تبدو إيران في السرديّات الأمريكية الرسمية وكأنها وحش أسطوري، يتربص ليفتك بالكرة الأرضية ومن فيها. لذا لا بد أن تحافظ الولايات المتحدة عليه مُوثقًا ومحاصرًا بالعقوبات والقواعد العسكرية. فهذا الحصار هدفه أن تحمي الولايات المتحدة العالمَ من أي محاولة متهورة يقدم عليها هذا الوحش لإيذاء دولة أخرى. لكن الواقع يقول إن إيران لا تملك عددًا هائلًا من الحلفاء كما لدى الولايات المتحدة، ولا تملك جماعات ضغط من الأثرياء كما تملك إسرائيل والولايات المتحدة. أيضًا ليس لدى إيران الرصيد المالي الضخم الذي تمتلكه دول الخليج وتُنفق منه الولايات المتحدة متى أرادت.

لكن استقراء المواقف الإيرانية المتتابعة، يشير إلى أن إيران شديدة الحذر من أن تُجر إلى حرب مباشرة مع أي قوة أخرى. كما أن تصريحات قادتها تبدو حكيمةً حين تتأزم الأمور ويصبح استخدام القوة احتمالًا واردًا. فالرواية الأمريكية والإسرائيلية والمُصدّقة خليجيًّا تتحدث عن رغبة إيران في تصدير ثورتها الإسلامية بأي ثمن، لكن إيران تبدو مُدركة لحدودها جيدًا، ولا تنظر إلى نفسها بوصفها قوة عسكرية ضاربة، حتى وإن كانت تصريحات قادتها أحيانًا تثير الشكوك في تلك النقطة. حتى حربها مع العراق كانت حربًا مفروضةً عليها، لم تبدأها إيران ولم تتوقعها، وحتى في أثنائها كانت إيران سلبيةً أكثر من اللازم.

ويمكن القول بأن إيران استطاعت أن تتغلب على كل نقاط ضعفها بعددٍ من العمليات النوعية وحروب الوكالة المؤثرة. فإيران بجانب روسيا يحيطان الرئيس السوري بشار الأسد، بالرعاية؛ ما أخّر سقوطه حتى الآن. كما أن إيران هى الراعي الرسمي لـ«حزب الله» في لبنان، واستطاعت عبره أن تحقق عدة انتصارات على الجيش الإسرائيلي. كذلك نصر إيران الأكبر في اليمن حيث دعمها المباشر للحوثيين؛ ففي سبتمبر (أيلول) 2019 أعلن الحوثيون عن أضخم انتصاراتهم على السعودية والإمارات، إذ أُسر أكثر من 4500 جندي من جنود التحالف، ودُمّرت آليات ثلاثة ألوية مُدرعة.

الحرس الثوري.. جيش داخل الجيش الإيراني

يمكن القول بأن تلك العمليات النوعية تبث الرعب في نفوس العالم من إيران، لكنها لا تعكس بالضرورة قدرات الجيش الإيراني، كما لا تعد مؤشرًا حقيقيًّا لقدرة إيران على المقاومة حال استهدفتها الولايات المتحدة استهدافًا مباشرًًا. لكن تلك العمليات وغيرها من المناوشات التي تنفذها إيران تُلقي الضوء على قوة واحدة، الحرس الثوري الإيراني. الحرس الثوري الذي يعمد الجنرال قاسم سليماني، إلى ترديد اسمه كثيرًا ليبدو كأنه نقطة في بحر الجيش الإيراني.

منذ تلك اللحظة التي قامت فيها الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، والدولة تعيش اللحظة الثورية بكل تفاصيلها. فمن أفكار الثورة العتيقة هو التشكك في كل المؤسسات التي كانت قائمةً في العهد المنقضي؛ لذا لم تستطع الثورة الإيرانية ورموزها أن يثقوا في الجيش الإيراني ذراع الشاه الذي ثاروا عليه. فسمح آية الله علي خامنئي المرشد الأعلى للثورة، للجيش الإيراني بالبقاء على قيد الحياة بصفته مؤسسة لا بد منها. لكنّه صب تركيزه على بناء منظومة عسكرية تدين له بالولاء، وتعتقد بمبادئ الثورة، فوُلد الحرس الثوري الإيراني قوةً موازية، وإذا كان لا بد من توزيعٍ للأدوار، فالجيش يحمي الحدود، والحرس الثوري يحمي النظام.

يتألف الحرس الثوري 125 ألف مقاتل، منهم 90 ألفًا نشطون على الأرض. بدأ الحرس الثوري كقوة محلية، لكن بعد غزو صدام حسين لإيران عام 1980 منحها الخميني أذرعها البرية والجوية والبحرية؛ فصارت جيشًا داخل الجيش. يخوض الحرس الثوري دائمًا معارك غير متكافئة أمام أعداء أقوى منه، لكنه يستطيع عبر عنصر المفاجأة، وتجنيد تنظيمات محلية إمالة الكفة لصالحة. فمن رحم الحرس الثوري وُلدت قوة أشد نخبوية، «فيلق القدس»، الذي يضم 5 آلاف مقاتل هم صفوة رجال إيران، الذين يضطلعون بالمهام الخارجية السرية والصعبة، ويسببون إرهاقًا للاستخبارات المركزية الأمريكية، سواء في محاولة تتبعهم، أو محاولة ربطهم بالعمليات التي ينفذونها.

