تعرض الشاشة الكبيرة في إحدى صالات العرض الفرنسية صورًا مضيئة لسفن تعبر نهر السين، وجِمال تتجول في الصحراء، وشوارع مختلفة، بينما يجلس الشاه الإيراني مظفر الدين مُنبهرًا بما يرى. ليكون أول ما يفعله الشاه عند عودته إلى إيران بعدها أن يعطي أوامره إلى «ميرزا إيراهيم خان» كي يشتري المعدَّات اللازمة لنقل هذه التقنية الجديدة إلى إيران، وليشهد القرن الـ20 انضمام إيران إلى الساحة السينمائية.

أنشئت أول صالة عرض سينمائية في فناء أحد تجار التُحف في طهران عام 1904، وكان الأمر في بدايته يقتصر على الطبقات الاجتماعية العليا، لكن اهتمام الشاه بظهور إيران بمظهر متحضر أمام الغرب، منح السينما بُعدًا جديدًا، لتُصبح الوسيلة الترفيهية الأكثر شعبية في إيران. ولتأخذ السينما الإيرانية مسارًا سيشهد له العالم فيما بعد، وسنحكي قصته في تقريرنا.

كيف انتقلت صناعة السينما لإيران؟

ظهر اهتمام الشاه مظفر الدين بالسينما جليًا، وتجلت نتائج هذا الاهتمام، عندما قرر أوفانيس أوهانين – الإيراني الأرمني – والذي درس في أكاديمية السينما بموسكو، العودة إلى إيران ليبدأ مشروعه السينمائي هناك، وليشهد عام 1930 تأسيس أوهانين لأول معهد لتدريس السينما في طهران، ويخرج معه إلى النور الفيلم السينمائي الإيراني الأول «آبي ورابي» في نفس العام. وهو فيلم صامت، مدته 35 دقيقة، ويحكي قصة كوميدية لمغامرات رجلين أحدهما طويل والآخر قصير، واستلهم أوهانين قصته من أحد الأفلام الدنماركية. وأخرجه أوهانين بمساعدة طلبة وخريجي معهد السينما الذي أنشأه هو. وبعد 5 أشهر فقط، أخرج الفيلم الثاني له «حاجي أغا» وقام أوهانين نفسه ببطولة الفيلم إلى جانب إخراجه.

abi_o_rabi

لقطة من فيلم آبي ورابي، للمخرج الإيراني أوهانين

بعد ذلك بثلاثة أعوام، سيشق عبدالحسين سبنتا طريقه إلى الجمهور الإيراني ليصبح الأب الروحي للسينما الإيرانية الصوتية بإخراجه للفيلم الإيراني الأول الذي يحوي خطابًا بين أبطاله، وهو فيلم «The Lor Girl». وسيُخرج عدة أفلام تالية يحاول فيها التمسك باتجاه أصيل للسينما الإيرانية وسط اتجاهات من غالبية صُناع السينما في إيران لتقليد الغرب سواء بترجمة أو دبلجة الأفلام الغربية، أو بصناعة أفلام إيرانية تشبه في محتواها الأفلام الأجنبية.

ضغوط يفرضها المجتمع.. وحلول يطرحها الواقع

شهدت السينما الإيرانية فترة ركود تسبَّبت بها الحرب العالمية الثانية، وانتشرت الأفلام الوثائقية في ذلك الحين بشكلٍ كبير، إلا أن السينما الإيرانية سرعان ما استردت عافيتها، خاصة بعد تولي الشاه محمد رضا بهلوي، خلفًا لوالده. كانت سياسة محمد بهلوي تهدف لجعل إيران غربيَّة الطابع، وفي سبيل هذا قام بعدَّة إصلاحات كان منها ما يخصُّ السينما الإيرانية، حيث أنشأ العديد من دور السينما وأنفق على إنتاج الأفلام، فشهدت إيران في فترة حكمه طوفانًا من الأفلام ذات الإنتاج البخس، والتي كانت في مجملها تحمل الطابع الأمريكي أو الهندي. وكان اتجاه صناع السينما في تلك الفترة في إيران يتجه نحو تحقيق الربح المادي دون الاهتمام بالمحتوى المُقدم للجماهير.

على الرغم من هذا، فقد أحدث فيلم «جنوب المدينة» للمخرج الإيراني فرخ جعفاري ضجة هائلة عندما منع الشاه عرضه. وهو الفيلم الذي يُعد الأول من نوعه في السينما الإيرانية، تم تصويره في أحد الأحياء الفقيرة في طهران، وكان يستعرض الحياة التي تعيشها الطبقة الإيرانية المعدمة، والذي يُعتبر مخرجه هو أحد مؤسسي «الموجة الجديدة» في إيران. ولم تكن الموجة الإيرانية الجديدة سوى محاولة لمجموعة من المخرجين الإيرانيين اتخاذ أسلوب بديل لعرض الواقع الإيراني، ففي الوقت الذي كان جل الاهتمام يتركز على أصحاب الطبقات الغنية وأصحاب النفوذ. اتجهت الموجة السينمائية الجديدة للطبقات الدنيا، وركزت على عرض صورة واقعية لتفاصيل حياتهم، وبسبب الضغط الذي فرضه الشاه على هذه النوعية من الأفلام، اتجه أصحابها للتعبير الرمزي عن القضايا الهامة، عن طريق تمثيل أفلام شعرية، وعرض القضايا من منظور طفولي والاستعانة بالحكايات الرمزية لإيصال فكرتهم.

تركزت قضايا هذا الاتجاه في عدة موضوعات كالاغتراب، والتمدن في المجتمعات الريفية، وكُللت جهود المخرجين الإيرانيين في هذا الوقت بإنشاء معهد التنمية الفكرية للأطفال والشباب عام 1965، وكان للمعهد أثره الجلي على السينما الإيرانية لاحقًا، فمنه تخرج أمير نادري وعلي أكبر صادقي، وأيقونة السينما الإيرانية عباس كيارستمي.

الثورة الإسلامية تفرض قيودها.. والمخرجون يصنعون واقعهم

لم يستتب الأمر للسينما الإيرانية كذلك هذه المرة، فقد شهد عام 1979 قيام الثورة الإسلامية في إيران، وكانت نتيجتها الأساسية أن هرب الشاه محمد رضا بهلوي، وتولى روح الله الخميني حكم إيران. وقد اعتبر الخميني وأتباعه السينما رمزا للـ«انحطاط» الغربي، وأغلقت في بداية حكمه دور السينما، وتم تخريب العديد منها وإشعال بعضها الآخر، فقد شهد أغسطس (آب) لسنة 1979 حرق سينما ريكس والجمهور بداخلها، وهو ما تسبَّب في مقتل المئات من الإيرانيين.

abadan-net2

صورة من حريق سينما ركس الإيرانية

مرت عدة سنوات قبل أن تأخذ الجمهورية الإسلامية على عاتقها إعادة صناعة السنما الإيرانية من جديد، لكنها سينما تعكس القيم والتقاليد الإسلامية الإيرانية، فأُنشئ «معهد الأفلام الإيرانية» وهو مؤسسة تخضع مباشرة لسلطة الحكومة الإيرانية، وتتولى الرقابة على الأعمال السينمائية التي يتم إنتاجها وإخراجها داخل إيران كاملة. وتفرض هذه المؤسسة رقابة صارمة على المحتوى المُقدم من خلالها، وتُمنع المشاهد الجنسية والعنف غير المبرر وغيرها من القيود التي أثقلت كاهل صناع السينما، وتسببت في هروب الغالبية العظمى منهم خارج إيران.

في نفس الوقت، ورغم القيود التي فرضها معهد الأفلام الإيرانية، إلا أنه المؤسسة الوحيدة التي سُمح من خلالها للمخرجين وصناع السينما بالعمل. ورغم القيود الصارمة التي فرضتها المؤسسة إلا أن مخرجين كعباس كيارستمي، ومحسن مخملباف وهما اللذان حصدا جوائز عالمية للسينما الإيرانية فيما بعد، وكانوا قد قرروا البقاء في إيران رغم القيود المفروضة عليهم، إلا أنهم قد وجدوا طريقتهم الخاصة خلال تلك القيود لإخراج ما لديهم للعالم في أفلامهم.

أزمات دولية وجوائز عالمية!

وثائقي عن الفيلم الإيراني «انفصال»، الحائز على الأوسكار 2012 لأفضل فيلم أجنبي.

اشتعلت الأزمات في إيران مع الثورة الإسلامية وبعدها، فاحتجاز الرهائن الأمريكيين، والحرب العراقية الإيرانية، والخلافات الدولية والعقوبات على إيران بسبب الأسلحة النووية، كل هذا ألقى بظلاله على الساحة السينمائية، ففُرضت المزيد من القيود على الأفلام السينمائية، وشهدت صناعة السينما ركودًا تسبب في تهريب الأفلام الإيرانية للخارج، وبداية ظهورها على الساحة العالمية لتحتل مكانة سيشهد لها العالم فيما بعد.

وكان فيلم «طرقات جليدية» للمخرج مسعود جعفري هو الفيلم الإيراني الأول الذي يحصد جوائز عالمية في مهرجان برلين الدولي الـ37. لحق به عباس كيارستمي عام 1997 عندما نال جائزة السعفة الدولية في مهرجان كان السينمائي عن فيلمه «طعم الكرز»، وتوالت الجوائز العالمية على الأفلام الإيرانية فيما بعد ليكون آخرها حصول فيلم «انفصال» للمخرج أصغر فرهادي، على أوسكار أفضل فيلم أجنبي لعام 2012.

سينما النهايات المفتوحة!

تقول الجارديان في تقرير لها إن صناعة الأفلام في إيران الآن هي واحدة من الأكثر نشاطًا في العالم في هذا المجال، فهي تنتج أكثر من 100 فيلم في السنة، مع ملاحظة أن هذا الرقم يستثني الأفلام الوثائقية والأفلام التي تصنع بعيدًا عن أعين الحكومة وطوفان من الأفلام التي تنتج من أجل التلفزيون الإيراني نفسه. مع الوضع في الاعتبار أن فرنسا، وهي صانعة الأفلام الأكثر نجاحًا في أوروبا، تنتج 200 فيلمًا في السنة، بينما تنتج بريطانيا ما لا يزيد عن 100 فيلم سنويًا.

وتمثل إيران حالة مثيرة للجدل – كما يخبرنا التقرير – ففي البلدان التي لديها صناعة أفلام كبيرة نسبيًا، فإن الأفلام صاحبة الأفكار البسيطة والمرتبطة بالعائلة، أو الـ «Art-house» تخسر أمام الأفلام التجارية أو بسبب الحملات الإعلامية الضخمة التي لا يكون لها منها نصيب. لكن، وفي دولة كإيران، حيث تعتبر الدولة هي المستثمر الأكبر في توزيع الأفلام، وحيث الرقابة صارمة على صناعة السينما، وحيث التوتر قائم بشكل دائم داخل المجتمع الإيراني بين التقاليد أو «المُثل الأخلاقية» وبين التطورات التي تفرضها الحداثة «المدنية/التحضّر»، نجد أن هذا الصراع المستمر هو ما يحفز الجمهور، وهو ما يمنح الأفلام الإيرانية ميزة على غيرها من الأفلام.

تتجنب صناعة البطل، وتركز على تفاصيل شديدة الاعتيادية في الحياة اليومية، وتهتم كذلك بالأشخاص العاديين الذين لا يجذبون الانتباه، وهي كذلك تمتلك فن النهايات المفتوحة. كل هذا جعل السينما الإيرانية تختطف الأضواء في المهرجانات العالمية منذ التسعينيات وحتى الآن، وهي في كل هذا تحمل مميزاتها معها، تلك المميزات – كما يقول المخرج الإيراني خسرو دهقان – جعلتها، ليس فقط تنال تقدير النقاد وصناع السينما حول العالم، بل وتحفظ طريقها نحو الجوائز العالمية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد