في بلد يعاني من عقوبات اقتصادية امتدت لسنوات، بينما تشير التقديرات إلى أن أكثر من خمس سكانه يعيشون تحت خط الفقر، إضافة إلى وجود 10 ملايين يعانون من البطالة، بينما يحكم بسلطة حكم فريدة من نوعها يتحكم فيها رجال الدين وعلى رأسهم المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، الذي تقدمه وسائل الإعلام بوصفه شخص زاهد يعيش على الكفاف، وفي ظل التعتيم الشديد بشأن أي تفاصيل تخص شخوص النظام الإيراني البارزين، تبقى المعلومات التي تتناثر هنا وهناك حول بيزنس وثروات رجال الدين في إيران بمثابة أحجار تلقى في المياة الراكدة لطبقات الحكم العميقة في إيران.

تحقيقات أجرتها وكالات أنباء مثل «رويترز»، أو مجلات اقتصادية متخصصة مثل «فوربس»، إضافة إلى معلومات أوردتها تحقيقات لشخصيات إيرانية نافذة تعيش في المنفى، تلمح إلى أن هناك إمبراطورية اقتصادية كبرى تتم إدارتها من قبل رجال الدين في إيران وفي مقدمتهم المرشد الأعلى تمتد من تجارة النفط والعقارات إلى صفقات السلاح إلى التربح من خلف إدارة المزارات الدينية.

(1) «ستاد» .. مؤسسة مغمورة تحولت إلى إمبراطورية ضخمة بعشرات المليارات

«تمتلك ستاد أصولًا واستثمارات بقيمة 95 مليار دولار وهو ما يفوق عائدات النفط الإيراني العام الماضي “2012” بنسبة 40% كما تبلغ 3 أضعاف تقديرات المؤرخين المستقلين لثروة الشاه»

أثار التحقيق الذي نشرته وكالة «رويترز» في عام 2013 ضجة كبيرة في الأوساط العالمية، حيث كشف عن كيفية تحول مؤسسة مغمورة تم إنشاؤها بهدف مساعدة المحتاجين في إيران إلى إمبراطورية هائلة تدير استثمارات بعشرات المليارات من الدولارات.

أنشأت المؤسسة بمرسوم صادر عن المرشد الأسبق للثورة «آية الله الخميني» في عام 1989 قبل فترة قليلة من وفاته تحت اسم «هيئة تنفيذ أوامر الإمام» (يشار إليها باسم «ستاد» وهو اختصار للاسم باللغة الفارسية» وتختص الهيئة بإدارة وبيع الممتلكات التي تركها مالكوها أثناء فترات الفوضى إبان الثورة الإيرانية لأغراض خيرية، قبل أن تتحول إلى كيان مالي ضخم يمتلك حصصًا في قطاعات النفط والغاز بل الاتصالات والأدوية (حبوب منع الحمل) وتربية النعام.


قدرت «رويترز» حجم الأصول التي تمتلكها «ستاد» بأكثر من 95 مليار دولار وهي تخضع مباشرة لسيطرة المرشد الأعلى للثورة. ورصدت «رويترز» الطرق الملتوية التي تم بها جمع أصول الهيئة من خلال مصادرة أراضي المعارضين السياسيين والأقليات الدينية وانتزاع عقاراتهم والاحتفاظ بالأموال بدلا من تدويرها في الأغراض المخصصة. وقد فرضت الإدارة الأمريكية عقوبات على الحسابات الرسمية للهيئة ضمن العقوبات المفروضة على الاقتصاد الإيراني. ولكن هذه العقوبات لم تشمل معظم المحافظ الاستثمارية للهيئة لأن العقوبات لا يمكن تطبيقها إلا إذا كان الكيان المستهدف بالعقوبة يمتلك 50% أو أكثر من أسهم الشركة، وهو ما كانت تتفاداه «ستاد» ببراعة في معظم الأحوال حيث رصدت «رويترز» أكثر من 24 شركة تمتلك فيها «ستاد» حصصا تقل عن 50% إضافة إلى 14 شركة أخرى لم يتسن نسبة تحديد مساهمة «ستاد» فيها.

في عام 2008 ، سن البرلمان الإيراني قانونًا يحظر الرقابة على الهيئات التي يسيطر عليها «خامنئي» ومن ضمنها «ستاد»، التي تمتلك محفظة عقارية عملاقة تبلغ قيمتها أكثر من 52 مليار دولار إضافة إلى عدة وحدات استثمارية بلغت قيمة إحداها منفردة 40 مليار دولار .