حتى في العمليات التي اعترف بها الحرس الثوري مثل إسقاط طائرة شبح إسرائيلية حاولت الاقتراب من منشآت إيران النووية، لم ترد أمريكا عليه. وحين يئست الإدارة الأمريكية من النيل من الحرس الثوري بصورة مباشرة، أدرجته في أبريل (نيسان) 2019 ضمن قوائم الإرهاب.

مترجم: الحوثيون لديهم صواريخ قادرة على إغراق سفينة حربية.. كيف حصلوا عليها؟

مقومات الجيش الإيراني تقبع في الماضي

ومما سبق، يمكن القول بأن الحرس الثوري قوة مخيفة في الجيش الإيراني، لكنه لا يُعطي انطباعًا حقيقيًّا عن قوة بقية الجيش. لأن الحرس الثوري هو أفضل ما في الجيش، أما بقية أفرع الجيش الإيراني فأضعف وأقدم.

فسلاح الجو الإيراني وقع ضحيةً للعقوبات الأمريكية والعداء الغربي لإيران، وحين قدّمت إيران طائرة على أنها طائرة من الجيل الرابع إيرانية الصنع، اتضح أنها نسخة غير متقنة لطائرة «إف 5» الأمريكية الموجودة منذ السبعينيات. تلك الطائرة التي أطلقت عليها إيران لقب الصاعقة، في محاولة لإعادة تقديمها كصناعة إيرانية حديثة، لكنها في الواقع كانت بدأت في الخروج من الخدمة في أغلب جيوش العالم.

Embed from Getty Images

القوة الضاربة في سلاح الجو الإيراني هي طائرات «إف 14»، وهي طائرة أمريكية الصنع قوية الأداء، لكن الولايات المتحدة أخرجتها من الخدمة منذ عدة سنوات. وتمتلك إيران منها ما يُقارب 40 طائرة، نصفهم خارج الخدمة والنصف الآخر يعمل بمحركاتٍ عمرها أكثر من 40 عامًا. وبسبب الحظر الأمريكي لا تستطيع إيران الحصول على قطع غيار حديثة لها. تقول إيران إنها حققت طفرة صناعية سمحت لها بصناعة قطع غيار محليًّا، لكن حتى لو صدقت تلك الأقوال، فإن كفاءة تلك الطائرات ستكون أقل من أي مقاتلة أمريكية أخرى.

أما الطائرات الأخرى في سلاح الجو فهي «سوخوي 24»، المقاتلة الروسية الشرسة، لكن الروس أوقفوا إنتاجها هي الأخرى. أما أحدث الطائرات الإيرانية فهي «ميج 29» المُشتراة من روسيا، لكنّ التطور العسكري تجاوز قدارت هذه الطائرة هي الأخرى. خاصةً وأن الجارة السعودية تمتلك مقاتلات «إف 15» و«تايفون» البريطانية. ولو قلنا إن إيران تثابر من أجل امتلاك سلاحها المُصنع محليًّا، وقطعت شوطًا كبيرًا في هذا المجال، فإننا لا نستطيع إنكار حقيقة أنها ما زالت متأخرة عن التكنولوجيا التي تمتلكها أغلب دول العالم.

أما القوات البرية الإيرانية فهي تتفوق على أغلب جيوش المنطقة بعقيدتها القتالية الصلبة، وكذلك الانتماء الشديد للثورة الإيرانية، وقابلية فائقة للتضحية من أجل الدفاع عن عقيدتهم. لكن آلياتهم لا تشاركهم التفوق، ولا تكفي العزيمة في غالب الأحيان. فالجيش الإيراني يمتلك ما يقارب 1600 دبابة، وهو رقم أقل بكثير مما تمتلكه أي دولة في المنطقة، بالإضافةً إلى أن معظمهم من الطراز القديم. ويخدم في الجيش أكثر من 800 ألف جندي، يمتلكون ألفي عربة مدرعة.

البحر مثل البر في الجيش الإيراني؛ عتاد ضعيف لا يُعول عليه. تمتلك 398 أصلًا بحريًّا لا تفصح عن حقيقتهم. لكن منهم ست فرقاطات فقط، وصفر مدّمرات، وصفر حاملات طائرات، و34 غواصة قديمة الطراز. وإذا امتلكت إيران غواصاتها وزوارقها البحرية المتطورة؛ فإنهم بحاجة لغطاء جوي يمنع تدميرهم من الجو. وفي حالة سلاح الجو الحالي لا يبدو الأسطول البحري الإيراني في أمان. إجمالًا نجد الولايات المتحدة تُنفق ما يُقارب ألف مليار دولار على جيشها، بينما إيران تنفق ما يقارب 7 مليار دولار فقط سنويًّا. أما دول الخليج فتنفق ما قيمته ثمانية أضعاف ما تنفقه إيران على السلاح.

الخطوات الثلاث التي تحمي بها إيران جيشها الضعيف..

تُدرك إيران أوجه قصور جيشها؛ لذا تعتمد عدة استراتيجيات من أجل تجاوزها، أول تلك الخطوات هي الدفاع الاستباقي. أي إن إيران لا تنتظر أن يتطور الأمر لمواجهة مباشرة مع أعدائها، ولا حتى أن تُضطر هي للتعامل المباشر معهم، بل تتخذ عددًا من الوكلاء الإقليميين المعروفين بمحور المقاومة. بهذه الطريقة تُضعف إيران أعداءها أو تردعهم تمامًا عن مواجهتها. وإذا أصروا فلتحدث المواجهة في أرض طرف ثالث تعيس بعيدًا عن الأراضي الإيرانية.

الاستراتيجية الثانية وهي أنجحهم ودرة تاج الجيش الإيراني حتى الآن، البرنامج الصاروخي الإيراني. المُعلن رسميًّا أن تلك الصواريخ هي سلاح ردع تحمي به إيران نفسها من أي هجوم محتمل. لكن التجارب تؤكد أن صواريخ إيران تتطور لتصبح سلاحًا هجوميًّا قادرًا على ضرب إسرائيل أو دول الخليج. ويمكن الجمع بين الخطوة الأولى والثانية، فإيران نقلت حربها مع السعودية إلى أراضي اليمن عبر الحوثيين المزّودين بصواريخ باليستية إيرانية.

الاستراتيجية الثالثة التي جعلت من إيران وَحشًا مُرعبًا لكنّه مهاب في الوقت نفسه؛ التحكم في الاقتصاد العالمي. فإن 20% من نفط العالم أجمع يمر عبر مضيق هرمز الواقع بين الخليج العربي وعُمان. وقد لوّحت إيران أكثر من مرة، وقدمت عروضًا مصغرةً، لما يمكنها أن تفعله بالعالم إذا تعرضت لهجوم. ألغام بحرية رخيصة الثمن، وزوارق بحرية منخفضة التكلفة يُوضع عليها صواريخ مضادة للسفن، وتزود بطوربيدات متفجرة، تقنيّات يمكنها أن ترعب أي حاملة للنفط من المرور من هذا المضيق. الاستراتيجية ذاتها يمكن أن تنقلها إيران إلى مضيق باب المندب بعد انتصارات الحوثيين في اليمن. البحر الأحمر يمر منه 4% من النفط العالمي، لذا فإجمالًا تتحكم إيران فيما يُقارب ربع النفط العالمي.

البرنامج الصاروخي.. درة تاج الجيش الإيراني

الجيش الإيراني حاليًا أقرب ما يكون للجيش الصيني في الثمانينيّات. كان وقتها جيشًا كبير الحجم، لكنه ضعيف السلاح، كذلك الحال بصورة ما في الجيش الإيراني. فإيران تحتفظ بقوتها البرية الضخمة من أجل تحذير كل من يفكر في حربها على أراضيها، لكن ذلك يعني أيضًا أن بإمكان إيران في غضون عدة عقود أن تصبح جيشًا كبيرًا في العدد والعتاد.

Embed from Getty Images

كما أن الهدف مما سبق ليس التهوين من قدره، ولا القول بأن الانتصار الأمريكي على إيران سهل المنال؛ لأن إيران تعتمد على مبدأ الجيش الرشيق، قليل العدد والعتاد لكن يعرف أين يضرب عدوه. لذا أولت إيران برنامجها الصاروخي عنايةً فائقة. البرنامج الذي بات بإمكانه إحداث أضرار في أي منطقة تريدها إيران. ليست أضرارًا قد تحسم إيران بها حربًا لصالحها، لكنها أضرار تٌكدّر حياة خصمها. كما فعلت عبر الحوثيين، في منشآت النفط السعودية، «أرامكو».

لو كان الأمر هينًا فلماذا لا تنسف الولايات المتحدة إيران كما يحلم جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، أو مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي الحالي؟ الإجابة أن الولايات المتحدة فهمت درس العراق جيدًا. يمكنك أن تهزم جيشًا في أيام معدودة، لكن ماذا بعد الحرب؟ لقد خسر الأمريكيون في العراق أموالًا وجنودًا، وما زالت العراق تستنزف أموال دافعي الضرائب الأمريكين وأبنائهم من الجنود، وفي حالة دولة ذات عقيدة قتالية شرسة مثل إيران، ستعيش الولايات المتحدة ويلاتٍ مضاعفة مما عاشته في العراق.

«ذا دبلومات»: أيهما أخطر.. نووي إيران أم نووي كوريا الشمالية؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد