في نوفمبر 2013، تم إبرام معاهدة مبدئية بين الولايات المتحدة وخمس دول أخرى من جهة وإيران من جهة أخرى عن برنامج إيران النووي وهي المعاهدة التي سوف يتبعها اتفاق طويل المدى، وقد قدمت هذه المعاهدة نهاية لأزمة ظلت لأكثر من عقد وتضمنت تهديدات بالحرب ما بين أمريكا وإيران وإسرائيل.

يوضح هذا الكتاب أن الولايات المتحدة وإسرائيل قد قاموا بصناعة أزمة لزيادة الضغط على إيران لتتخلى عن برنامجها النووي عن طريق روايات فسرت سلوك إيران أن الجمهورية الإسلامية تخبئ برنامج تسليح نووي وهي الروايات التي تم نقلها إلى الناس عن طريق الإعلام، يوضح كتاب “أزمة مصطنعة” أن إستراتيجية الولايات المتحدة وإسرائيل كانت تستخدم وكالة الطاقة الذرية لتقوم بادعاء امتلاك إيران للسلاح النووي ما يدفع مجلس الأمن لمعاقبتها أو يدفع الولايات المتحدة للتدخل عسكريًّا في إيران.

ويوضح الكتاب أن بداية الأزمة كانت في 1984 عندما حظرت الولايات المتحدة التعاون مع برنامج إيران النووي الوليد في محاولة لإفشاله، وهنا كان أمام إيران خياران: إما أن تتخلى عن حقها في امتلاك تكونولوجيا نووية أو أن تحقق هدفها مع الكثير من المناورات مع وكالة الطاقة الذرية والولايات المتحدة.

تنقسم الأزمة المصطنعة إلى ثلاث مراحل أساسية على مدار أعوام من 2002 إلى 2013: ولكن يوضح الكتاب أن تحركات الولايات المتحدة وإسرائيل لم تكن محسوبة ومخطط لها من البداية ولكنها تم تطويرها كردود أفعال للتطورات السياسية والمشاكل المختلفة.

المرحلة الأولى

كانت في أغسطس 2002 عندما أعلنت جماعة إيرانية مسلحة في مؤتمر صحفي عن وجود المفاعل النووي الإيراني “نطنز” ويقول الكتاب أن هذه الحادثة كانت نتاج قرار إستراتيجي إسرائيلي ليفتح الباب للولايات المتحدة وإسرائيل لاتهام إيران أنها كانت تخدع وكالة الطاقة الذرية لسنوات طويلة وأنها تسعى لامتلاك سلاح ذري، وقد سببت هذه الحادثة قيام وكالة الطاقة الذرية بالتفتيش على إيران لسنوات طويلة بمساعدة المخابرات الأمريكية والإسرائيلية وقد انتهت هذه التحقيقات في 2008 بدون أي دليل إدانة لإيران، وقد قام الكتاب بعرض ما لم تفعله وكالة الطاقة الذرية وهو الأسباب الأخرى التي جعلت إيران لا تخبر وكالة الطاقة الذرية بتجاربها النووية وبناء مفاعل “نطنز”.

المرحلة الثانية

بدأت في 2008 واستمرت حتى أواخر 2011؛ حيث ظهرت مجموعة من الوثائق من المفترض أنها مسروقة من برنامج إيران للتسليح النووي وتم تسريبها للولايات المتحدة بوساطة مجهولين، ثم بدأ رئيس الوزراء الإسرائيلي نتياهو يهدد باستهداف مواقع إيران النووية وهو التهديد الذي كانت تعرف الولايات المتحدة أنه لن يتم تنفيذه مطلقًا ولكنها أملت أن يسبب مزيدًا من الضغط على إيران، ولكن يظهر الكتاب أن هذه الوثائق كانت مزورة وظهرت أدلة في ويكيليكس في 2008 أن وكالة الطاقة الذرية كانت تعمل مع الولايات المتحدة وحلفائها لتنفيذ إستراتيجية جديدة تقنع العالم أن إيران غير راغبة في التعاون مع محققي وكالة الطاقة الذرية.

المرحلة الثالثة

بدأت في عام نوفمبر 2011 بقصة قالت وكالة الطاقة الذرية إن أساسها معلومة من إسرائيل عن امتلاك إيران لقنبلة صنعها عالم أسلحة نووية سوفييتي، وهذه القصة شغلت حيزًا من الاهتمام الإعلامي ولكن ككل القصص الأخرى، ثبت أنها لا أساس لها من الصحة مع التحريات الدقيقة، ولكن خلال هذه المرحلة تم اتخاذ إجراءات عنيفة ضد إيران؛ حيث تم فرض حظر على بعض أسهمها وتجارتها مع أمريكا وأوروبا.

مما يوضحه الكتاب أيضًا أن سياسة إيران تجاه الأسلحة النووية والكيماوية تطورت بناء على فتاوى إسلامية من الخميني، ففي الفتوى الأولى حظر الخميني استخدام أسلحة التدمير الشامل وهو الذي دفع إيران لعدم استخدام الأسلحة الكيماوية في حربها مع العراق رغم استخدام العراق لها، وفي الفتوى الثانية أكد الخميني على منع العمل على أي شيء مرتبط بالأسلحة النووية، ويوضح الكتاب أن كون إيران أرضًا غنية باليورانيوم كان دافعًا لإيران لتفكر أن تستفيد من هذا اليورانيوم، ولكن موظفي الولايات المتحدة دأبوا على اعتبار وجود هذا اليورانيوم دليل على سعى إيران لامتلاك سلاح نووي، وقد وضح الكتاب أن هذه الادعاءات كانت بسبب الرغبة الملحة للسي آي إيه والبنتاجون في البترول الخام ليقلصوا مشترواتهم ويبتروا تعاملاتهم مع بنك إيران المركزي، بالتحديد كتعويض للتهديد من الاتحاد السوفييتي وحلفائه في 1990-1991، وقد أضافت إدارة بيل كلينتون دافعًا آخر للادعاءات بامتلاك إيران لسلاح نووي وهو القرار السياسي بجعل سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران متماشية مع سياسة إسرائيل تجاهها.

وقد أوضح الكتاب أن حكومات إسرائيل من 1992 إلى 1999 استخدمت هذه الادعاءات لتحقيق الكثير من الأهداف الإستراتيجية التي ربما لا تتعلق بإيران بتاتًا، ولكن إسرائيل دفعت ثمن هذا غاليًا ﻷن إيران من وقتها اعتبرت إسرائيل تشكل تهديدًا عسكريًّا لها ﻷول مرة، وعندما جاءت إدارة جورج بوش وقررت غزو العراق في 2003 كجزء من سياستها المرجوة تجاه المنطقة أرادت أن تستخدم نفس الادعاءات بامتلاك إيران لسلاح نووي لفتح طريق لتغيير النظام في إيران وهذا ما دفعهم لرفض المعاهدة بين إيران وإنجلترا وفرنسا وألمانيا فىي 2004-2005، والتي لو تم إبرامها لتم إلزام إيران بحد أدنى من البرنامج النووي الذي لا يشكل تهديدًا، ولكن هذه الادعاءات سقطت بنفس الطريقة التي سقطت بها ادعاءات الولايات المتحدة بامتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، وقد تم إغلاق كل التحقيقات والروايات بهذا الشأن قبل انتخاب حسن روحاني كرئيس لإيران في يونيو 2013 وبدأ فتح مفاوضات دبلوماسية بهذا الانتخاب والتي أدت للمعاهدة المبدئية مع إيران بشأن برنامجها النووي.

بشكل عام يقدم كتاب “أزمة مصطنعة” أول بديل  للتقارير الرسمية والإعلامية عن خلفيات وتبعات الأزمة الإيرانية ويوثق حقيقة أن الجذور الحقيقية لأزمة التسليح الإيراني النووي ليست مستندة عن رغبة إيران لامتلاك أسلحة نووية.

لكن على أساسين: أولهما جهد الولايات المتحدة لبسط سيطرتها على الشرق الأوسط ورفض امتلاك إيران ﻷي برنامج نووي سلمي، والثاني هو رغبة وكالات الأمن القومي الأمريكية في إنهاء الحرب الباردة بجعل إيران كأنها تمثل تهديد نووي عالمي، كذلك يوضح الكتاب ظلال التحالف الأمريكي الإسرائيلي وكيف يؤثر على سياسة أمريكا الخارجية وكيف كان ثمن صناعة هذه الأزمة غاليًا ﻷنه جعل من المستحيل عقد أي مناقشة موضوعية عن هذا الموضوع داخل الولايات المتحدة، وظل قرار تبني سياسة عقلانية تجاه إيران يتأجل لسنوات طويلة مما سبب تدميرًا لكثير من سياسات الولايات المتحدة في المنطقة، ﻷنه جعلها تتماشى مع أعداء إيران وتشجع صراعات مذهبية طائفية هددت كثيرًا الشرق الأوسط، وحتى لو كان وجود روحاني يمثل فرصة لإعادة النظر في العلاقات الأمريكية الإيرانية فإن الادعاءات السابقة ما زالت تمثل عائقًا أمام حدوث تغيير أساسي في سياسة الولايات المتحدة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد