في العراق مع وضع مفاتيح قيادة المعركة بشكل واضح تمامًا في يد طهران، وتواترت أخبار أن خطة المعركة نفسها والهجوم وضعت من قبل عدد من جنرالات طهران العسكريين هذه المرة لمواجهة سعة الحيلة التكتيكية التي يتميز بها تنظيم الدولة الإسلامية عسكريًا، وهي سعة حيلة لم تمثل الخطط العسكرية العراقية السابقة ندًا قويًا لها.

أما السبب الثالث فهو المحاولة الأمريكية المعتادة لاستنزاف الأطراف مع تركيز الجهد على الطرف (المنتصر/ المستنزف في نفس الوقت) فيما بعد توقف المعارك. مقامرة أمريكية مفهومة السياق وإن شابها شيء من الثقة المبالغ فيها هذه المرة، فمن ناحية لو انتهت العملية بانتصار الحشد الشعبي فهذا معناه مباشرة بسط إيران لنفوذها بالغ القوة على العراق لتزعزع السيطرة الأمريكية هناك، بل ومن المحتمل أن تنهيها في غضون سنوات قليلة جدًا، والمشكلة الأكبر حينها ستواجه دول الخليج التي ستقف أمام ذراع إيراني عربي باطش يهدد وجودها نفسه!

أما لو انتصر تنظيم الدولة على حشد عسكري كهذا فهو إيذان بتقهقر إيراني أمريكي مشترك وتوسع داعشي ربما ينتهي بالسيطرة على بغداد، مما يعنيه هذا من قيام حقيقي لدولة الخلافة الإسلامية التي يهدف إليها التنظيم بسيطرته للمرة الأولى على دولة عربية بالكامل، ما يعنيه أيضًا من توسع لقاعدته الشعبية الجهادية وتوسع فروعه وترسيخ وجوده كقوة واقعة لفترة طويلة، وتهديد ستواجهه دول الخليج لا يقل قوة عن التهديد الإيراني، والنتيجة في كل الأحوال هي وجود الخليج العربي ومصالح الولايات المتحدة في المنطقة بين المطرقة والسندان!

(4) لماذا تكريت؟

تكريت، أهم مدن محافظة (صلاح الدين) هي إحدى أهم – إن لم تكن أهم – نقاط منظومة النقل والإمداد اللوجيستي لتنظيم الدولة، فـ(داعش) تعتبرها حلقة وصل بين مقرها الأساسي (الموصل) وبين محافظات أخرى كالأنبار مثلًا، لذلك تمثل استعادتها إنْ تمت ضربة قوية لخطوط مواصلات تنظيم الدولة الذي سيتم حصره بطبيعة الحال في الموصل بشكل رئيسي.

الأهم من ذلك هو تأمين بغداد؛ ففي الفترة الأخيرة تزايدت وتيرة عمليات التفجير الانتحارية من قبل (داعش) واختراقاتها للحزام الأمني حول العاصمة، فالمدينة التي تبعد فقط مائة وخمسة وسبعين كيلومترًا عن بغداد تعتبر نقطة انطلاق إستراتيجية رئيسية لعناصر تنظيم الدولة للقيام بعملياتهم على حدود العاصمة، فضلًا عن إمكانية استخدامها كنقطة حشد لمعركة بغداد الكبرى إن لم تسبق القوات العراقية بحشدها المضاد وهو ما تم بالفعل.

سبب آخر مهم تكتيكيًا وهو (تشتيت داعش)، فانشغال مقاتلي التنظيم بجبهات قتال متعددة على امتداد صلاح الدين والأنبار سيجعل استنزافهم أمرًا ممكنًا مما يؤدي إلى تسهيل مهمة تفريغ المناطق التي يسيطرون عليها منهم، فضلًا عن رفع معنويات القوات التي توالت على رؤوسها الخسائر منذ أشهر أمام التنظيم، وفك الجمود عنهم بعد توقف قتالي واسع النطاق دام في الشهرين الماضيين.

كل ذلك مفهوم، لكن الهدف الرئيسي لم يكن أبدًا تكريت، بل (الموصل)!

عملية تكريت في المقام الأول هي تمهيد للأرض وبروفة حية لتجربة الحشد الشعبي والتعاون عالي المستوي بين الجميع ضد (داعش) لرؤية هل ستفلح الأمور مما يسهل عليهم توجههم إلى الموصل المعقل الرئيسي لتنظيم الدولة وبدء عملية نزع سيطرة (داعش) عليها، أم ستفشل مما يستتبعه هذا الفشل من نتائج سبق وأن ذكرت أعلاه!

الجنرال الأمريكي جيمس ماركس قال ذلك بطريقة أخرى عندما أعلن أن ما يحدث في تكريت هو تجربة لوضع سيناريوهات معركة الموصل، وهو ما أعلنت القيادة الأمريكية العسكرية أنه سيتم ما بين مايو ويونيو القادمين، قبل أن تعترض القيادة العسكرية العراقية على فقدان عامل المفاجأة لتعود الولايات المتحدة وتصرح أنه ليس هناك جدول زمني أو موعد محدد لمعركة الموصل زمنيًا في تناقض غريب!

في هذه الأثناء سيتم رؤية وتقييم واقع تنظيم الدولة على الأرض عسكريًا، والتقييم يختلف هذه المرة عن الشهور السابقة تبعًا لعدد المهاجمين المقدر بثلاثين ألفًا على الأقل، ومع ذلك فإن القوات العراقية الكردية الإيرانية المشتركة تواجه صعوبات جمة في التقدم للأسباب السابق ذكرها في إطار قوة (داعش)، مما أدى إلى أن يكون أغلب الهجوم صاروخيًا بصواريخ الهيل فاير التي زودت أمريكا الحشد الشعبي بها، مع قصف مدفعي عنيف، كل ذلك بلا التحام مباشر حتى الآن بشكل موسع مع مقاتلي التنظيم.

ما يتم استهدافه في النهاية وبشكل كلي هو طرد عناصر تنظيم الدولة الإسلامية من العراق إلى سوريا، ليسهل ذلك على التحالف فيما بعد تجميع البيض كله في سلة واحدة لكسره، وقد تبدو الأمور سهلة نظريًا، لكن ما تفعله الولايات المتحدة سيؤدي – إن نجح – لاستبدالها بالجمر النيرانَ الإيرانية التي ستحرقها حتمًا مع دول الخليج لو توسع الحلم الإيراني الإمبراطوري أكثر وضم العراق لأذرعه بشكل كامل، والأمور أمام تنظيم قوي كـ(داعش) ليست بهذه السهولة حتمًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد