نشاط التبادل التجاري بين إيران والعراق في السنوات الأخيرة، جعل بلاد الرافدين أكبر مستورد للبضائع الإيرانية في الخمس أعوام الأخيرة، وواجهة مُفضلة للسلطة الإيرانية لتحقيق مكاسب تجارية كبرى. الرواج التجاري بين البلدين لم يتراجع رغم القلاقل السياسية التي تعيشها العراق من ناحية الخلافات الدائرة في دوائر السلطة و السياسة، وأيضًا توسع «تنظيم الدولة الإسلامية» في معظم أرجاء البلاد، وما تبع ذلك من إغلاق عدد من الطرق التجارية الهامة.

العراق: أكبر مستورد للبضائع الإيرانية في الخمسة أعوام الأخيرة

وكانت منظمة تنمية التجارة الإيرانية أعلنت نهاية عام 2013 أن العراق هو «أكبر مستورد» للبضائع الإيرانية، مؤكدة أن ما مقداره 72% من تلك البضائع يذهب إليه، فيما أشارت إلى ارتفاع نسبة الواردات العراقية من منتجات إيران بنسبة 15.7%، عن العام الماضي.

ويُرجح أن يرتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين، ليصل حجم التبادل التجاري مع العراق إلى نحو 20 مليار دولار نهاية العام 2017، بزيادة تصل إلى 10 مليار دولار عن حجم التبادل التجاري في العام الماضي. هذه الزيادة ستتمثل في التوسع في الاستثمار الإيراني في قطاع الغاز والكهرباء؛ حيث إنّ إيران تصدر في الوقت الحالي 25 مليار متر مكعب من الغاز إلى العراق، كما يستورد العراق الطاقة الكهربائية من إيران بواقع 400 ميغاواط عبر ثلاثة خطوط هي خط كرمنشاه- ديالى وخط سربيل زهاب- خانقين وخط عبدان- البصرة، وتغذى هذه المحافظات عبر خطوط كهرباء الضغط العالي.

ويستورد العراق العديد من المنتجات الإيرانية من بينها الزراعية والغذائية والسيارات والأجهزة الكهربائية، بالإضافة إلى التيار الكهربائي عبر خطي البصرة وديالى.

وبحسب منظمة ترويج التجارة الإيرانية، فقد ارتفعت قيمة الصادرات الإيرانية غير النفطية إلى بغداد – منها الأغذية، ومواد البناء، والمركبات السيّارة، من جملة منتجات أخرى – من 2.3 مليار دولار في العام 2008 إلى 6.2 مليار دولار في العام 2015.

وعززت إيران من توسيع سوق منتجاتها داخل العراق عبر إنشاء منطقة للتجارة الحرة عند معبر شلمچه في إطار منطقة أروند الحرة الأوسع نطاقًا، إذ تمر 80 في المئة من الصادرات الإيرانية غير النفطية إلى العراق عبر النصف الشمالي من الحدود، إذ أعطت التجارة الإيرانية الأولوية للطرقات الشمالية التي تمر عبر إقليم كردستان العراق.

أحد الدلائل التي تُظهر الانتشار الكثيف للمنتجات الإيرانية بالعراق هو إسناد تجهيز مواد البطاقة التموينية للمواطن العراقي لصالح شركات مواد غذائية إيرانية، حيث يحتاج العراق 35 ألف طن من زيت الطعام شهريًّا لسد متطلبات البطاقة التموينية و75 ألف طن من السكر و110 آلاف طن من الأرز.

كما أنشات إيران مناطق للتجارة الحرة في إقليم خوزستان في الجنوب الغربي بهدف تعزيز التجارة مع بغداد، ومخاطبة الحكومة العراقية بخفض التعريفات الجمركية على الصادرات، بعد قرارات برلمانية بزيادة التعرفات الجمركية على واردات إيرانية محددة.

وبينما تصل نسبة السلعة إيرانية الصنع في الأسواق العراقية 60% من مجموع السلع المتوافرة، لا تشكل المنتجات العراقية سوى 6% من مجمل السلع والمنتجات الموجودة في السوق العراقية.

تنظيم الدولة في العراق: السعودية وتركيا أكبر الخاسرين.. وإيران الفائز الوحيد

ساهم توسع تنظيم الدولة الإسلامية في شمال العراق في التضييق على معابر التبادل التجاري بين بلاد الرافدين وتركيا، والتي كانت تنتشر على الحدود الشمالية، حيث لوحظ التراجع الحاد في التبادل التجاري بين البلدين على خلفية قطع الطرقات التجارية الواصلة بين البلدين، بعد أن صارت طرقات الشحن البري بالشمال الغربي تزيد فيها المخاطر الأمنية.

في مقابل ذلك، أدى تراجع التبادل التجاري على الحدود الشمالية إلى ازدهار المنافذ التجارية لإيران المنتشرة في الجنوب العراقي.

حسب تقرير منشور بموقع «صدى» التابع لمركز الأبحاث كارنيجي للباحث تامر بدوي، «فالمحافظات الجنوبية في العراق أكثر جاذبية للتجّار الإيرانيين الذين يبحثون عن طرق موثوقة للتصدير. تسبّب تقدّم تنظيم الدولة الإسلامية في شمال العراق ووسطه بعرقلة التجارة بين تركيا والجزء الجنوبي من العراق، ما أدّى إلى زيادة الطلب على البضائع الإيرانية للتعويض عن تعطل الإمدادات التجارية مع تركيا».

أحد الأسباب التي ساهمت في ازدهار الاستثمارات الإيرانية في العراق، هو ارتفاع حدة الخلافات السياسية بين العراق وتركيا، على خلفية قيام أنقرة بنشر قوات في الموصل بهدف إجراء تدربيات في الخامس من ديسمبر (كانون الأول) 2015، والرفض التركي سحب هذه القوات.

وتمثلت تداعيات الخلافات الكُبرى بين البلدين، في إصدار محافظة البصرة العراقيّة قرارًا في 16 أكتوبر (تشرين الأول) 2016، بالامتناع عن التعاقد مع الشركات التركية مستقبلًا لتنفيذ مشاريع في المحافظة، خصوصًا في قطاع النفط، ومنع المواطنين الأتراك من الدخول إلى مطار البصرة الدولي، ومنع تداول البضائع التركيّة في المحافظة.

وكان مجلس محافظة بغداد قد صوت في 8 ديسمبر (كانون الأوّل) 2015، على مقاطعة المنتجات التركية، ومنع عقد أي اتفاق مع أي شركة تركية. فيما هدد مجلس محافظة كربلاء في 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2016 بطرد الشركات التركية العاملة في المحافظة، في حال إصرار تركيا على تواجد قواتها في العراق.

أحد الخاسرين وراء صعود تنظيم الدولة الإسلامية أيضًا هي السعودية، بعد شيوع اعتقاد داخل المجتمع العراقي بأن المملكة تدعم تنظيم الدولة الإسلامية، وقيام التجار العراقيين باستبدال البضائع الإيرانية بالسعودية، فضلًا عن قرارات رسمية من محافظات عراقية بمقاطعة المنتجات السعودية، والتي جاءت وفق محوريين , المشاريع الاستثمارية , والمواد الغذائية. كما أخذت إدارات المنافذ الحدودية البرية والبحرية تطبيق القرار، ولم تعد تسمح بدخول كافة البضائع السعودية، واعتبروا أن «من يستورد بضائع سعودية الصنع فهو خائن لبلده وعميل للسعودية».

وكانت الأسواق المحلية في البصرة تشمل الكثير من المنتجات السعودية، بما فيها مواد غذائية وإنشائية وأجهزة كهربائية منزلية، حيث كانت هذه المنتجات تدخل إلى المحافظة عن طريق منفذ سفوان الحدودي البري الوحيد بين العراق والكويت، وكذلك من خلال الموانئ التجارية، وخاصة ميناء أم قصر بشطريه الشمالي والجنوبي.

عرض التعليقات
تحميل المزيد