ووفقا لـ«رويترز» ، فإن «ستاد» لا تعمل في جميع الأحوال مستخدمة اسمها بشكل مباشر، ففي واقع الأمر فإن معظم المزادات وإعلانات الصحف تستخدم أسماء مؤسسات أخرى تعمل بشكل تابع لها، أحدها مؤسسة تعرف باسم «مؤسسة المستضعفين»، كما ترفض «ستاد» في معظم الأحوال تنفيذ الأحكام القضائية برد الممتلكات المصادرة إلى أصحابها وغالبًا ما يلجأ هؤلاء إلى دفع رشاوى تقدر بعشرات وأحيانًا مئات الآلاف من الدولارات ونسب تصل إلى 50-60% من قيم عقاراتهم من أجل استرداد النسب الباقية.

«ستاد» والسيطرة على الاقتصاد الإيراني

في عام 2000، بدأت «ستاد» رحلتها للتغلغل في مفاصل الاقتصاد الإيراني، ووفقا لـ«ديفيد كوهين» وكيل وزارة الخزانة الأمريكية إن أموال واستثمارات المرشد الأعلى للثورة الإيرانية تدار في أغلبها من خلال «ستاد»، ويمكن حصر أمثلة للقطاعات الاقتصادية الإيرانية التي تتغلغل فيها «ستاد» وفقًا لما يلي:

1- سيطرت «ستاد» في عام 2010 على شركة ري للاستثمار التي قدرت وزارة الخزانة الأمريكية قيمتها بنحو أكثر من 40 مليار دولار.

2- اشترت «ستاد» من خلال شركة تابعة لها حصة بلغت 19% من شركة الاتصالات الإيرانية، وهي كبرى شركات البلاد وذلك بمبلغ 3 مليارات دولار.

3- أسست «ستاد» شركة تدبير للاستثمار التي تعد أبرز واجهاتها الاستثمارية وقامت من خلالها بشراء حصص في عشرات الشركات.

4- في عام 2002 غزت «ستاد» القطاع المصرفي الإيراني أيضًا من خلال البنك الفارسي الذي صار له أكثر من 100 فرع وأصبح أكبر البنوك غير المملوكة للدولة في إيران.

5- تمتلك «ستاد» مؤسسة بركة الخيرية التي تدير مشروعات في قطاعات التكولوجيا الحيوية وتكنولوجيا النانو وتتبعها أكثر من 20 شركة حققت عائدات بقيمة أكثر من مليار دولار عام 2011.

(2) حياة «خامنئي» .. نمط حياته وممتلكاته الشخصية وثرواته

«محسن مخملباف»، هو مخرج إيراني يعيش حاليًا في المنفى، وثق من خلال سلسلة وثائقية مكونة من 5 حلقات الحياة المترفة والإمبراطورية الاقتصادية التي يمتلكها المرشد الإيراني وأبناؤه وسائر عائلته، والتي تتنافى مع الصورة النمطية لرجال الدين الزاهدين التي يروجها الإعلام الإيراني عنه.


https://www.youtube.com/watch?v=kidb4ad7D74

«حين جاء المبشرون إلى أرضنا، كانوا يحملون بأيديهم الكتاب المقدس، ونحن كنا نملك الأرض. بعد سنوات عديدة، حملنا نحن الكتاب المقدس، وصارت أرضنا بأيديهم»

بهذه العبارة لـ«جومو كيانتا» مؤسس دولة كينيا افتتخ «مخملباف» سلسلته الوثائقية، المكونة من 5 حلقات، والتي أكد خلالها أن هناك حالة من السرية والتعتيم تفرض حول حياة المرشد الإيراني الذي لا يعدو كونه «شاه آخر» يدعي العفة بينما يعيش حياة الملوك بدءًا من طعامه وشرابه. حيث أنفق أكثر من 500 ألف دولار لشراء آلة أمريكية لفحص الطعام، كما يوظف أطباء متخصصين في التغذية مهمتهم انتقاء الأطعمة التي يتناولها، فضلا عن اهتمامه باقتناء الخيول حيث يمتلك 100 حصان ثمنها أكثر من 40 مليون دولار، وفقًا للفيلم، موزعة في مزرعتين يبلغ مجموع مساحتيهما أكثر من 13 ألف متر مربع. كما يخصص «خامنئي» طائرة خاصة لاصطحاب حصانه المفضل «ذو الجناح .. يبلغ ثمنه 7 ملايين دولار» وحصان نجله إضافة إلى شاحنات لنقلهما برًّا.

ويشير التقرير إلى أن «خامنئي» يدخن الغليون ويمتلك عدة غليونات ثمينة يصل عددها إلى 200 غليون، وتبلغ قيمتها 2 مليون دولار، كما يمتلك 300 خاتمًا من الخواتم الثمينة يبلغ ثمن أحدها أكثر من 500 ألف دولار إضافة إلى 170 عصا أنتيك و120 عباءة فاخرة تتخطى أثمانها معًا أكثر من 2 مليون دولار.

وحول حراسته الخاصة، تشير الحلقات إلى أن عدد حراس «خامنئي» يبلغ أكثر من 10 آلاف حارس ينقسمون بين عدة مستويات. المستوى المقرب منهم يتكون من حارسين فقط هما من يحق لهما دخول حجرته ولقائه بينما يحملان السلاح، أما الدائرة التالية فتتكون من 700 حارس منهم 200 لحمايته شخصيًّا و500 لحماية أسرته ويتم اختيارهم من خلال المرور عبر 3 أجهزة أمنية.

ويكشف التقرير عن استخدام «خامنئي» لكل قصور الشاة التي حولتها الثورة إلى متاحف إضافة إلى امتلاكه طائرة إيرباص خاصة مخصصة لسفره وطائرتين من طراز بوينج 707 مخصصتين لعائلته وحراسه و خمس طائرات هليكوبتر من نوع فالكون، وأسطول من السيارات (1200 سيارة) منها 17 سيارة ضد الرصاص.

(3) «خامنئي » .. الاستثمارات والأعمال

ويدعي الفيلم سيطرة «خامنئي» على قطاعي النفط والغاز في إيران، إضافة إلى قطاع التسليح العسكري، كما أنه يمتلك أسهمًا في شركات تصدير الأرز والسكر إضافة إلى شركة بي إم دابليو الشهيرة. ناهيك عن عقود استثمار تجارية باسم «العتبة الرضوية المقدسة في دبي»، العراق ودبي ولبنان وألمانيا وفنزويلا وجنوب إفريقيا والصين. كما يحصل «خامنئي» على نسبة من أرباح النفط حيث يعمل شقيقه «حسن خامنئي» كمراقب أرباح في الوزارة.

ويقدر الفيلم ثروة «خامنئي» نفسه بأكثر من 36 مليار دولار، ويدعي أنه قام بتحويل 22 مليارًا منها إلى البنوك السورية إبان انتفاضة الحركة الخضراء أثناء الانتخابات النيابية في عام 2009 خوفًا من سقوط النظام ومصادرة أمواله كما حدث مع الشاه، ويرجع الفيلم مصادر هذه الثروة الكبرى النفط وتجارة العقارات والسلاح. (12 مليارًا من بيع النفط حيث يفرض مبلغًا معينًا على كل برميل نفط، و6 مليارات من صفقات السلاح منها 3 مليارات من صفقات سلاح مع روسيا قدرت قيمتها الكلية بـ210 مليارات دولار) ، (إضافة إلى مليارين من تجارة الأراضي)، إضافة إلى عدة مليارات أخرى من (التجارة الدينية) عبر المؤسسات التي تتولى جمع أموال النذور مثل مقام الإمام الرضا في مشهد ومقام شقيقته في قم. ومن أمثلة هذه المؤسسات عتبة حضرة المعصومة في قم، وعتبة مدينة الري في جنوب طهران وعتبة حضرة الرضا في مشهد.

وأشار الفيلم إلى أن «خامنئي» كان يدير أمواله وثرواته من خلال شركة يمتلكها «قاسم سليماني» الجنرال واسع النفوذ في الحرس الثوري الإيراني، لها فرعان أحدهما في طهران والآخر في دبي، وقد أوقفت السلطة القضائية عددًا من العاملين في هذه الشركة في عهد الرئيس الإيراني «محمد خاتمي»، لكنّ ضغوطًا كبرى قد مورست من أجل التغاضي عن الأمر.

(4) «بيزنيس» العائلة

وفقا للاستقصاء الذي صنعه «مخملباف»، فإن الإمبراطورية الاقتصادية لم تقف عند «خامنئي» نفسه، ولكنها شملت العائلة كذلك كما يتضح فيما يلي:

1- «حسن خامنئي ومحمد خامنئي» : أشقاء المرشد الأعلى، يمتلك «حسن» 500 مليون دولار موزعة بين مصارف سوريا ولندن ودبي وهو يعمل مراقب أرباح في وزارة النفط، بينما تمتلك «محمد خامنئي» 100 مليون دولار فقط.

2-«مصطفى خامنئي»: هو الابن الأكبر للمرشد الأعلى وتتركز استثماراته في قطاع الأراضي كما يسيطر على مبيعات شركة «بيجو» في إيران وتبلغ ثروته مليار ونصف مليار دولار.

3- «مجتبى خامنئي»: أوسع أبناء «خامنئي» نفوذًا ومهندس العلاقات الاقتصادية مع دول روسيا والصين وغيرها ويعتبر من المرشحين لخلافة والده ويحظى بنفوذ داخل الحرس الثوري وتبلغ ثروته 3 مليارات دولار معظمها من العمولات على مبيعات النفط وبعضها من مصادرة أراضي الدولة كما يمتلك طائرة سفر خاصة وأسطول سيارات وأحصنة.

4- «مسعود خامنئي»: يمتلك ما يفوق 400 مليون دولار في بنوك فرنسا والمملكة المتحدة ويمتلك مبيعات شركة رينو الفرنسية في إيران بمساعدة شقيقه الأصغر والأخير ميثم.

كما أشار الفيلم إلى استفادة أخوال أبناء «خامنئي» الاقتصادية من نفوذ العائلة أيضًا، وأبرزهم «حسن»، وهو متعهد أعمال تلفزيون إيران الرسمي والوكيل الرسمي لشركة سوني في إيران ويقتطع نسبة 7% من مجموع مشتريات التلفزيون الإيراني من شركة سوني بما يعادل 50 مليون دولار.

(5) الحرس الثوري: إمبراطورية اقتصادية أخرى


يستأثر الحرس الثوري الإيراني بـ43% من ميزانية وزارة الدفاع رغم أن أفراده أقل من ثلث أفراد الجيش، في حين حقق عائدات تتراوح ما بين 10-12 مليار دولار وتتهم الولايات المتحدة الحرس الثوري أنه يسيطر بشكل كبير على النفط الإيراني كما يسيطر على حصة كبيرة من قطاع الاتصالات في الدولة حصل عليها عقب دوره في قمع الانتفاضة الخضراء في عام 2009.

اقرأ أيضا: الحرس الثوري .. إمبراطورية اقتصادية لا نهاية لها


يدير الحرس الثوري الإيراني أنشطته من خلال إمبراطورية عملاقة تعرف باسم شركة «خاتم الأنبياء» والتي نفذت 1220 مشروعًا حكوميًّا فقط ما بين عامي 1990 و2007 وتخضع لإمرتها أكثر من 800 شركة فرعية وأبرز رموزها هو «رستم قاسمي» وزير النفط الإيراني والذي توسع في عهده بشكل كبير سيطرة الحرس الثوري على قطاع النفط الإيراني.

تخضع جميع العقود الأجنبية في مجالات الطاقة لإشراف الحرس الثوري الإيراني ، بالإضافة إلى ذلك تتشارك شركة «خاتم الأنبياء» إضافة إلى 15 شركة أخرى تابعة للحرس الثوري النفوذ الأكبر في قطاع الاتصالات إضافة إلى قطاع البناء والتشييد وقطاعات البنية التحتية. من أمثلة ذلك تحكمها في عقد مترو طهران بقيمة 1.2 مليار دولار، وعقد لمد خط أنابيب إلى باكستان قيمته 1.3 مليار دولار.

(6) وباقي رجال الدين أيضًا

 

تحت عنوان «الملالي المليونيرات» نشرت مجلة «فوربس» الشهيرة المتخصصة في مجال الأعمال أحد تقاريرها الأكثر إثارة للجدل، والذي كشفت خلاله، وفقا لوصفها، حقيقة الشهوة للقوة والمال التي كشف عنها رجال الدين عقب وصولهم إلى السلطة في إيران.

ووفقا لـ«فوربس»، فإن هذه الأموال تأتي من من احتكار المؤسسات الخيرية وإدارة المزارات الدينية والمرافق الحكومية، وسائر مرافق الاقتصاد الإيراني من البنوك وحتى الشركات الكبيرة والصغيرة وصولاً إلى محلات البقالة والصيدليات.

وتمت الإشارة بالتحديد إلى رجل الدين المقرب من «خامنئي»، «محمد تقي مصباح يزدي»، والذي يدير مؤسسة «الإمام خامنئي»، التعليمية العملاقة بأفرعها المتعددة، كما تمت الإشارة أيضًا إلى «واعظ عبسي»، الملقب بإمبراطور مدينة مشهد، والذي يتولى إدارة حرم الإمام الرضا.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد