يعتبر الاتفاق النووي المؤقت مع إيران خطوة هامة إلى الأمام، ويحقُّ لفِرَق التفاوض أن تفخر بإنجازها، فحاشاني أن أكون هادم لذاتٍ في لحظة التقدم النادرة هذه، لكن دعونا لا نفقد اتزاننا وسط كل المصافحات وربتات الظهر الودودة. لماذا؟ لأن برنامج إيران النووي ليس في الواقع القضية الحقيقية، فالقضايا الأكثر أهمية هي علاقات إيران المستقبلية مع العالم الخارجي، وما إذا كان هذا الاتفاق يمهد الطريق لإعادة إدماج ذلك البلد في الاقتصاد العالمي والمجتمع الدولي الأوسع؟

هناك شيء من التناقض في طريقة تناول مؤيدي الصفقة ومعارضيها لموضوع البرنامج النووي الإيراني وعلاقات البلاد الأوسع مع الولايات المتحدة والقوى الكبرى الأخرى؛ حيث يميل معارضو الصفقة إلى الاعتقاد بأن: (1) إيران يحكمها متعصبون شيعة غير عقلانيين شديدو العدوانية (2) امتلاك القدرة على إنتاج أسلحة نووية بشكل يفتح أبواب الجحيم (3) حصول إيران على القنبلة سيكون له عواقب سلبية وخيمة وجسيمة على استقرار الاستقرار الإقليمي والسياسة العالمية بشكل عام.

وبالنظر إلى تلك المعتقدات (غير المبررة)، ستعتقد أن هؤلاء الصقور سيشعرون بالإثارة حيال هذه الصفقة، وبقدر ما تُجمّد من قدرات إيران الحالية فإنها ستقلل مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 20% (أي المواد التي يمكن تخصيبها إلى درجة الأسلحة بسرعةٍ إلى حد ما)، وتترك كل العقوبات الكبرى قائمة. إذا كان البرنامج النووي قلقك الأكبر، فهذه إذًا أول خطوة كبيرة، وأفضل منها صفقة شاملة أوسع مدى. (من الواضح أن البدائل هي برنامج إيراني غير مقيد، أو حرب شرق أوسطية أخرى في مرتبة أدنى).

على النقيض، يعتقد العديد من مؤيدي الصفقة الحالية أن: (1) قادة إيران أفراد عقلانيون يسعون إلى تعزيز المصالح الايرانية الوطنية. (2) إيران لم تقرر بعد الحصول على سلاح نووي، وربما تفضل حالة من الكمون النووية على تطوير ترسانة نووية كاملة. (3) الحصول على القنبلة لا يحول إيران إلى قوة عالمية كبرى بين عشية وضحاها، وبالتأكيد لن يمكنها من تهديد إسرائيل أو ابتزاز جيرانها. وإذا كان هذا الرأي دقيقًا، فإن التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن برنامج إيران النووي- أي اتفاق يقلل تلك العناصر  التي تقلص فترة الاختراق لكنه يترك إيران مع بعض قدرات التخصيب- ليس ذو أهمية كبيرة في حد ذاته؛ لأن إيران سوف تسعى في الواقع للحصول على سلاح على أي حال، وامتلاكها عددًا قليلًا من القنابل لن يكون له هذا التأثير الكبير على السياسة العالمية.

وبالتالي، فإن كثيرين من مؤيدي الصفقة الدبلوماسية لا يؤمنون بأن خطر “إيران النووية” ليس بهذشه الجسامة، بينما يعتقد المعارضون للصفقة الحالية أن البرنامج النووي الإيراني يشكل تهديدًا خطيرًا وشيكًا. وقد يعتقد المرء أن الوضع السابق قد يكون أكثر  راحة من التقدم الحالي: ذوي الرؤية المعتدلة حيال الخطر النووي أكثر سعادة بالصفقة من أولئك الذين ينبغي (منطقيًّا) أن يكونوا أكثر اهتمامًا بأي شيء يقيد ما تستطيع إيران القيام به.

في الواقع، ليست القضية الحقيقية ما إذا كانت إيران على وشك الحصول على قنبلة؛ بل توازن القوى بعيد المدى في الخليج والشرق الأوسط؛ حيث تمتلك إيران إمكانيات قوة أكثر من الدول الأخرى في المنطقة، مثل: تعداد سكاني أكبر، وطبقة متوسطة متطورة نوعًا ومتعلمة جيدًا، وبعض الجامعات الجيدة، ووفرة من النفط والغاز لتعزيز النمو الاقتصادي (إذا استُخدِمَت بحكمة)، وإذا هربت إيران من أغلال العقوبات الدولية، ووضعت بعض الأشخاص الأكفاء في موضع المسئولية عن اقتصادها، فإنها ستقترب أكثر من الشئون الإقليمية مع مرور الوقت، هذا الاحتمال هو ما يكمن حقًّا وراء المخاوف الإسرائيلية والسعودية بشأن الصفقة النووية. صحيح أن إسرائيل والمملكة العربية السعودية لا يعتقدان أن إيران ستستيقظ يومًا وتبدأ في إسقاط الرؤوس الحربية على جيرانها، وربما لا يؤمنون حتى بأن إيران ستلجأ للابتزاز النووي العبثيّ، لكنهم قلقون فقط من أن إيران القوية مع مرور الوقت سوف تمارس تأثيرًا أكبر في المنطقة، بجميع الطرق التي تستخدمها القوى الكبرى، فالهدف من وجهة نظر تل أبيب والرياض هو محاولة إبقاء إيران في الصندوق لأطول فترة ممكنة معزولة، بلا أصدقاء، وضعيفة بشكل مصطنع.

لكن من وجهة نظر الولايات المتحدة، هذا الهدف ليس واقعيًّا ولا مرغوبًا فيه على المدى الطويل، والمصلحة الإستراتيجية الرئيسية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط الكبير هو توازن القوى، وليس هيمنة دولة واحدة. في مثل هذه الحالة، فإن أفضل ما يخدم مصالح الولايات المتحدة ونفوذها هو وجود علاقات جيدة مع العديد من الدول قدر الإمكان، وعلى الأقل علاقات عمل لائقة معهم جميعًا، لذا فإن أفضل ما يخدم مصالح أميركا على المدى الطويل هو المساعدة في دمج إيران في المجتمع الدولي، والذي ما يُرَجَح أن يعزز موقف القوى المعتدلة هناك، ويجعل إيران أقل إزعاجًا في سياقات أخرى (على سبيل المثال لبنان).

إدارة هذه العملية سوف تتطلب طمأنة الحلفاء الحاليين، لكن هذا التطور أيضًا يفرض على الحلفاء الحاليين الاستماع إلى واشنطن بانتباه أكثر قليلا، وهذا لن يكون أمرًا سيئًا.

في النهاية ليست القضية النووية هي الأهم، بل ما إذا كان الاتفاق بشأن هذه المسألة سوف يسمح بتطبيع العلاقات بين إيران والولايات المتحدة وبقية دول 5+1 في الأشهر والسنوات المقبلة، وهذا هو التطور الذي سيسعى معارضو الاتفاق جاهدين لمنعه.

عرض التعليقات
تحميل المزيد