ليس غريبًا أن يكون للتوسع الإستخباراتي الإيراني الأخير في الأراضي اليمنية يحمل في طياته جملة من تحقيق الأهداف التي رسمتها السياسية الخارجية لإيران المستندة أصلاً على مبدأين أساسيين، أولهما القضاء على التأثيرات الخارجية في المنطقة، وثانيهما السعي لإجراء اتصالات دبلوماسية مكثفة مع الدول النامية ودول عدم الانحياز البلدان.

ربما تزايد هذا الأمر بعد جملة المتغيرات التي تشهدها المنطقة العربية والإقليمية في ضوء ما سمي بـ”ثورات الربيع العربي”، وإحداث تغييرات سياسية جذرية في بعض خرائط الدول، والتي اعتبرتها إيران عونًا كبيرًا في تنفيذ مخططاتها منذ عقود عدة.

وتسعى إيران من خلال أنشطتها التوسعية داخل اليمن إلى تحقيق عدة أهداف أهمها زيادة قوتها الإقليمية واستباق خسائر لحقت بها جراء ثورات الربيع العربي، أو يمكن أن تلحق بها وتحسين قدرتها الإستراتيجية على الرد على أي مواجهة عسكرية محتملة، فاليمن بموقعه الإستراتيجي المتميز يمكّن إيران من خلال شن حرب مفتوحة استنزافية غير نظامية في مضيقي هرمز وباب المندب من أن تهدد جزءًا من التجارة العالمية، ويمكن أن تقوم بهذه الحرب جماعات نيابة عنها أي حرب بالوكالة مثلما يدور اليوم في سوريا.

ونقلت تقارير صحفية عن مصادر سياسية يمنية إشارتها إلى توسع إيران في أنشطتها الاستخباراتية في اليمن، من خلال شبكات تجسس متعددة الأنشطة، تم استقطاب عناصرها من مئات الشبان داخل اليمن، خضعوا لدورات تدريبية في طهران ولبنان، يعملون تحت غطاء تؤمّنه مؤسسات إعلامية وتعليمية وخدمية وإنسانية.

علاقة قوية

الرئيس اليمني السابق على عبد الله صالح يبحث تعزيز العلاقات مع إيران

وبحسب هذه التقارير، وصل عناصر من حزب الله إلى اليمن أخيرًا لإدارة بعض مجموعات التجسس لمصلحة إيران في صنعاء، تحت غطاء إدارة مؤسسات إعلامية موالية لإيران، إلى جانب تأكيدها على أن العشرات من الناشطين والإعلاميين والسياسيين، بينهم نواب في البرلمان اليمني، تم استقطابهم عبر جماعة الحوثي وحزب الله، للتجسس ضمن الشبكات الإيرانية في مناطق يمنية عدة.

وذكرت أن المئات من الطلبة اليمنيين قصدوا إيران للدراسة، في سياق برنامج تشرف عليه جمعيات ومراكز دينية تموّلها طهران، يحركها الحوثيون، لافتة إلى أن السلطات اليمنية أوقفت في كانون الثاني (يناير) الماضي سفر 30 طالبًا أثناء مغادرتهم مطار صنعاء الدولي، يرافقهم أحد دعاة الحوثي.

وعلى مدى العشرية الماضية من القرن الحالي، شهدت العلاقات اليمنية الإيرانية حالتي مد وجزر شديدتين، تميزت حالة الجزر فيها بأنها كانت السائدة والأكثر بروزًا، خاصةً بعد اندلاع المواجهات المسلحة بين جماعة الحوثي “الشيعية” المتمردة في محافظة صعدة شمال اليمن وقوات الجيش اليمني في يناير/كانون الثاني 2004.

ومنذ ما بعد قيام الثورة الإيرانية عام 1979 وما مثلته من بروز لمتغير إقليمي جديد ممثلاً بجمهورية إيران الإسلامية كقوة صاعدة على المشهد الدولي والإقليمي، كان ثمة شيء ما غير مألوف تزامن ظهوره مع قيام هذه الجمهورية “البراغماتية”، ألا وهو مبدأ تصدير الثورة الذي كان بمثابة حبات اللقاح أو الإخصاب لما بات يطلق عليه اليوم بالطائفية السياسية في العالم العربي.

أما علاقة اليمن بإيران فلم تكن سوى انعكاس طبيعي لعلاقة النظام الحاكم في صنعاء حينها مع نظام حزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم في بغداد، والذي كانت تجمعه علاقة قوية بنظام صنعاء، وصل إلى مراحل متقدمة تمثلت في وقوف اليمن ودعمه المباشر للعراق في حربه الضروس مع إيران حينها بين عامي 1980 و1988.
ولم يكن التمدد الإيراني في اليمن وليد لحظة ما متأخرة بقدر ما كان وليد تراكم لمحاولات سابقة عديدة للاختراق والوجود على الأرض اليمنية، كغيرها من البلدان العربية الأخرى مثلما صنعت في لبنان والعراق وسوريا وغيرها، بدافع مبدأ تصدير الثورة الإسلامية التي لم تكن سوى غطاء للإستراتيجية الإيرانية القائمة على السيطرة ومد النفوذ في محيطها الإقليمي والعربي تحديدًا.

لكن المحاولات الإيرانية في الحالة اليمنية كانت في كل مرة – وخاصة قبل قيام ثورة فبراير/شباط السلمية – تخفق في تحقيق كل أهدافها، لأسباب عدة في مقدمتها تمايز الحالتين الشيعيتين الزيدية يمنيًّا والاثني عشرية إيرانيًّا، نظرًا لما بينهما من عداء تاريخي وصل إلى درجة تكفير الاثني عشرية من قبل مؤسس المذهب الهادوي الزيدي في اليمن الإمام الهادي يحيى بن الحسين الرسي (245-298هـ).

غير أن السياسة الإيرانية بفعل متغيرات ثورة 1979 وبغطاء “تصدير الثورة”، بذلت جهودًا كبيرة لنشر التشيع في اليمن طوال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي عبر استقدام بعثات طلابية يمنية للدراسة في إيران وسوريا ولبنان، لكن تأثيرات مثل هذه الأساليب لم تكن كبيرة بحكم براغماتية التدين اليمني وعوامل أخرى تاريخية واجتماعية لم تساعدهم في تحقيق كل أهدافهم تلك.

أطراف أخرى

ومثلما وجد الإيرانيون فرصة ثمينة لتحقيق مصالحهم الإستراتيجية، فقد وجدها الحوثيون أيضًا فرصةً أثمن يحاولون من خلالها تحقيق حلمهم التاريخي العقائدي في الحكم، وإعادة ترتيب أوراقهم عبر البحث عن حلفاء لهم، وهو ما كشف عن سعيهم الحثيث للتحالف مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح وبقايا أسرته.

ولا يخفى على كثير من الباحثين أن سبب هذا النشاط الكبير والمحموم لدى هذه الجماعة الطائفية في إعادة الانتشار والتمدد بالقوة والسياسة، هو دخول العامل الخارجي الإيراني بقوة في هذه المرحلة بالذات، وهو الدور الذي لا يخفى وجوده على كثير من المراقبين، من خلال حالة الانفتاح والدعم الكبير الذي تتمتع به هذه الجماعة على أكثر من صعيد، رغم حداثة نشأتها نسبيًّا.

ومما ساعد في خدمة مشروع الحوثيين أنهم استفادوا من حالة الصراع الإقليمي المحتدم بين محوري إيران والمملكة العربية السعودية، فكان رفضهم للمبادرة التي ترعاها رسميًّا المملكة بإيعاز إيراني تبدى بشكل كبير من خلال ازدياد نشاط طهران الكبير على الساحة اليمنية، وخاصة مع إقالة صالح وصعود هادي إلى الرئاسة، حيث عملت إيران على إعادة تأهيل كثير من كوادر الحوثيين وكل الذين يلتقون عند هدفهم.


ما يميز الحالة السياسية الإيرانية جيدًا هو إستراتيجيتها القائمة على نوع من البراغماتية المفرطة في تعاملها مع كل الظواهر والأحداث والأشخاص من حولها، بحيث يتم تسخير كل شيء تباعًا لمرتكزات تلك الإستراتيجية القائمة على تحقيق المصالح الإيرانية القومية وبأي شكل أو ثمن كان، ولا تقف عند سقف أيديولوجياتها الطائفية الضيقة.

غياب الإستراتيجية

سفينة إيرانية في خليج عدن

ويعتبر موقع اليمن الإستراتيجي والتماثل الطائفي شمال الشمال هما ركائز الإستراتيجية الإيرانية تجاه اليمن، والتي تزداد أهمية لدى الإيرانيين كلما اقتربت لحظة سقوط نظام بشار الأسد في دمشق، حليفها الأبرز.

فقرب اليمن الجغرافي وإطلاله على أهم ممرات الطاقة في العالم ممثلاً بمضيق باب المندب الذي يعبره قرابة 3.2 ملايين برميل نفط يوميًّا، عدا عن سعي دولة الإمارات لشق قناة الإمارات لنقل النفط إلى بحر العرب وخليج عمان، بديلاً عن مضيق هرمز الواقع تحت السيطرة الإيرانية، كل هذا في حسبان الإستراتيجية الإيرانية.

بل الأهم بالنسبة للإستراتيجية الإيرانية هو موقع اليمن في خاصرة المملكة العربية السعودية التي يسعى الإيرانيون لتطويقها جنوبًا بعدما نجحوا في تطويقها شمالاً بإسقاط نظام الرئيس صدام حسين في بغداد، وتمدد النفوذ الإيراني فيها بفعل مليشياتها الحاكمة.

ومما يزيد من خطورة نفوذ إيران في اليمن غيابُ أي إستراتيجية مقابلة لها حاليًّا، سواءً لخصومها الخليجيين، أو للمجتمع الدولي الذي لا يرى غضاضة في تقاسم النفوذ والمصالح مع أي قوى تثبت نجاحها في مد نفوذها هنا أو هناك، كما هو الحال بالنسبة للعراق الذي انتهى به المطاف كأفغانستان في السلة الإيرانية حسب الرئيس أحمدي نجاد في حديث سابق له.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد